هل تفتح الجزائر طريقًا ثالثًا للربيع العربي؟

من المبكر افتراض أن الجزائر انضمت إلى تونس والسودان في تحقيق نجاح أو نصف نجاح على طريق التحول إلى نظام سياسي تشاركي تعددي مفتوح، بعد انتخابات 12 ديسمبر الجاري الرئاسية، والتي أسفرت عن اختيار رئيس الحكومة الأسبق السيد عبدالمجيد تبون رئيسًا للجمهورية. كما وأنه من التعسف أو المبالغة في التشاؤم الادعاء بأن إجراء الانتخابات الرئاسية ليفوز بها تبون، على الرغم من رفض الحراك الشعبي لها من حيث المبدأ، هو القفزة الكبرى نحو الانتصار النهائي للثورة المضادة، وإعادة إنتاج النظام القديم.

في اللحظة الراهنة، ومن الناحيتين النظرية والعملية تتعادل الاحتمالات بين فرص التحول التدريجي بخطوات راسخة نحو التشاركية والتعددية، وبين إمكانات الاكتفاء بتغيير الوجوه، مع بقاء كل شيء آخر على حاله في السياسة والاقتصاد وطريقة صنع واتخاذ القرار، فإذا تحقق الاحتمال الأول، فستكون الجزائر قد قدمت نموذجًا جديدًا، أو فتحت طريقًا ثالثًا للنجاح تحت قيادة الدولة نفسها في الانتقال من النظام السلطوي الإقصائي المستند فقط إلى المؤسسة العسكرية، إلى نظام يتسع لشركاء ويخضع للمساءلة ويقبل التداول السلمي، ولو في مرحلة تالية، يجري خلالها بناء واختبار الثقة بين الأطراف الفاعلة كلها.

القول بالنموذج الثالث «المحتمل» هنا يحيل إلى أوجه الخلاف بين هذا النموذج، وبين النموذجين التونسي والسوداني. ففي الحالة التونسية كان هناك وسطاء، ومنشطو تفاعل أو جماعات ضغط من الداخل، تجمعوا في ما عرف بالرباعية التونسية، والتي وصفنا أطرافها في مقال سابق بأنها ذات مصداقية تاريخية وذات طابع حداثي.

وفي الحالة السودانية لعبت الوساطة الإثيوبية، ممثلة للاتحاد الأفريقي بمساندة دولية، دور الوسيط الضاغط بين الحراك الشعبي وبين المجلس العسكري الحاكم، كما تميز حراك السودانيين بوجود قيادة منظمة، وهو ما لم يكن متوافرًا لا في تونس ولا في الجزائر، ولا في غيرهما من دول الربيع العربي بالطبع.

أما في الحالة الجزائرية فقد انفردت السلطة الحاكمة بإدارة المشهد الانتقالي كله منذ اللحظة الأولى للحراك، فلم تكن مناورات الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة قبل التنحي إلا من إملاءات هذه السلطة، فضلًا عن إجباره على التنحي ذاته، ثم الإصرار على المسار الدستوري المحدد سلفًا في دستور بوتفليقة لانتخاب الرئيس الجديد، بالتحدي للحراك الشعبي الرافض لهذا المسار الانتخابي، وفقًا لتلك القواعد، التي تُبقي كل الخيوط في أيدي رجال الدولة العميقة، حتى وإن كان هناك رئيس مؤقت.

ليس هذا فحسب، بل إن غالبية القوى السياسية من أحزاب وشخصيات مستقلة إما عارضت، أو تحفظت على هذا المسار. وجاء التعبير عن المعارضة أو التحفظ فى بيانات للرأي العام، وفي الحوارات المحدودة التي نظمتها السلطة نفسها، دون أن ترقى هذه الحوارات في أية مرحلة إلى مستوى التفاوض الحقيقي بين شركاء، كما جرى في النموذج السوداني أو التونسي، حيث وُضِعت جميع ترتيبات الفترة الانتقالية بالتفاوض والاتفاق بين الشركاء، وبضمان الوسطاء الذين ذكرناهم آنفًا.

بناء على هذا التحليل المقارن مع تونس والسودان ستكون الحالة الجزائرية هي السابقة الأولى من نوعها بين دول الربيع العربي التي تقود فيها السلطة، ممثلةً للدولة العميقة، عملية تحول سلمي من النظام السلطوي الإقصائي إلى نظام سياسي تعددي مفتوح. نظام تتغير فيه المعادلة التقليدية المختلة بين سلطة قوية مستمدة من المؤسسة العسكرية ومتحالفة مع مؤسسة الأمن وبيروقراطية الدولة وكبار الماليين وشبكات الفساد الإداري والسياسي والمالي، وبين مجتمع ضعيف مجرد من أدوات وتنظيمات المشاركة والمساءلة وتغيير الحكام والحكومات بالانتخاب الحر. مجتمع محروم من حريات التعبير وتداول المعلومات، وذلك بالطبع إذا تغلبت قوى التجديد في المجتمع وداخل الدولة العميقة على قوى الجمود، وأصحاب المصلحة في إعادة إنتاج النظام القديم.

قلنا في الفقرة الثانية من هذا المقال إن الاحتمالات تتعادل في اللحظة الراهنة بين الكفتين. فما هي العوامل الفاعلة في كل جانب؟ أو ما هي عناصر قوة معسكر التجديد؟ وما هي عناصر القوة لدى معسكر الجمود؟ وكيف يمكن ترجيح كفة المجددين؟

لنبدأ بعناصر القوة الضاغطة من أجل إصلاح حقيقي وجذري، ولو بالتدريج والتراكم، لنظام الحكم الجزائري الموروث والمطرد منذ تحقيق الاستقلال الوطني عن فرنسا عام 1962.

بالتأكيد يأتي الحراك الجماهيري الصامد منذ عام تقريبًا من زاوية تعبيره عن الرفض الشعبي العارم لاستمرار الصيغة القديمة في مقدمة هذه العناصر، بل إنه هو المحرك الأصلي لتفاعل كل العناصر الأخرى، والتي سنذكرها توًا. إذ أن هذا الرفض وذلك الحراك هما في اللحظة ذاتها إشهار لإفلاس كل محاولات قيادة المؤسسة العسكرية الجزائرية للتهرب من استحقاقات التغيير، بتصدير شخصيات كانت ذات ثقل سياسي في الماضي كواجهة للحكم والقيادة. وذلك منذ لحظة الانقلاب العسكري على الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، ووقف المسار الانتخابي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، إذ يدرك جميع الأطراف الآن أن اللعبة فشلت في كل مرة. فقد اُغتيل الرئيس محمد بو ضياف بتواطؤ ممن جاؤا به، وأخفق علي كافي، وانسحب اليمين زروال، رغم أنه كان «جنرالًا» قبل أن يكمل مدته الأولى رفضًا لدور «الديكور»، وهربًا من مصير بوضياف إذا تمرد على هذا الدور.

في حين تقاسم بوتفليقة و«عصابته» (بالتعبير الرائج في الجزائر حاليًا) دوائر النفوذ والثروة مع القيادة العسكرية، لينجح في البقاء في السلطة أربع فترات دستورية، وليطمح في عهدة خامسة رغم أنه كان قعيدًا وشبه غائب عن الوعي منذ العهدة الثالثة. ولكن ليفشل فشلًا ذريعًا في حل المعضلة الأصلية للدولة والمجتمع، وهي التحرر من السلطوية والفساد والعقم السياسي، بل إنه شخصيًا أو «عصابته» كانوا من ممارسي ومنتجي كل أشكال الفساد.

من المنطقي إذن أن نفترض أن ثلاثة عقود من الفشل المتوالي يجب أن تكون كافية لاقتناع محترفي لعبة الحكم من خلف الستار بعدم جدوى الاستمرار في هذه اللعبة إلى ما لا نهاية.

من عناصر قوة معسكر التجديد كذلك، الانقسام الذي بلغ حد الصراع وظهر إلى السطح بين رجال الحرس القديم من قادة الانقلاب الأول على بن جديد، وبين القيادات العسكرية الحالية. فكما نعرف ثبت أن الجنرال توفيق، قائد المخابرات وصانع الملوك السابق، والجنرال خالد نزار، وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الذي قاد ذلك الانقلاب حاولا الإطاحة برئيس الأركان الحالي أحمد قايد بن صالح، وقد اعتقل أولهما وقُدم إلى المحاكمة، وهرب الثاني إلى أسبانيا، وهو يحاكم غيابيًا الآن، بالإضافة إلى عديد من رجالهما العسكريين السابقين والمدنيين.

إن دلالة هذا الصراع هي ترسيخ عقيدة حكم العصابة لدى الشعب الجزائري، وإعطاء الحراك الشعبي الرافض مزيدًا من الذخيرة والمشروعية سياسيًا وأخلاقيًا، وفي الوقت نفسه فإن هذه الذخيرة والمشروعية تمنحان الطرف الراغب في الإصلاح والتغيير داخل صفوف الدولة العميقة أو السلطة الحاكمة قوة تفاوضية مرجحة في مواجهة الطرف الراغب في إبقاء كل شيء على حاله.

يتبقى من عناصر القوة في معسكر الإصلاح والتغيير استيعاب الحراك الشعبي وقياداته المفترضة لدرس الماضي الجزائري، ولدروس الربيع العربي في الفشل والنجاح، فلا ثقة مسبقة مجانية في أحد أو في مؤسسة، ولا خداع للنفس بالأمنيات في «توبة» قوى الثورة المضادة.

وما هي إذن عناصر القوة لدى المعسكر الآخر؟

كما رصدنا في مقالنا السابق على «مدى مصر» تظل نقطة الضعف الرئيسية للحراك الشعبي في الجزائر هي عدم بزوغ قيادة منظمة له، لا من شخصيات ولا من منظمات. وبالطبع فهذه النقطة تمثل عنصر قوة رئيس للطرف الآخر، وهي ما أتاح للسلطة القائمة إدارة مرحلة ما بعد بو تفليقة بالكامل بالإرادة المنفردة، (وبالمناسبة فإن أسباب عجز المجتمعات في كل من الجزائر ومصر ولبنان والعراق عن إفراز تنظيمات تقود حراكها، وتتفاوض على الإصلاح أو تفرضه، فإنها تحتاج إلى دراسة معمقة، وإن كنا قد تطرقنا إلى بعضها في المقال السابق).

في هذه النقطة قد أسمح لنفسي بالتفكير بالتمني، فأفترض أن الرئيس الجزائري المنتخب عبدالمجيد تبون صادق النية والعزم في دعوته –بعد إعلان فوزه مباشرة– للحراك باختيار قيادات يتفاوض معها حول برنامجه للإصلاح السياسي، متمثلًا في دستور وقانون انتخاب جديدين، والفصل بين المال وبين السياسة، وغير ذلك من التعهدات. ومن ثم فإن المهمة العاجلة، والواجب الأوحد الآن أمام القوى المطالبة بالتغيير والإصلاح هو اختيار هذه القيادة، ولا أقصد بالطبع فردًا أو عدة أفراد، وإنما أقصد تنظيمًا أو تنظيمات سياسية منبثقة من القواعد الشعبية للحراك، ومد يد التعاون والتنسيق مع القوى السياسية الجادة المتواجدة حاليًا، ممثلة في عدد من الأحزاب ذات المصداقية.

ومن عناصر القوة لدى المعسكر المقاوم للتغيير والإصلاح إعمال الآليات التي سبق استخدامها مع الرئيسين السابقين زروال وبو تفليقة، السيطرة أو التطويع، خصوصًا وأن الرئيس الجديد (تبون) قادم من نفس الوعاء، ويوصف بأنه حليف لقائد الجيش منذ وقت طويل، وأنه مدين بترشيحه ونجاحه للمؤسسة العسكرية. ولكن يبقى الرهان على استيعاب دروس العقود الثلاثة الأخيرة مرجحًا لوجود هامش من حرية الحركة لتبون يُحدث «النقلة الأولى» نحو بداية تغيير وإصلاح حقيقي، كما سبق القول.

تلك إذن حيثيات التعادل بين احتمالات التقدم لإقامة نظام سياسي جديد في الجزائر يقبل المشاركة ويخضع للمساءلة، ويسمح بالتداول السلمي للسلطة بما يفتح طريقًا ثالثًا للمجتمعات العربية، أبرز ملامحه مساهمة السلطة نفسها بحسن نية في إنجاح الربيع العربي، وبين الجري في المحل أو تعبئة «خمر قديم في زجاجات جديدة».

لكن المؤكد في كل الأحوال أنه لا ضمان لتغلب الجديد على القديم سوى استمرار الحراك وتحوله إلى قوة أو قوى منظمة، واقتناع جماعات داخل النظام بأنه يستحيل التهرب إلى ما لا نهاية من استحقاقات الحاضر والمستقبل، وإلا فهو التيه المستمر، والتسمم الذاتي البطيء، وربما القابلية للاستعمار والهيمنة الأجنبية كما سبق وحذر المفكر الجزائرى الكبير الراحل مالك بن نبي.

اعلان
 
 
عبد العظيم حماد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن