التحديق في الأكل
عن إثنوغرافيا الأكل/ الدينى بمركز الصورة المعاصرة
 
 
 

منذ أن سمعتُ ملك رشدي، أستاذة علم الاجتماع، تصف «الأكل» في أحد لقاءات «سكة معارف» في نوفمبر 2018 بأنه نوع من السحر، وأنا أتأمله باعتباره بالفعل سحرًا يحكم حياتنا؛ نصنعه ويصنعنا. فكيف لنا يوميًا تحويل المواد المستقلة إلى صنعة جماعية؟ كيف تمتزج الأطعمة والألوان لتكون طعمًا واحدًا؟ وكيف يكون لكل ساحر/ة مزجه/ا الخاص، ولأكله/ا طعمه الخاص؟

يحمل الأكل حبنا ومشاعرنا وخوفنا وأماننا. يحمل موقعيتنا، جغرافيتنا، لوننا، جندرنا، جسدنا، طبقتنا، هويتنا، نخرج منه، ويخرج منا.

هكذا، ولاهتمامي بالأكل كنوع من السحر، شاركتُ في مشروع «بطون» بمركز الصورة المعاصرة، الذي يشتبك مع إنتاج وتوزيع واستهلاك الأكل، نظمنا ورشة إثنوغرفيا الأكل ، في أكتوبر الماضي، مع مجموعة من المهتمين بقراءة الأكل في سياقه الإنساني والاجتماعي. الورشة كانت دعوة لاستحضار حواسنا في تأمل الأكل، دفئه وبرودته، ذكرياتنا فيه، أحلامنا معه، قراءتنا له. كنت كمُيسرة في الورشة محظوظة باستضافة مساحة كمركز الصورة المعاصرة وبانفتاح العاملين والعاملات به لكل الأفكار التي طرحتها مجموعة المشاركين/ات الذين شاركوا في الورشة بوقتهم/ن وبأفكارهم/ن الإبداعية وقرائتهم/ن الواعية التي مكنتنا جميعا من قراءة الأكل، بأشكال متعددة بتعددنا.

في نصف المقال الأول أحاول اصطحابكم في رحلة، تعطيكم لمحة عما جرى في ورشتنا، ماذا قرأنا؟ فيما بحثنا؟ أين تجولنا؟ وماذا ناقشنا؟ أما في نصفه الثاني، وبعد الرحلة، فهو مخصص لكتابات المشاركين/ات في الورشة، والتي هي بمثابة نتاج لها.

إثنوغرافيا الأكل، الطعام، الغذاء.. كيف نلعب لعبة اللغة؟

في تعمد واضح بعدنا عن القواميس والمعاجم، وحاولنا أن نستكشف معًا ما يثار فينا من معان حين ننطق أو نسمع المفردات التالية: غذاء، طعام، أكل .

ذكرتنا «غذاء» بالبيانات والإحصائيات التى تُنتج عن كميات الغذاء في العالم، وسياقه الجغرافي والسياسي المرتبط بثروات البلاد ونشاطها الزراعي والاستهلاكي وسياساتها لحفظ الغذاء لشعوبها.

وحين تساءلنا عن «الطعام» كانت الإجابة أن الطعام هو كل ما يؤكل سواء في صورته الخام أو حتى بعد إعداده، فهذه الخيارة طعام وهذه الرمانة طعام وهذا الشيبسي طعام.

في النهاية فضّلنا استخدام لفظة «الأكل» في ورشتنا، كموضوع لبحثنا، حيث رأيناه ناتج عملية إطعام، جرى فيها اختيار نوع الطعام وشراء محتوياته وطبخه وتقديمه وأكله، لذا فالأكل عملية اجتماعية. سواء كنت تأكل في الشارع أو تأكل في البيت وحيدًا أو مع جماعة؛ فأنت في نهاية سلسلة عملية اجتماعية حدثت من خلال أفراد، وتداخلت فيها علاقات، حتى وصلت إلى بطنك. هذا هو المدخل الذي قررنا أن نسلكه لدراسة الأكل «إثنوغرافيا».

ما سبق كان لشرح «الأكل»، لكن ماذا عن «إثنوغرافيا»؟

مع تعدد تعريفات الإثنوغرافيا وتاريخها الطويل في العلوم الإنسانية وحتى في الفن، أميل لتعريفها، كمحاولة تأملية في أنماط وعادات الأفراد بالمعايشة، ولاعتبارها أداة بحثية تتجاوز أسئلة كيف وكم ولماذا إلى سؤال ما المعنى؟ ويمكن بها أيضًا قراءة المجتمعات من خلال الخبرات والتجارب، التي تنبئنا عنها أنماط الأفراد في سياقهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

ولأن الإثنوغرافيا متجاوزة للأسئلة ومجالات البحث والتأمل، فنتاج البحث الإثنوغرافي يمكن أن يكون فيلمًا أومسرحية أو سيرة ذاتية أو بحثًا أنثربولوجيًا، وهذا ما جمعنا فى تلك الغرفة: باحثين/ات، مخرجين/ات، مصورين/ات، كاتبين/ات نحدق جميعًا في الأكل لنصل إلى سؤالنا/ إجابتنا الذاتية عن الأكل.

نحن في تلك الغرفة الآن، الغرفة التي تُنظم فيها الورشة، لأننا جميعًا وجدنا في الأكل موضوعًا للاهتمام. لدينا ما نأكله بمنتهى الالتهام ولدينا ما نتقزز من مجرد رائحته، لنا عاداتنا وأماكننا وأنماطنا في الأكل التي نعرف من خلالها أنفسنا والعالم، وهذا ما يجعل سردياتنا الإثنوغرافية في مسمط، على سبيل المثال، مختلفة حسب موقفنا الطبقي والجندري وحتى المزاجى وتصنيفنا كآكلين/ات (لحمي/ نباتي/ خضري). إذن فكيف نهزم مخاوفنا من اجترار أنفسنا كاملة إلى سردياتنا الإثنوغرافية عن المجتمعات، أن نتحدث عنا لا عنهم.

أميل إلى القول بأن الجهود النسوية التي بُذلت في الموقعية النسوية بوصفها نوعًا من فلسفة بناء المعرفة[1]، تدعونا إلى مراقبة موقعنا (الطبقي- المعرفي- الوظيفي- الجندري…. الخ) وتأثيره علينا وعلى المشاركين/ات لنا في البحث وعلى قراءتنا التي ننتهي إليها.

أما عن التحليل الإثنوغرافي فقد تعرضنا لمجموعة من النظريات والتأويلات الأكاديمية التي ساعدت في إنتاج تراث الأدبيات في علوم الاجتماع والأنثربولوجى.

تطرقنا في البداية لما يسمى بتصنيع الرجل والمرأة، وهذا ما أشارت إليه الفيلسوفة الوجودية الفرنسية سيمون دي بوفوار في كتابها «الجنس الآخر»، والتي تساءلت فيه عن الأدوار الاجتماعية التي تلحق بالمرأة لمجرد كونها أنثى بيولوجيا، وعليه تُمنح وتُحرم من حقوق وواجبات.

من يطبخ في المنزل؟ من يطبخ في المطعم؟ من يطبخ في التلفاز؟ أين تجلس النساء والرجال؟ كيف تأكل الأسرة في الشارع وكيف تأكل في المنزل؟ ماذا على النساء أن تأكل؟ وماذا على الرجال أن تأكل؟ وأسئلة كثيرة أخرى عن علاقة الأكل بتكوين دورنا الاجتماعي.

للحديث عن الأكل بوصفه عملية اجتماعية استندنا إلى أهم تحليلات المفكر الفرنسي ميشيل فوكو لعلاقات القوى في البنى الاجتماعية ومفهوم السلطة والمقاومة الشبكية والمفككة وبناء على هذا التصور تجلت إلينا الأسئلة حول الأكل كسلطة، والأكل كمقاومة، وعلاقات القوى في المنزل والمطعم.

ولما أردنا أن نرى الأكل من المنظور الطبقي، متجاوزين التقسيم الطبقي الكلاسيكى لماركس، كانت أطروحة عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو عن الصراع الطبقي ورأس المال الاجتماعي المفسرة لاكتساب الأكل معاني الهدية – الترحاب – الكرم – الهوية – الرقي.

وفسرنا من خلالها كيف لأسرة من الطبقة الوسطى أن تقيم العزائم المختلفة وتُحضر طعامًا يكفي لضعفي العدد الموجود وبقدرة مادية قد تكفيها لمدة أسبوعين، وكيف يتغير ذلك الكم والكيف بتغير السياق (عزومة نسب – عزومة أصدقاء – عزومة عائلية).

أما الأكل باعتباره أيديولوجيا فإنه مُشكل لعدة نماذج كما يرى الفيلسوف الماركسي لوي بيير ألتوسير في مقولته «إن الأيديولوجيا تنادي على الأفراد ليتحولوا إلى ذوات. و النداء على الأفراد كذوات يسبقه شرط «وجود» ذات أخرى فريدة ومركزية»، ومنها انطلقنا إلى تساؤلات حول كيف يشكل الأكل نماذج (الأم المثالية – الشيف الجيد – الجارسون/ة المتمرس/ة – الأكيل/ة- الجسم المثالي).

انتهت الورشة الأولى بزيارة إثنوغرافية لحي التوفيقية، سجل المشاركين/ات في الورشة أثناءها بعض الملاحظات، على أنماط الناس في الأكل وطرق تقديم وإعلان المطاعم عن الأكل والاختلافات بينها.

قرأنا عن الأكل

لقد اعتمدنا في ورشتنا على الزخم المعرفي حول دراسات الطعام والمنتج تحديدًا من الآنثربولوجيين/ات، سواء استخدموا الإثنوغرافيا أو لا، وبحثت كثيرًا عن كتابات مترجمة للعربية أو مكتوبة بالعربية حتى نتمكن جميعًا، على اختلاف علاقتنا باللغات، فهمها واستيعابها.

كان المأزق الأول في اختيار النصوص، هو تلك المترجمة للفصحى المعقدة العصية على الفهم للمهتمين/ات بالورشة وليس لهم خلفية بحثية في علوم الاجتماع أو الإنسانيات عمومًا، أما المأزق الثاني فهو بعض الألفاظ المكررة في النصوص، والتي تحمل إيذاءً لغويًا كألفاظ: سحاقية وشاذ وزنجي.

وكان الحل الوحيد أن نقرأ قبل ميعاد الورشة، ونلتقي في جلسات مناقشة حول تلك النصوص.

بدأنا بكتاب الأجساد الثقافية لهيلين توماس وجميلة أحمد وترجمة أحمد الغزولي (المركز القومي للترجمة- 2010)، وقرأنا بالتحديد الفصل التاسع «الأكل من أجل الحياة» لإليزابيث روبين والذي كتبت فصلها عن تطور دراسات الطعام، وكيف طورت مشاهداتها عن الأكل لتبني بحثًا أنثربولوجيًا باستخدام الإثنوغرافيا في مطعم.

تطرقنا أيضًا لكتاب أنثربولوجيا الطعام والجسد لكارول كونيهان، ترجمة سهام عبد السلام (المركز القومي للترجمة- 2013) حيث عبرت الكاتبة في فصلها الرابع بعنوان الطعام والجنس والإنجاب.. اختراق الحاجز بين الجنسين، والفصل الخامس بعنوان أن تكوني نحيفة أوبدينة وأنثى عن الأكل وعلاقته بتشكيل هوياتنا الجندرية وأدوارنا ولأجسادنا أيضًا.

أما كتاب شارل عقل «غذاء للقبطى» (كتب خان- 2017) كان من أهم ما قرأنا تطبيقًا للإثنوغرافيا التي تجلت في الفهم والاستيعاب، كون الكاتب يتحدث عن تجربته وموقعيته كمواطن مصري مسيحي وعلاقة الأكل بموقعيته كطالب مسيحي في المدرسة وسط الطلاب المسلمين، وكيف شكل الأكل هوية أسرته المسيحية وهويات أصدقائه المسلمين.

في السياق نفسه قرأنا مقالة الإطعام كسلطة أمومية (موقع جيم- 2019) لكاتبة هذا المقال، والذي تتبعتُ فيه الإطعام في تحوله من دور بيولوجى (الرضاعة) لدور اجتماعي ملزم للنساء في كل المجتمعات في ضوء ما أكدته كارول كونيهان في كتابها «أنثروبولوجيا الطعام والجسد»، من أن دور النساء السائد في إطعام الأسرة ملمح ثقافي عام في جميع أنحاء الكون ومصدر لسلطة النساء، وعليه فإنّ قوّة النساء كثيرًا ما كانت تُستمدّ من قوّة الطعام». في هذا المقال تتبعت كعشر أمهات طبخن حبهن ورضاهن وغضبهن وفرحهن في أكلات، وحولن الدور إلى سلطة أمومية حكمن بها أجساد أسرهن وشكلن علاقاتهن بكل واحد فيهم.

أيضًا قرأنا نص لحم تقدسه، أو تُحرمه، أو تأكله: الطعام مدخلًا لفهم الدين لميرهان فؤاد (منشور- 2018). وفيه كتبت عن الطعام بوصفه مدخلًا لفهم الدين: «الدين يؤثر في الطعام الذي نأكله، والطعام بدوره طريقة ملموسة وواضحة لدراسة الأديان.الدين يحدد كيف ننظم مأدبة وكيف نصوم. في كل دين هناك طقوس دينية غذائية ورموز وأعياد تتضمن الأكل. تهتم الأديان عمومًا بتشكيل وتهذيب الجسد والروح، ومنذ بدايتها تضع يدها على مائدة المؤمنين بها، وتحدد المحرم والمحلل من الأكل وشكله وطريقة ذبحه وتناوله وتعتبر التقنين أو المنع أحد أهم مكونات التعبد.

أن يُطهى الأكل بالدين

في اجتماعنا الأخير، خرجت من بيننا فكرة أن نبدأ الكتابة عن موضوع الأكل، ووصلنا إلى أنه يمكننا توسيع مشروعنا البحثي لرصد الأكل الديني في المولد النبوي والكريسماس، وعليه فقد بدأنا حلقتنا الثانية عن الأكل الديني تحت عنوان ورشة الليلة الكبيرة، وخصصنا القراءات فيها عن الموضوع.

خرجنا في صحبة إلى شارع «باب البحر» لزيارة المحلات والمصانع التي خُصصت لحلوى المولد والعروسة والحصان. اشترينا العرائس والحلوى، وكنا قد اتفقنا على أننا سنعيد تشكيل مجسمات الحلوى لتكون مشروعات فنية معبرة، عن قراءاتنا الإثنوغرافية، ومكملة لنصوصنا.

شيماء طلبة كتبت:

«خطوات تدنو بها من حارة باب البحر، تفتح داخلك برزخ الشارع القديم الذي مررت به مع والدك وأهداك من المولد عروسة، باب البحر تضخمت عرائسه وتاهت ملامح عروستي بين الهياكل البلاستيكية ذات الرداءات التي لا أعلم عن شكلها إلا بما توحيه من أنماط فتيات لا أعرف لماذا استجلبهم الوعي الشعبي لنا، هل لسهولة تعبئة الصين بقوالب عرائس تطعم العين بما لا تشتهي البطون، تعالى صوت سؤالي عن عروسة حلاوة، حلاوة «سكر» والجميع يشير إلى داخل الحارة، أصبحت العروسة الحلاوة التي أعرف في آخر ممر من ذاكرة حارة باب البحر، وجدتها.. وبجوارها الكثير منها مهشم، تذكرت متى كسرتها بيدي وأفرغت محتواها وأخذ أبي قضمة السكر وأهداها إلى فمي، وسط ذلك الجمع الغفير الذي أكل من جسد عروسة رمزية احتفى في يوم فقْد أحد أولياءه الصالحين وهو الحبيب المصطفى، و تذكرت طقس المناولة الذي طالما حكت لي أمي عنه، حين كان يطعمها الأب في الكنيسة قربان رمز لجسد المسيح، كوني من عائلة تنتمي إلى الديانتين الأكثر انتشارًا في مصر جعلني أعي أن العقل الجمعي هنا يشكر الإله على كل أوليائه بطرق متشابهة جدًا».

 كان مثيرًا لنا أيضًا أن نقرأ تحول الأكل (حلاوة المولد) إلى سوق استهلاكي موسمي يفرض نفسه على ميزانية الأسرة المسلمة ويُشكل احتفائهم بمولد النبي محمد، الذي مات ولم يوص بالاحتفال بهذا الشكل، ولكن يبدو أنه كان هناك احتياج للمؤمنين/ات للاحتفاء بشيء يؤكل؛ تحويل المجرد إلى مادي، وهو المبرر الذي جعل عادة حلاوة المولد ممتدة وباقية، من لحظة دخولها إلى الثقافة الرسمية أثناء حكم الحاكم بأمر الله في العصر الفاطمي.

كتب أحمد الرومي، المشارك بالورشة، مقالًا بعنوان: هل فكرت يومًا أن تأكل البلاستيك؟ نقتطف منه التالي: «هل تصورت قبل ذلك أنه قد تجيء عليك لحظة يجري فيها ريقك اشتهاءً لـ «عروسة مولد» ليست من الحلاوة؟ ليس هذا فحسب، بل وتطعمها لمن تحب!».

دعك من ذلك كله، أتتخيل أن العرائس الحلاوة -المسكرة جدًا- أصبحت مُحرّمة ـصحيًاـ على الأفواه؟ هل تدرك أن كل تلك العادات -بمراسمها الممتدة- تتحلل رويدًا رويدًا؟ تمامًا مثل المركبات العضوية، ليرسخ في الأرض والذاكرة والبيوت عادات مدهونة بثقافات بديلة؟ قد «تسيح»، وقد تتغير معالمها، لكنها -على ما يبدو- أصبحت هي الأقوى والأجدر على البقاء.

تلك التساؤلات؛ وأكثر، تزاحمت في رأسي خلال معايشتي لسوق بيع «حلوى مولد النبي»، الواقع في وسط العاصمة، وتحديدًا، شارع «باب البحر» الكائن بحي باب الشعرية، أحد أهم مراكز صنع وبيع هذا النوع من الحلوى «المصرية ـ الإسلامية».

أمام تلك المحال المنخرطة في سباق تصنيع مستعر، يركز بالدرجة الأولى على «المجسمات الجندرية» [يعني انقسام حلوى المولد لنوعين جندريين، العروسة للإناث والحصان للذكور ]. كان هناك بائعون يفترشون الطريق ببضاعة مغايرة، تسمح لهم بالتواجد وخلق مساحة للرزق. منهم بائع كان يعرض مجسمات لـ «جمل» مصنوعة من الفرو. بفحص أحدها وجدت عليه بيانات المُصنّع الأصلي «صنع في الصين»، لم يحاول تمصيره، إذ قد يكون اكتفى برمزيته «العربية ـ الإسلامية» التي تعد مسوغًا منطقيًا لبيعه في هذه المناسبة الدينية بسعر 80 جنيهًا.

على بُعد أمتار قليلة من بائع الجمال الـ «فرو»، ووسط أطنان المجسمات البلاستيك المتخم بها الشارع، وجدت بائع يعرض مجسمات حلاوة المولد بصورتها الأصلية، مجسمات لنساء ورجل مصنوعة من السكر، يبيع أغلاها بأسعار زهيدة جدًا إذا ما قورنت بأسعار العرائس البلاستيك. فكان مجسم الرجل الذي يمتطي حصان يتراوح سعره ما بين 5 إلى 15 جنيهات، بينما كان أسعار «العروسة الحلاوة» تتأرجح بين 10 جنيهات إلى 20 جنيهًا، كل قطعة حسب حجمها.

طلبت من البائع أن يساعدني في اختيار مُجسّم مناسب لأهدية إلى شقيقتي الصغرى، وأخبرته أنها طالبة جامعية (وهي رواية قلتها للبائع من أجل معرفة نمطه التسويقي) فقال لي: «هات لها عروسة حلاوة (لم يشر إلى فئة سعرية محددة) هتعجبها جدًا وهتفرح بيها، وهتقعد تضحك عليها، لأنها حاجة غريبة ومش منتشرة».

مشاركون في ورشة إثنوغرافيا الأكل

ولأن العروسة مصنوعة من السكر سألته هل يمكن أكلها، هل هي مضرّة؟

عندها كسر لي البائع قطعة صغيرة جدًا من المجسم وقال لي: «دوق.. إحنا حاجتنا مصنوعة كويس، بس العروسة دى مش مصنوعة للأكل».

تناولت كسرة الحلوى من البائع، ومررتها تحت أنفي لأستطلع رائحتها، فكانت الرائحة «مسكّرة»، يزاحم عَبق السكر في أنفي مكوّن آخر، لم أستطع تمييز رائحته بدقة، لكنه يتمايز بين «النشا» و«الدقيق».

وضعت قطعة الحلوى في فمي، فوجدت صلابتها طيّعة، إذ استطعت جرشها بأسناني الأمامية بسهولة، لتذوب بعدها على مقدمة لساني، ومن ثم تسرب طعمها السكري الحلو في تجويف فمي، قبل أن يحمل ريقي المحتوى ويهبط به إلي مجرى البلعوم هبطةً واحدة.

وسط كل هذا الصخب البصري، الناجم عن استعراض باعة مجسمات «حلوى مولد النبي» لم أستطع مقاومة حنيني الشخصي لمجسمات العرائس المصنوعة من السكر، كونها تحمل في ثقافتي روح ومعنى وهوية أراها تنحصر بفعل تسرب ثقافات أخرى إليها. فاشتريت مجسمين، أحدهما «عروسة حلاوة» والآخر «حصان يمتطيه رجل بلا ملامح» والأخير يغلب عليه الرمز أكثر من التفصيل، وقد رُفِعَ عليه علم مصر الملكي، بلونه الأخضر المميز وهلاله المحتضن نجومه الثلاثة. دفعت في هذه الشروة 35 جنيهًا مصريًا، فقط لا غير.

في غمرة هذه الحالة الغارق فيها، أنا الثلاثيني الذي ما زال حلاوة قطعة مُجسّم السكر تتشبث بريقه، عرفت أن ضىّ (ابن مي عامر، مدربة ورشة الإثنوغرافيا، وشريكنا في الجولة) وهو طفل لم يتخط السادسة من عمره، قد حدد معالم هدية المولد المتماشية مع مزاجه: «مش عايز عروسة سكر، عايز حاجة بلاستيك تقعد معايا وما تتكسرش».

بين كل المجسمات والحلوى هناك شيء فريد، يجعلك تميز بين حلوى المولد وبين الحلوى في السوبر ماركت بين عروسة المولد على اختلاف أشكالها وبين عروسة في محل ألعاب، تذوب وتُمحى وتتغير المواد الخام ويبقى الرمز بشكل متعمد يحفظ للسلعة موسميتها وللبائع حقه في استدامة وجود الشاري مهما اختلفت ظروفه الاقتصادية.

كتب محمد بشير المشارك في الورشة نصًا بعنوان زيارة إلى باب البحر: «كانت الأولى من نوعها حين طرقنا عتبات تلك الحارات الموغلة في قلب القاهرة، يأخذني الشارع في بطئ ماهر إلى عالم لم تره عيناي من قبل، ثم لفظني دفعة واحدة إلى العتبة».

لم أعرف كيف دخلت من الفجالة وخرجت من العتبة إلا أنها تجربة تستحق التدوين.

ولجت إلى باب البحر في زيارة ميدانية لنعيد رصد الأكل الديني بموسم المولد النبوي الشريف، ربما لفتت نظري أشكال العرائس البلاستيكية التي حاولتُ بصدق تتبع تيمتها، إلا أنها لم تكن أبدًا من مصدر واحد، ولكنها تشاركت جميعًا فساتين زاهية بألوان مختلفة.

لفتت نظري صديقتي شيماء إلى أن العروسة بيديها عصى سحرية، فأخذتني رأسي بعيدًا حول العروسة وإلى ماذا ترمز، وما علاقة العروسة بالسحر، ولماذا حين استبلدلوا ثلاث دوائر متقاطعة خلف رأسها أمسكوها عصى سحرية كتلك التي تمسكها الأميرات في أفلام ديزني.

أخذتني الدوائر إلى مفتاح الحياة الفرعوني وتقاطعها كأنها صليب يزين رأس العروسة إلى الزخرفة المسيحية وتأثر الفاطميين بها.

وشعرت من عصى أميرات ديزني باختناق العولمة، وكأن كل الجمل الجاهزة عن العولمة والتهام الثقافات تزحف على صدري لتخنقه.

سعدت كثيرًا حين دخلنا إلى أحد المحلات التي بدا عليها الانتهاء من الموسم، ووقفت العرائس كأن فاتها شيء ما على الرغم من أنها بكامل زينتها، ليدخل صاحب المحل ويشعل النور ويقول لنا «كل سنة وإنتو طيبين الموسم خلص»، وسألناه عن أسعارها فأجاب. الجميل أنه هو من يزينها بيديه.

على طول باب البحر تعددت العرائس والعرسان زي ما بيقولوا، لكن لم نجد عرائس مطرزة بالأيدي، وإنما العرائس البلاستيك، أما عروسات السكر الأبيض فوجدناها آخر الشارع.

ربما دخلت المحل بعين باحث ونصف إعجاب سائح، أرفع الموبايل وألتقط صورًا لتلك التحف التي تم تزيينها باليد، ولكنني خرجتُ مُحملًا بنظرات الرجل والتي جعلتني عينة بحثه وموضوعه.

كنا غريبين عن الحارة، وقفنا في المنتصف نسأل كيف الطريق إلى حارة «باب البحر»، أخرجنا الموبايلات للتصوير، لم نكن نرتدي ملابس مثل الناس بالحارة، ربما كانت ملابسنا زاهية أكثر، كنا نتبع المحلات بنظرات أكثر من مجرد مشترين، أجل لم تسرقنا الحلوى ولا المولد ولا الأسعار.

إلا أنها كانت لحظة غربة، خاصة حين وصلنا في النهاية إلى مصنع عرائس الحلوى بالسكر. ربما كانت ملامح العرائس أقرب إلى التميمة منها إلى الفتاة.

وشعرت بأن ألوان السلوفانات صارخة بكل شتائم الحارة، وكل أوجاعها. خرج إليّ شاب قوي البنية بسيط الكلام، سألته على أكبر عروسة، قال لي تمانين جنيه، سألته انت اللي عاملها؟ قال لي آه أنا اللي عامل دول كلهم، بضحكة اللي لقى أجنبي عجبه شغلانة أو سبوبة الزينة اللي بيعملها من السنة للسنة دي.

وصاحب المصنع نفسه كان واقف في نص الحارة عينه علينا كلنا. لم يحتفِ بنا أحد، أخذنا عروستان سكر وأحصنة صغيرة ثمن الواحد منها خمسة جنيهات، أخذ النقود وأخذنا السكر، حاولنا الابتهاج كثيرًا، ولكن البائع لم يبتسم. وتردد العبوس في عودتنا من الحارة بينما كنا نسأل الباعة عن ملبن، فيجيبنا الجميع: يتم بيعه بالجملة فقط ووسط علب الحلوى المغلفة. حتى باع لنا أحدهم قطعة صغيرة من الملبن المغلف بخمسة جنيهات، لم يكن يبيع قطاعي، ولكنه كان أذكى. فنحن كنا زبائن سقع، وهو باع.

في غربة مستمرة. لطشتنا العتبة، وأخذنا الشارع إلى الخارج، كأننا ننجرف مع النهر.

دندنت لصديقتي أنني أتمنى لو اشتغلتُ بهذا السوق كعامل لمدة شهر زي كل اللي شغالين جوه. هعرف حواديت كتير أوي، ربما ذابت علاقات القوى في السوق وسط الزحام، لكنها لم تغب عن أجساد الناس وطريقة حركتهم وكلامهم. لتستقبل صديقتي في النهاية تليفون من أبيها يلومها أنها لم تتصل به لتهنئه بمناسبة المولد النبوي الشريف! وتقول لي: « إحنا بعيد عن المناسبة للدرجة دي! ». لتعيدنا مرة أخرى إلى غربة ذابت وسط حبات السكر، وسؤال لن يتوقف صداه، بالسوق من كان يبحث من؟

 

[1]اشارلين ناجي هيسي – بايير- وباتريشا لينا ليفي وآخرون :مدخل إلى البحث النسوي ممارسة وتطبيقً، ترجمة هالة كمال،المركز القومي للترجمة،القاهرة،2015.

[2]كارول م.كونيهان، أنثربولوجيا الطعام والجسد، ترجمة سهام عبد السلام، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2012، ص81

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن