الانتفاضة العراقية مستمرة.. وطائفية الدولة تضرب الحكومة
 
 

يوم الجمعة 6 ديسمبر الجاري، دخلت عشرات السيارات التي تحمل مسلحين مجهولي الهوية إلى ميدان التحرير في بغداد حيث اعتصم الثوار للشهر الثالث على التوالي، من جهة شارع أبو نواس المحاذي لنهر دجلة بالقرب من كراج السنك. 

بحسب شهود عيان، فتحت هذه المجاميع المسلحة النار بشكل عشوائي في اللحظات الأولى لدخولها، بعدما وصلت لساحة الخلاني القريبة من التحرير، حيث باشرت بإطلاق الرصاص الحي باتجاه الثوار المعتصمين. سقطت عشرات الجرحى في اللحظات الأولى من وقت إطلاق النار وهرب أغلب المسعفين من خيم الطبابة والعشرات من المحتجين باتجاه ساحة التحرير التي بقيت أكثر أمانًا طيلة الأسابيع الأخيرة، فيما حوصرت المئات من المحتجين في كراج السنك بعد أن أحرق المسلحون السلالم المخصصة للخروج منه، وتحدث شهود عيان عن قتل عدد منهم وتعرض آخرون للاعتقال والاختطاف.  

لم تنته هذه الليلة الدامية إلا مع ساعات الصباح الأولى حين بدأ المسلحون بالتراجع في اتجاه شارع أبو نواس والتجمع قرب السيارات التي كانوا يستقلونها. ازدحمت مستشفيات بغداد بالضحايا الذين تراوح عددهم ما بين 29 و80 قتيلًا و137 جريحًا، بحسب هيومان رايتس ووتش. تحدث الثوار عن تواطئ من قبل القوات الحكومية التي رصدت هيومان رايتس ووتش انسحابها أمام وصول العناصر المسلحة للساحة، بينما قُطعت الكهرباء من منطقة السنك والخلاني قبل الهجوم، مما صعب على المتظاهرين تحديد هوية من يهاجمونهم. 

تزامن وصول مركبات العناصر المسلحة في الليلة الدامية مع دخول من يُسمون بأصحاب القبعات الزرق، وهي مجاميع مدنية تابعة للمرجع الشيعي مقتدى الصدر، أوصى بنزولهم للشارع لحماية المتظاهرين منذ 25 أكتوبر الماضي. تحدث الثوار عن تشكيل أصحاب القبعات الزرق حاجزًا بشريًا أمام المسلحين بغية حماية المتظاهرين، ليسقط من «القبعات الزرق» قتيلًا واحدًا وعشرات الجرحى. اختلفت الأراء حول الصدر، الزعيم الديني والسياسي للتيار الصدري في العراق، الذي يعد التيار الأوسع الجماهيرية في بغداد والمحافظات الجنوبية، ما بين نفوذه السياسي المستمر ومطالبته بالإصلاح السياسي. 

جاء الهجوم الأخير على تجمعات بغداد الثورية بعد سلسلة الردع العنيف للمتظاهرين في مدينتي بغداد والنجف، والتي انتهت باضطرار رئيس الوزراء، عادل عبدالمهدي، تقديم استقالته في 28 نوفمبر الماضي. وبخلاف استقالة عبدالمهدي، بات عنف النظام هو الآلية الوحيدة للتعامل مع الثوار في حراك راح ضحيته حتى الآن أكثر من 400 شخص، حراك يحمل ميراث الغزو الأمريكي للإطاحة بنظام صدام حسين في 2003 وما تلاه من تولي كتل سياسية شيعية السلطة بمعزل من مصالح الشعب. تبلورت هذه الفُرقة بعد آخر حرب خاضها أهالي العراق ضد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في 2017 والتي انتهت بهزيمة التنظيم، ولكنها لم تنعكس على حيوات العراقيين الذين خاضوا تلك المعركة. 

في خلال الثلاثة شهور الماضية، بات متظاهرو بغداد يحاولون أن يتمترسوا على مساحات جديدة حول ميدان التحرير، وهذا ما حدث في جراج السنك. في الأسابيع الأخيرة، سيطر المحتجون على الحاجز الخرساني الذي أقامته قوات مكافحة الشغب وسط جسر السنك، بعدها تمركزوا في مرآب السيارات الذي يطل على الجسر والمنطقة الخضراء، مركز الحكومة. الكراج مبنى مرتفع، حاله كحال مبنى المطعم التركي، الذي يطل على جسر الجمهورية والمنطقة الخضراء، والذي تحول من مكان مهجور إلى أيقونة الثورة، اعتلاها الثوار. بدوره، تحول اسم مرآب السيارات بسرعة من كراج السنك إلى جبل شهداء التحرير، ورُسمت على جدرانه لوحات الجرافيتي بين ليلة وضحاها؛ لوحات تتغنى بالثورة وشهدائها. 

كرار يوسف (29 سنة)، المسؤول عن تفتيش الداخلين إلى كراج السنك قبل هجوم 6 ديسمبر يقول لـ«مدى مصر»: «معركتنا السلمية ضد قوات مكافحة الشغب أشبه بمعركة تحرير المدن من الإرهاب. نزحف باتجاه مبنى استراتيجي ونجبر قوات مكافحة الشغب على التراجع حتى نسيطر على المبنى وبالتالي نوسع رقعة الاحتجاج الجغرافية. أخذنا اليوم كراج السنك كي لا يستغله القناصة لارتفاعه واطلالته على مساحة كبيرة من ميدان التحرير وساحة الخلاني».

الثوار تحدثوا عن أن المجاميع المسلحة التي هاجمت المنطقة كانت تتبع ميليشيات حزب الله العراقية والمرتبطة بإيران، لكن تبقى هوية المهاجمين غير مؤكدة. وبعد يومين من الحادثة، تفاجئ المحتجون ببيان رسمي صدر من هيئة الحشد الشعبي، المظلة العسكرية لعشرات المجموعات القتالية الشيعية، يؤكد فيه مشاركة عناصره في عملية ساحة الخلاني بحجة أن العملية جاءت لتحرير بعض الرهائن المحتجزين في كراج السنك لدى المحتجين. بعد الرفض والشجب والاستنكار لهذا البيان الذي اتفق الثوار على أنه اعتراف صريح بقتل المتظاهرين، خرجت تصريحات لقادة في الحشد الشعبي تقول إن الموقع الالكتروني للحشد قد تم اختراقه، وأن البيان عارٍ عن الصحة. في الوقت نفسه، صدر بيان من ميليشيا حزب الله يكذب ادعاء الهيئة بشأن اختراق الموقع بينما لا ينفي مشاركة الحشد الشعبي في هجوم ساحة الخلاني.

هجوم بغداد الأخير تلا هجوم النجف، الذي يعده الجميع السبب وراء الإطاحة بعبدالمهدي. النجف الأشرف هي المدينة ذات العمق الديني لشيعة العالم، كونها مركز الحوزة الشيعية العربية التي تناظرها مدينة قم الإيرانية، والتي تمثل مركز التشيع الصفوي. منذ يوم 25 أكتوبر الماضي وحتى 27 نوفمبر، كادت النجف تكون المدينة المحتجة الوحيدة التي لم يسقط فيها قتيلًا أو جريحًا حتى صارت مثالًا للاحتجاجات السلمية. ولكن في ليل الأربعاء 27 نوفمبر، اتجهت بعض المجاميع الملثمة مع بعض الشباب المحتجين في ساحة الاعتصام المقابلة لمبنى ديوان المحافظة إلى المدينة القديمة التي يقع فيها ضريح الإمام علي بن أبي طالب ومنزل السيد علي السيستاني، المرجع الأعلى لحوزة النجف الشيعية العربية. الهدف كان التظاهر أمام منزل السيستاني كورقة ضغط على الحكومة لتشديد خطابها تجاه رئيس الوزراء. كانت أيضًا هذه هي الليلة التي أحرق فيها ثوار قنصلية إيران في النجف.

أمضى المتظاهرون ساعتين في مناوشات مع قوات الأمن في المدينة القديمة قبل أن يصلوا لمنزل السيستاني، ثم عادوا لساحة الاعتصام، لكن ذلك دفع بقيس الخزعلي (الذي يوما ما كان مقربًا من الصدر) زعيم حركة عصائب أهل الحق، التي تنتهج المقاومة في سياق حكم الولي الفقيه وليس القوات المسلحة، للتغريد بأنه وجنوده جاهزون لحماية المرجعية الدينية والتصدي لكل من يحاول المساس بالسيستاني. بدوره أصدر أبو مهدي المهندس، نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي، بيانًا رفض واستنكر محاولات الشباب التظاهر أمام منزل المرجعية الدينية، وأعلن كذلك عن استعداد للدفاع عن الإمام السيستاني.

بعد هذا التصعيد بساعات وبحسب المصادر الإعلامية المحلية ذاتها، توجهت المجاميع الشبابية الملثمة لقبر محمد باقر الحكيم، عم عمار الحكيم زعيم تيار الحكمة السياسي، الذي وقف ضد نظام صدام حسين في الثمانينيات من القرن الماضي، في محاولة لحرقه. سقط ليلتها سبعة قتلى برصاص أفراد حماية القبر.

وفي نفس اليوم، دخلت قوة أمنية لمحافظة ذي قار جنوب العراق في محاولة لفرض الأمن بعد ليلة مواجهات شهدتها المدينة بين المحتجين وقوات فض الشغب على جسر القوة الجديدة. سقط يومها 48 قتيلًا بحسب دائرة صحة ذي قار. تحركت العشائر ورفع بعض أفرادها السلاح وأعلنوا عن هدر دم جميل الشمرين المسؤول عن قتل أبنائهم حسب قولهم، وهو أحد رجال عبدالمهدي الذي بعث بهم لقمع المتظاهرين. رفع عبدالمهدي يد الشمري عن إدارة الملف الأمني في ذي قار وانسحبت قوته إلى بغداد. وكان الشمري قد اُتهم فيما سبق بتصفية المتظاهرين في البصرة في مظاهرات عام 2018.

تلت أحداث النجف وذي قار جمعة سحب الشرعية من الحكومة، التي اكتظت بالحشود في عدد من المدن العراقية. في ذلك اليوم، لم تعقّب المرجعية الدينية في خطبة الجمعة على محاولة بعض المحتجين التظاهر أمام منزل السيستاني ولم تتطرق لردود الفعل التي خرجت من الخزعلي والمهندس. خطاب المرجعية طالب الثوار بضرورة طرد المندسين والحفاظ على السلمية، وضرورة تبني مجلس النواب العراقي موقفًا جادًا وحقيقيًا للخروج من الأزمة. بات من الواضح أنه سوف يتم الإطاحة بعبدالمهدي الذي أتى استخدامه القوة المفرطة بغضب على العشائر الشيعية وليس فقط الثوار مما سهل على السيستاني قرار الإطاحة به. 

بعد ثلاث ساعات من خطبة المرجعية، أعلن عبدالمهدي نيته تقديم الاستقالة للبرلمان إذعانًا واحترامًا لمطلب المرجعية الدينية، ووصف نفسه في بيان بكبش الفداء. صراخ وتكبير وبكاء وغناء ورقص عَمَّ ساحة التحرير بلحظات مهولة المنظر. بارك المذيع الداخلي لإذاعة ساحة التحرير التي أنشأها الثوار للشهداء الذين سقطوا في بغداد والناصرية وميسان والبصرة والنجف وكربلاء والمحافظات المنتفضة الأخرى.

علي جاسم (24 سنة)، طالب في كلية الآداب، قال: «هذه لحظات تاريخية في عصر العراق الحديث. استقال المجرم بسبب دماء ضحايانا وشهدائنا ولا فضل للمرجعية أو غيرها باستقالته. لا نقبل بالاستقالة فقط بل سنسحله إلى المحاكم لينال جزاء فعلته هو وميليشاته». 

أم زمن (50 سنة)، قالت باكية: «لو استقال السفاح قبل شهرين لحقن الكثير من دماء أولادنا. كان من الممكن أن يكونوا الآن يحتفلون معنا لكنه ذبحهم بدم بارد».

الأحد، الأول من ديسمبر، صوّت البرلمان العراقي على قبول استقالة عبدالمهدي وحكومته بشكل رسمي. 

زخم الثوار في الأسبوعين الأخيرين ما هو إلا امتداد لأسابيع طويلة من الانتفاضة العراقية.

في جمعة الصمود، 15 نوفمبر، تجمعت آلاف المحتجون أمام شاشات عملاقة في ساحة التحرير ببغداد. سجل المنتخب العراقي هدفه الأول في مباراة أمام المنتخب الإيراني في العاصمة الأردنية عمان ضمن التصفيات المزدوجة المؤهلة لكأس العالم وكأس آسيا. احتفل لاعب المنتخب العراقي صفاء هادي أمام عدسات المصورين بارتداء كمامة بإشارة تضامن واضحة مع الكمامات التي يرتديها الثوار تجنبًا للغاز المسيل للدموع الذي تطلقه القوات الحكومية. انتهت المبارة باحتفال الثوار بفوز منتخب بلادهم على نظيره الإيراني بهدفين لهدف بمباراة درامية حُسمت في دقائقها الأخيرة. جُن جنون الجماهير الرياضية/الثائرة. استمرت الاحتفالات حتى ساعات الفجر.

«لا أخفي ولا أنكر دلالة الفوز السياسي والرياضي في هذه المباراة، فكُرة القدم وإن ابتعدت عن السياسة لكنها تبقى في لقاءات بعض الفرق حاضرة، وإلا لماذا اكتسب الكلاسيكو الأسباني بين ريال مدريد وبرشلونة هذه الشهرة والأضواء؟ أليس بسبب صبغته السياسية؟ وماذا عن لقاءات الديربي بين ليفربول ومانشستر سيتي؟»، يقول سلمان رحيم (33 سنة).

«مبارك فوزنا على الحكومة العراقية، منتخبنا فاز على حكومته لأن الحكومة كلها إيرانية!»، هذا ما قالته رفاه مظلوم (21 سنة) لتلهب حماس المحتجين الذين تجمعوا معها ليهتفوا بعدها بلحظات: «إيران برا برا.. بغداد تبقى حرة».

شكّل فوز المنتخب العراقي على نظيره الإيراني دفعة معنوية كبيرة للمحتجين في ساحة التحرير ببغداد وساحات الاعتصام بكل المحافظات المنتفضة. 

أيضًا من أبرز ما حدث في الأسابيع الأخيرة هو مشاركة الطلاب في احتجاجات خرجت دعمًا للثورة في سابقة أولى تشهدها المظاهرات في العراق منذ 2003. فبالرغم من الاحتجاجات السابقة التي شهدها العراق في الأعوام القليلة الأخيرة بسبب عدم تعبير النظام السياسي التالي للغزو الأمريكي عن مصالح الشعب، إلا أن ثورة أكتوبر هي الأولى التي دفعت طلاب الجامعات والمدارس إلى الخروج لساحات الاعتصام وإعلان العصيان المدني. هكذا أجبر الطلبة نقابة المعلمين العراقيين على إعلان العصيان والخروج في مظاهرات موحدة لكوادرها التدريسية التي لا زالت مستمرة برفضها العودة للدوام الرسمي حتى تحقيق المطالب، بالرغم من تهديد الحكومة ووزارة التربية لإدارات المدارس وكل من يحاول إغلاق الجامعات والمدارس بالتعامل معهم ضمن قانون مكافحة الإرهاب في حال استمرار الخروج لساحات الاعتصام.

كانت ساحة التحرير في بغداد تعج بالمحتجين بأعداد مختلفة في أيام الأسبوع، لكنها تكتظ بهم في مساء الخميس ويومي الجمعة والسبت، ونهار الأحد الذي يُخصص لخروج الطلبة وزحفهم نحو ميدان التحرير من كل أسبوع. 

يقول الأستاذ جمال أمين (52 سنة)، عضو نقابة المعلمين، إن «ثورة القمصان البيضاء التي نظمها طلبة الجامعات والمدارس هي رهان ثورة أكتوبر، فالتاريخ يقول لنا إن كل الثورات الناجحة لم تنجح إلا بعد اشتراك الطلبة فيها والأمثلة كثيرة، أما نقابتنا، نقابة المعلمين العراقيين، فهي الغطاء الشرعي لاعتصام الطلبة وكوادرهم، ولا نهتم لتهديدات الحكومة لأن التهديدات ببساطة غير قانونية».

قرر الثوار عدم الانسحاب من ميادين الاعتصام بانسحاب عبدالمهدي. مطالبهم لن تنتهي باستقالته، فهم يريدون تعديل نظام الانتخابات وإقالة رئيس البرلمان وتشكيل مفوضية انتخابات نزيهة ومستقلة. يطالبون أيضًا بالقصاص، بعدما قُتل أكثر من 400 شخص منذ اندلاع الثورة، ولذلك ينسقون مع نقابة المحامين العراقيين لرفع دعاوى ضد المسؤولين السياسيين والأمنيين وتقديمهم للقضاء لينالوا جزاء قمع المحتجين. 

اعلان
 
 
أحمد يوسف 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن