من الخطوط الأمامية في طرابلس: كيف تغلب حفتر على نكسة الصيف الماضي؟
 
 
أرشيفية - أدخنة تتصاعد من مواضع الضربات الجوية المصرية في درنة
 

 الجمعة الماضي، شنت قوات موالية لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، والمدعومة من الأمم المتحدة، هجومًا مسلحًا على مدينة ترهونة (88 كلم جنوب شرق العاصمة الليبية طرابلس) في أول مواجهات تقع داخل حدود المدينة التي تعد غرفة العمليات الرئيسية للقائد العسكري لقوات شرق ليبيا المشير خليفة حفتر منذ خمسة أشهر، يدير منها هجومه الذي أطلقه في أبريل الماضي للاستيلاء على طرابلس، مقر الحكومة.

لم تتمكن القوات الموالية لحكومة الوفاق، وهي فصائل من المليشيات المتحالفة غرب ليبيا، من تكرار انتصارها الذي حدث في يوليو الماضي بعد سيطرتها على غرفة عمليات غريان (حوالي 100 كيلومتر جنوب غرب طرابلس) والتي جعلت وقتها مسيرة حفتر تتعثر تجاه العاصمة ومثلت له خسارة كبرى.

بحلول مساء الجمعة، انسحبت القوات المهاجمة لترهونة، تجنبًا لقصف الطيران الحربي الموالي لحفتر، والذي يعتمد عليه بشكل أساسي في إجهاد واستنزاف خصومه المسلحين. ثم شن الطيران في الساعات الأولى من السبت الماضي ثماني ضربات جوية على مواقع في مدينة مسلاتة الملاصقة لترهونة، وذلك وفقًا لمصدر محلي.

تلعب ترهونة التي تسيطر عليها مليشيا قبلية تعرف محليًا بـ«الكانيات» الدور الأبرز في دعم هجوم حفتر غرب ليبيا. فلقد حافظ خليط من مسلحيها القبليين والعسكريين السابقين في نظام معمر القذافي على مواقع حفتر جنوبي العاصمة عند تعثر هجومه في يوليو الماضي قبل أن يعيد ترتيب صفوفه في الأشهر الثلاثة الأخيرة ويضغط للاستيلاء على مواقع جديدة صوب شمال طرابلس.

وبحسب مصادر من داخل ليبيا، منخرطين في هذه العملية منذ سبتمبر الماضي، تمكن حفتر من السيطرة على المجال الجوي، بعد أن شن حملة جوية مكثفة منذ أغسطس وحتى أكتوبر لتحييد الطائرات التابعة لحكومة الوفاق. وبهذا الهجوم الأخير، يسيطر حفتر جوًا، ويضغط عسكريًا للاستيلاء على العاصمة مع تقدم بطيء نحو قلب طرابلس، في الوقت التي تحاول فيه حكومة الوفاق جاهدة إعادة الموقف لصالحها. لم يكن هذا التقدم ممكنًا بدون دعم إقليمي ودولي جعل من ليبيا مساحة تنازع لأكثر من مجرد لاعبيها الداخليين. حدث ذلك التقدم بدعم كبير من الحلفاء الإقليميين، لا سيما العالميين وفي مقدمتهم الروس. ولكنه تقدم قد يعترضه داعمو حكومة الوفاق الوطني من الأتراك. كما أنه تقدم يتخلله انقسامات داخلية في صفوف «الجيش الوطني» التابع لحفتر، وهي الانقسامات التي حاول القائد تجاوزها، أيضًا بمساعدة حلفائه، تحديدًا المصريين.

لم تكن الغارات على ترهونة ومسلاتة وحدهما. فقد شنت طائرات موالية لـ «الجيش الوطني» حملة جوية مكثفة على مدينة مصراتة (250 كلم شرق طرابلس) قبل ساعات من صباح الجمعة الماضي أيضًا؛ 16 ضربة جوية من طائرة حربية، فيما بلغ إجمالي الضربات التي شُنت في أماكن متفرقة غرب ليبيا نحو 47 غارة في ذات اليوم، بحسب صحفي متابع من المدينة، فضل عدم ذكر اسمه. ووفقًا لمصدر طبي، قتلت تلك الغارات ستة مسلحين من مدينة مصراتة. ومثل الهجوم الجوي المتكرر لـ«للجيش الوطني» تهديدًا مباشرًا لمصراتة التي منحها الناطق باسم الجيش الوطني»، أحمد المسماري، مهلة زمنية هذا الأسبوع كي تسحب مسلحيها من الحرب ضده متعهدًا بعدم استهدافها جويًا.

تعتمد حكومة الوفاق بشكل أساسي على مصراتة لصد هجوم حفتر على طرابلس، إذ تشارك قوات مصراتة بالعدد الأكبر من المسلحين والآليات في تغطية ما يتجاوز 130 كلم من خط قتال جنوب العاصمة الليبية، معتمدة على  ترسانة من الأسلحة استولت عليها من تركة القذافي.

وقد دفع تفوق حفتر والتهديدات التي شكلتها عملياته الهجومية المكثفة خلال ديسمبر، إعلان مصراتة حالة النفير العام الأسبوع الماضي، وأطلقت المدينة دعوات عبر الراديو المحلي لسكانها بحمل السلاح والتوجه لمحاور القتال جنوب طرابلس ومساندة قواتهم هناك. وتلا هذه الدعوات تضامن ثماني مدن غرب ليبيا أعلنت النفير أيضًا، في محاولة منها لحشد قوات إضافية وإعادة التوازن.

هذا ما يجري على خطوط القتال الأمامية في ليبيا، ولكن ما الذي يحدث وراء تلك خطوط؟ أو تحديدًا، ما الذي يحدث في السماء؟

استهدف حفتر عبر حملته الجوية الأخيرة في الثلاث شهور الماضية، التي صحح فيها مسار تقدمه في العاصمة قاعدة معيتيقة الجوية في طرابلس، والكلية الجوية في مصراتة، والتين تستخدمان لإطلاق الطائرات التركية المسيرة. حظي حفتر بمساحات آمنة لطائراته وسط ليبيا وشرقها، بالإضافة لحصوله على منظومة دفاع جوي متطورة من نوع Pantsir S-1 وطائرات من نوع Wing Long II، التي يشير خبراء مجلس الأمن في تقرير لهم أنه حصل عليها من الإمارات العربية المتحدة.

وفي بيان لها، علقت حكومة الوفاق على قصف مصراتة الأخير قائلةً إن طيران أجنبي هو من شن الغارات، فيما أفاد مسؤول عسكري بغرفة العمليات الجوية بحكومة الوفاق لـ«مدى مصر» إن معلومات لديهم تشير إلى أن طائرة حربية تقلع من مصر هي من تقوم بضربات جوية من وقت إلى آخر.

في أكتوبر 2017، لم تتردد مصر في شن غارات جوية على مواقع شرق ليبيا لصالح حليفها حفتر. تحدث مصدر مصري آنذاك بأن القوات المصرية هي من شنت الغارة، على الرغم من نفي الخارجية المصرية للأمر في ذاك الوقت.

بالإضافة إلى ذلك، قال الباحث في الشأن الليبي جلال حرشاوي، إن الإمارات رفعت وتيرة ضرباتها الجوية، ليس فقط باستخدام الطائرات بدون طيار ولكن أيضًا الطائرات المقاتلة التي لا تذكرها التغطيات الإعلامية كثيرًا. «الإمارات تقصف ليبيا باستخدام الطائرات المقاتلة بطريقة غير عادية».

من جانبها، تمكنت حكومة الوفاق، بفضل الطائرات التركية من نوع Bayraktar TB2 والتي حصلت عليها منتصف 2019، من استرداد مدينة غريان في يوليو من هذا العام، وفقا لمسماري. ساندت سبع طائرات تركية مسيرة قوات الوفاق على الأرض، لكنها لم تتمكن من الحفاظ على حضورها بعد تمكن «الجيش الوطني» من تدمير ترسانتها وتهديد ما تبقى منها، بحسب المسؤول بغرفة العمليات الجوية بحكومة الوفاق.

وقال المسؤول بغرفة العمليات الجوية بحكومة الوفاق إنهم أخرجوا طائرة مسيرة في 13ديسمبر الماضي بعد أن أعلن حفتر «ساعة الصفر» وأصدر أوامر لقواته لاقتحام العاصمة، لكنهم فقدوا التحكم بها وسقطت جنوب العاصمة. المصدر نفسه قال إن الطائرة سقطت نتيجة تشويش متعمد على الاتصال حدث بعد ساعة من إقلاعها. وأشار إلى إن ست طائرات تركية مُسيرة تابعة لهم دُمرت منذ دخولها الخدمة في يونيو الماضي وحتى ديسمبر، وتعرضت طائرتان لم تدخلا الخدمة بعد للتدمير أثناء وصولهما على متن طائرة شحن بعد غارة مفاجئة على الكلية الجوية في مصراتة في أغسطس الماضي.

أضاف المصدر أن لديهم معلومات من سكان في جنوب طرابلس حول قيام مجموعة تقنيين عسكريين يقدر عددهم بـ 25 شخصًا، يعتقد أنهم من شركة فاجنر الروسية، بإنشاء منصات وأبراج إرسال فوق بعض المباني جنوبي العاصمة، وهي التي يعتقد المصدر أنها وراء التشويش على إشارات التحكم للطائرات من دون طيار.

لم تكن الطائرة المُسيرة التركية وحدها التي سقطت. في نوفمبر الماضي، فقدت الولايات المتحدة الأمريكية الاتصال بطائرة مُسيرة فوق ذات المنطقة جنوبي العاصمة، كما أعلنت أيضًا القوات الجوية الإيطالية قبلها بأيام سقوط طائرتها أثناء قيامها بعملية مراقبة واستطلاع جنوب طرابلس. الطائرات الأمريكية والإيطالية تقوم بعمليات استطلاع دورية في المجال الجوي الليبي وقصف مواقع تنظيم «الدولة الإسلامية» في حالة الجيش الأمريكي.

في أواخر نوفمبر الماضي، وعلى خلفية سقوط الطائرة الأمريكية، أعلن الناطق باسم «الجيش الوطني» فرضهم منطقة حظر جوي على ضواحي طرابلس الجنوبية، بحكم سيطرتهم على المنطقة. ويبدو أن الحظر شمل طائراتهم المسيرة أيضًا، فمنذ نحو شهرين خفض الطيران المُسير بشكل واضح عملياته الجوية جنوب طرابلس.

ولكن كيف أثر تراجع القتال من السماء في المعركة على الأرض؟

تزامن تحييد طيران حكومة الوفاق مع الدفع بالمزيد من مرتزقة شركة فاجنر الروسية نحو محاور القتال، في وقت أبدت فيه وزارة الخارجية الأمريكية مخاوفها من وجود المرتزقة إلى جانب قائد «الجيش الوطني».

علي بوزيان، أحد القادة في محاور القتال التابعة لحكومة «الوفاق الوطني»، جنوبي العاصمة الليبية، قال إنهم رصدوا مقتل ثلاثة مسلحين من مرتزقة فاجنر خلال مواجهات اندلعت الجمعة الماضي بمحور اليرموك الذي يُعد خط قتال جنوب طرابلس.  

وقال عبدالله خالد، وهو أيضًا مقاتل مع «الوفاق الوطني» من مصراتة يتواجد في محور القتال جنوب طرابلس، إنه شاهد مسلحين لم يعتد أن يراهم، مضيفًا أنه منذ نوفمبر الماضي شاهد ثلاث مرات ما يعتقد أنهم مرتزقة فاجنر عبر المناظير بعيدة المدى. «أنا هنا من خمسة أشهر لم أر مقاتلين مشابهين لهؤلاء من حيث التجهيزات والأسلحة التي يحملونها وتحركاتهم في مجموعات صغيرة. رؤية مقاتلين كهؤلاء لست معتاد عليها رغم الحروب العديدة التي شاركت فيها»، يقول خالد.

ووفقًا لتقديرات حصل عليها «مدى مصر» من غرفة العمليات العسكرية لحكومة الوفاق، هناك حوالي ألف مقاتل من مجموعة فاجنر في ليبيا منذ سبتمبر الماضي.

ولقد مثل حضور الروس في النزاع جنوب طرابلس شكلًا من أشكال تنامي النفوذ الروسي في ليبيا، في وقت تتبنى فيه الدبلوماسية الروسية الرسمية سياسة معلنة من الحياد، خاصة أن فاجنر وكالة خاصة. كان هذا الحضور بمثابة دفعة قوية لحفتر للاستيلاء على طرابلس، وانعكس مؤخرًا في هجمات تمكن عبرها من إعادة الزخم لعملياته العسكرية جنوبي العاصمة، والتغلغل نحو شمال العاصمة بشكل أكبر مما كان عليه عند إطلاق عمليته في أبريل الماضي وتعثرها في يوليو.

وهكذا أسهم التفوق الجوي والدعم بخبرات عسكرية في توسعة نطاق سيطرة حفتر، إذ تمكن منذ أكتوبر الماضي من استئناف هجماته بعد كمونه عسكريًا، وتمكن مؤخرًا من الاستيلاء على ثلاثة معسكرات جنوب العاصمة الليبية بعد أن دفع بما لا يقل عن 500 مقاتل محلي من شرق ليبيا نحو محاور القتال، وفقًا لمصدر عسكري موالي له.

وبحسب حرشاوي، عزز المقاتلون الروس والتقنيات القتالية الأخيرة وانضباط التنسيق، الخوف بين صفوف قوات «حكومة الوفاق»، مشيرًا إلى أهمية «الحرب النفسية». غيّر هذا من ديناميكية المعركة بطرق عميقة في غضون بضعة أسابيع فقط. «على سبيل المثال، كان القناصة الروس قادرين على تقويض الروح المعنوية لقوات حكومة الوفاق من خلال قتل قادة من الرتب المتوسطة الأكفاء بين صفوفهم. ظهر الروس أيضًا بمعدات عالية الدقة مثل مدافع الهاوتزر الموجهة بالليزر».

ولكن وجود مقاتلين روسيين في صفوف حفتر مرتبط بشكل مباشر بالوضع الداخلي لـ«الجيش الوطني». فقد كشف المصدر المقرب من حفتر في الرجمة بمدينة بنغازي شرق ليبيا، قلعة حفتر الحصينة حيث يدير عملياته، أنه تمكن الأسابيع الماضية من تجنب حدوث تمرد وإسقاط قيادته من قبل ضباط عسكريين في مدن شرق ليبيا على خلفية علاقات أقاموها مع حكومة «الوفاق الوطني» واعتراضات حول معركة طرابلس.

أفاد المصدر أنهم تداركوا الموقف وتمكنوا من اعتقال أحد أهم مساعدي حفتر الذين تواطؤا في محاولة التمرد. وبحسب المصدر، تدخلت مصر عن طريق إرسال وفد أمني رفيع إلى الرجمة للقاء قادة «الجيش الوطني»، وبحث عملية إخماد محاولة التمرد على حفتر.

تعكس محاولة هز البيت الداخلي لحفتر حالة هشة من ديناميات التحالفات التي يديرها العسكري المسيطر على شرق ليبيا، والتي تتداخل فيها صراعات قبلية تاريخية. بحسب حرشاوي، هناك مثلًا شعور بعض القبائل خارج بنغازي مثل العبيدات بأنها مؤهلة ومتفوقة مقارنة بالقبائل الأخرى كالعواقير التي تعد أقل تماسكًا. هناك تحديدًا القوة المتراكمة بين أبناء قبيلة الفرجان، بينما دائرة حفتر المباشرة تضم أبناء منطقة طرابلس وتحديدًا سرت وترهونة.

قال حرشاوي إن هذه الخلافات تتلاشى عندما يكون حفتر في موقع متقدم في معركته مع «الوفاق الوطني»، وعندما يحصد تأييد دولي، بينما تعود وتطوف على السطح عندما يكون في موقف ضعيف، مثلما كان الوضع عليه عندما فقد غريان في يونيو الماضي. ولكن، وبحسب حرشاوي، أدت هذه الخلافات إلى تراجع مشاركة أبناء قبائل شرق ليبيا في معركة طرابلس، ويعد هذا التراجع هو السبب الرئيسي وراء ضم مرتزقة روس لصفوف القتال.

هناك أيضًا، بحسب حرشاوي، خلافات داخل «الجيش الوطني» نفسه، حيث أن كثيرًا من ضباطه كانوا مع القذافي الذي خانه حفتر. بدوره، لا يثق الأخير في الكثيرين فيما عدا أبنائه، و«هذا أمر يصعب استمراره». هناك أيضًا بعض الخلافات بين «الجيش الوطني» والسياسيين المدنيين، مثل عبد الله الثني، رئيس الحكومة المؤقتة في شرق ليبيا، وعقيلة صلاح، رئيس مجلس النواب في نفس الحكومة.

«لذلك، حرص الحلفاء الدوليين كمصر والإمارات وروسيا وحتى فرنسا على إيجاد طرق للحفاظ على «الجيش الوطني» بدون حفتر، ولكن تراجعت هذه المحاولات بحلول شهر أكتوبر والتقدم المهم الذي أحرزه الجيش في طرابلس»، يقول حرشاوي.

كيف تَشكّل الموقف التركي في ليبيا على أثر هذه التحولات؟

أثار هذا التباين الذي طرأ على شكل المعركة في طرابلس لصالح حفتر واقترابه البطيء من الاستيلاء على العاصمة حفيظة تركيا، التي تعد الحليف الأساسي والداعم الرئيسي لحكومة الوفاق الوطني. قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: «لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي حيال مرتزقة فاجنر الروس في ليبيا».

وقعت أنقرة والحكومة الليبية مذكرتي تفاهم، حصل «مدى مصر» على نسخة منها، تتضمن الأولى ترسيم الحدود البحرية، بينما تتناول الثانية شقًا أمنيًا وعسكريًا يشمل إرسال قوات تركية إلى ليبيا فور طلب حكومة الوفاق ذلك وفقًا لما أبداه الرئيس التركي من استعداد لمساندة الحكومة الليبية.

وزير الداخلية في حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، وصف ما أقبلوا عليه من الاتفاق مع تركيا بأنه أعاد التوازن إلى المشهد، معتبرًا في تصريح له الأسبوع الماضي على قناة «الحرة» الأمريكية أن «تركيا مكنت من التوازن أمام تدخل الإمارات ومصر».

ولكن، مسؤول أمني رفيع في حكومة الوفاق قال إن خيار طلب قوات عسكرية تركية غير وارد في المرحلة الراهنة، مضيفًا أن اجتماعًا عقده رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراج، مع قادة عسكريين من غرفة العمليات، أبدوا له قدراتهم على القتال وحدهم والسيطرة على مناطق جنوبي العاصمة شريطة توفير الإمدادات والأسلحة المتطورة وتحييد طيران حفتر.

المسؤول الأمني أضاف أن التصعيد المضاد لهم قد يدفعهم إلى طلب الدعم العسكري التركي بشكل مباشر: «لن نتردد في طلب الدعم العسكري التركي، طالما أن الدول المساندة لحفتر لا تتردد في تصعيد موقفها واستهداف قواتنا».

كما تسعى تركيا، من أجل تحالفها مع «الوفاق الوطني» إلى التأثير على موقف روسيا ومحاولة توجيهها لصالح التعاون مع حكومة طرابلس وسحب مجموعة فاجنر، وتحاول إقناع الكرملين بالتعاون في ليبيا كما حدث في سوريا قبل أسابيع. قال مسؤول بوزارة الخارجية بحكومة طرابلس لـ«مدى مصر»: «لا مشكلة لدينا مع روسيا. مشكلتنا فقط مع مرتزقة  الفاجنر الروسية الداعمين لحفتر ونعمل بشكل مشترك مع تركيا دبلوماسيًا لإقناع الروس بسحب مرتزقتهم من محاور القتال». 

هذا ما أشار إليه حرشاوي، واصفًا روسيا بأنها «ليست مصر أو فرنسا»، وأن الكرملين غير مقتنع أصلًا بقدرة حفتر الكاملة على الاستيلاء على طرابلس. «أي توافق بين (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين وأردوغان سينهي وجود المرتزقة مما يجعل اعتماد حفتر عليهم مخاطرة».

في المقاب، تعهدت مصر بمساندة ودعم «الجيش الوطني» وحليفها حفتر أمام أي تصعيد تركي. يقول مصدر انضم مؤخرًا لصفوف «الوفاق الوطني» بعدما انسحب من قوات حفتر، إنه جرى اجتماع في منتصف ديسمبر الجاري بين حفتر ومسؤولين مصريين، عبر فيه الأول عن مخاوفه من الدور التركي المقبل في ليبيا ومدى تأثيره على عملياته العسكرية، لكن المسؤولين المصريين نقلوا له تأكيد الرئاسة مساندته ودعمه عسكريًا في حال أقبل الأتراك على إرسال جنودهم إلى ليبيا.

وأضاف المصدر من الرجمة أن وفدًا مصريًا التقى قادة عسكريين في الرجمة الأسبوعين الماضيين، دون أن يحدد فحوى اللقاء، لكنه تزامن مع التصعيد التركي وتلويح أنقرة بالتدخل المباشر لوقف ما يمضي إليه «الجيش الوطني» وحلفائه الإقليميين للسيطرة على البلاد وإسقاط حكومة الوفاق.

وقال مصدر عسكري في حكومة الوفاق إن قوات مصرية تساند حفتر في حملته العسكرية في طرابلس التحقت به في نوفمبر الماضي، وقد وصلت من شرق ليبيا إلى غربها في شكل فرق دعم وصيانة الآليات العسكرية.

كما كشف المصدر العسكري في الرجمة، أن مصر تلعب دورًا مهمًا، إذ توفر الإمدادات العسكرية التي تُرسل من قاعدة غرب مصر إلى حفتر في شرق ليبيا، كما توفر تدريبًا لعناصر الجيش في مصر في إحدى القواعد القريبة من الحدود الليبية.

من ناحيته، قال مصدر حكومي مصري إن القاهرة وأثينا اتفقتا خلال زيارة قام بها وزير خارجية اليونان إلى العاصمة المصرية، الأحد الماضي، أن يتم ترفيع الحملة الدبلوماسية الرافضة لما وصفه بـ«التوغل التركي العنيف وغير المقبول في الداخل الليبي»، وأيضًا «محاولة ليبيا ممارسة القرصنة في منطقة شرق المتوسط»، وذلك في المحافل الدولية، وأيضًا من خلال التواصل مع العواصم المعنية وذات التأثير بما في ذلك واشنطن، التي وصف المصدر نفسه موقفها من التحركات التركية في ليبيا والمتوسط بـ«غير الواضح».

وقال المصدر إن الوزير اليوناني تحدث في القاهرة مع المسؤولين المصريين حول طبيعة الرسائل التي تم نقلها من أثينا إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتوضيح أن «مسألة الاعتراف الدولي بحكومة فايز السراج لا يجب أبدًا أن تعني التغاضي عن كون السراج لا يمثل كل المكونات الليبية، وأن هناك جزء لا يستهان به من الشعب الليبي لا يقبل بأن يكون السراج ممثلًا له».

المصدر نفسه قال إن القاهرة «معنية بأن يكون هناك تفاهم سياسي يؤدي إلى تأسيس لاستقرار في ليبيا، ومن هنا فالرؤية المصرية تقوم على دعم جهد المبعوث الأممي بقدر ما يؤدي إلى خلق إطار سياسي». وأضاف: «نحن كنا صرحاء مع (غسان) سلامة (المبعوث الأممي لليبيا) فيما يتعلق بتقييمنا لدور السراج غير المفيد لتحقيق تسوية سياسية معتدلة، لأن السراج مُصر على أن يسير في ركب أردوغان وهو ما يعني فرض سياق سياسي له صفة إسلامية على ليبيا، وهذا أمر غير واقعي، ليس فقط من منظور التحسب المصري من هذا التوجه، ولكن لأن هذا التوجه مرفوض من قبل قطاع غير صغير من أبناء الشعب الليبي». 

وقبل وصول الوزير اليوناني إلى القاهرة، كان المصدر الحكومي المصري قد قال إن القاهرة أبلغت العواصم المعنية بما في ذلك واشنطن، وروما التي تبدو داعمة للسراج «لأسباب تتعلق بالتنافس الإيطالي الفرنسي على المصالح في ليبيا»، وبرلين التي تأمل في استضافة مؤتمر دولي حول ليبيا بعد أعياد رأس السنة، أن السماح بأن يعقد السراج اتفاقية دولية تشمل التعاون البحري والعسكري والأمني مع تركيا التي «تناصب مصر العداء»، أمر «غير مقبول لدى القاهرة جملة وتفصيلًا، وأن القاهرة ستقوم، بل وقامت بالفعل، باتخاذ ما تراه مناسبًا من إجراءات سياسية وغيرها لضمان مصالحها».

وأضاف: «لا يمكن لأحد أن ينتظر منا أن نقف نتفرج على تركيا وهي تتجه نحو السيطرة على ليبيا التي تقع على حدودنا المباشرة لتقوم بنقل المسلحين من سوريا إلى ليبيا، حيث يتم تعريض المصالح المصرية الاستراتيجية لأخطار».

وقال المصدر إن التحرك المصري «بكل الصور» يقوم على أساس أن مصر لن تسمح بأن تكون هناك إمدادات عسكرية للميليشيات التي تدعم السراج في المواجهة مع القوات التي يقودها حفتر. وأضاف أن ما تقوم به مصر «ليس أبدًا عملية دعم حفتر، ولكنه جهد يهدف لمنع تركيا من وضع يديها على ليبيا من خلال التوغل في غرب البلاد».

من جانبها، وجهت حكومة الوفاق في طرابلس الخميس الماضي دعوتها للولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا والجزائر وتركيا لتفعيل اتفاقيات التعاون الأمني. تسعى الحكومة عبر دعوتها لبناء أي تحالفات تُنهي التهديدات التي يمثلها «الجيش الوطني»، الذي تنخرط في دعمه مصر والإمارات وفرنسا وروسيا لتمكين استيلائه على طرابلس.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن