ديتوكس| قصة زواج وحكايات ماضٍ
 
 

#جو عام

بدأ الإحماء؛ البوكتيبورز يختارون أفضل الأعمال الصادرة في العام الذي تفصلنا أيام عن نهايته، الرغبة في الوصول لأفضل كتب 2019 تشجعهم لتقليل العدد. سباق محموم تدخله أيضًا قائمتا جائزتا العالمية للرواية العربية [البوكر] وساويرس للأدب المصري لتعلنا عن أسماء الفائزين المحتملين مبكرًا، في قائمتيهما الطويلتين في حين يفترض أن تعلن الأخيرة عن فائزيها في يناير المقبل، والأولى لن تقدم قائمتها بالفائزين إلا بعد الكثير من الأسابيع. كأن مجازًا عن خلاصة العام يتشكل من الإبعاد والتصفية والإعلان.

بشكل عام أجواء الانتقال من عام لآخر صعبة، وتدفع إلى ما هو أكثر من انتخاب الأفضل، مثل قراءة توقعات الأبراج الفلكية، أو تأمّل ما جرى، والأمل في المستقبل.. ما علينا، الله يسعد أيامكم التي تصير -فجأة- عامًا مكتملًا.

في العدد رقم 17، نعتذر عن عدم تقديم دردشة، ونواصل تقديم ترشيحاتنا:

في #مشاهدة نرشح فيلم Marriage Story للمخرج نوا بومباك، المُرشح لعدة جوائز ضمن الدورة المقبلة من الـ «جولدن جلوب» (2020)، منها أفضل فيلم وسيناريو كذلك، وجائرتي أفضل ممثلة وممثل. 

كما نقدم في #سماع حكايات عن سيدات شققن طريق الفن قديمًا رغم مشاق وضعها رجال أحببهن في الأغلب، أو هكذا ظنوا.

#قراءة 

-عن كتاب «أثر عنايات الزيات» لإيمان مرسال، يكتب هيثم الورداني في «المنصة»:

«هل يمكن أن تشكل النساء طبقة اجتماعية تعي نفسها بوصفها كذلك، وتتجاوز طبقاتهن التقليدية؟ رغم أن الكتاب لا يطرح أبدًا هذا السؤال، لكن يمكننا المغامرة بالقول إن الكتاب لو وقف أمامه فسيجيب بالنفي وبالاثبات معًا. بالنفي إذا كان المقصود تعميم طريقة جامدة لفهم النسوية وتوحيدها، أي النسوية كهوية ثابتة ولاتاريخية. وبالاثبات إذا كان المقصود طبقة تتأسس على الاختلافات الفردية والفكرية والاجتماعية التي تسري في فكرة مثل النسوية.

أليس هذا الكتاب كتابًا نسويًا حتى النخاع؟ وأليست مقاومته في الوقت نفسه لأي فهم هوياتي للنسوية هي مصدر فرادته وأهميته؟ لنجرب أن نفكر قليلًا على هدي الكتاب ونتخيل النساء كطبقة اجتماعية. سيكون عمل هذه الطبقة هو المقاومة المستمرة لأي توحيد قياسي، أي العمل الدؤوب لإدراك الاختلافات وتفعيل توتراتها، ومن بينها الاختلافات الطبقية. سيكون عمل هذه الطبقة أو هذه الجماعة تعطيل الأفكار الأيدولوجية عن المرأة، مع الحرص على عدم إنتاج أيدولوجيا جديدة، وفي الوقت نفسه الاستمرار في دعم نضال المرأة.

باختصار طبقة تعمل ضد تحولها إلى طبقة أغلبية. أي البقاء طبقة أقلياوية دائمًا بالمعنى الدولوزي. هذا هو العمل الأساسي الذي يقترحه الكتاب، حتى ولو غابت عن مجال رؤيته الفروقات الطبقية وتوتراتها.

هل يمكن أن يشكل المرضى طبقة اجتماعية؟ نعم إذا كان عملهم هو الاحتجاج على فهم الذات بوصفها مسيطرة وقادرة دائمًا. إذا كان عملهم هو لفت انتباهنا إلى أن الاكتئاب ليس أمرًا شخصيًا، بل يصلح أيضًا أن يكون مرآة للرأسمالية. هل يمكن أن يشكل الموتى طبقة اجتماعية؟ نعم بالتأكيد، فهم لا يعيشون في مكان آخر سوى معنا في مجتمعنا. عملهم هو طرح سؤال وراثة جراح الماضي علينا. عملهم هو مقاومة تذويبهم في هلام الغياب، عملهم هو تكدير وضعنا القائم المستقر.

أين هو مكان الكاتب من كل هذه الطبقات؟ بالتأكيد ليس خارجها، وإنما على تقاطعاتها. وأين يكمن عمله؟ على الأرجح في مقاومة التفاف أو انطباق أي طبقة أو جماعة أو فكرة أو كُليّة على نفسها، على الأرجح يكمن عمله في فضّ تركة الغياب، والتقاط الأسئلة المحتشدة داخلها. عمل الكاتب هو عقد تحالفات غير متماثلة، بين حية وميتة مثلا، كالتي عقدتها مرسال مع الزيات، من أجل كسر أي وضع متماثل.

البرجوازية وحدها كطبقة هي من تمتلك رفاهية ترك سؤال وراثة جراح الماضي جانبًا. فلا حاجة لتلك الطبقة للقيام بهذا العمل الشاق. لماذا؟ لإن كل جهدها موجه نحو الاحتفاظ بالوضع الحاضر كما هو عليه. الوراثة لا تعني بالنسبة لها سوى توريث الثراء القديم ونقله من جيل إلى جيل، مع مراكمة فائض قيمته. ذلك الثراء الذي نعرف جميعًا من أين جاء. جراح الماضي بالنسبة لهذه الطبقة، هي جراح شخصية، ستندمل بدفنها بعيدًا في باطن الأرض».

 -شادي لويس يكتب: «أولئك الذين لا يمس محفوظ قلوبهم: من يقيّم من؟».

ينطلق نص لويس مما قاله أحمد مراد عن روايات نجيب محفوظ، وعدم مؤامتها لإيقاع السينما الآن، وتصريح محمد سامي، المخرج، حول محفوظ أيضًا: 

نجيب محفوظ في صور من مقتنيات متحفه

«يذكرنا هذا، بباحث أميركي في القاهرة، مطلع الألفية، كان لديه هوس بمحفوظ وأحمد عدوية معًا. وفي لقاء له مع الروائى الكبير، سأله عن رأيه في عدوية، وإن كان يسمعه أم لا، فكان ردّ محفوظ بعد صمت طال بضع لحظات: «الأمل في الشباب». ردّ غامض، لكنه كان كافياً للسائل. أما رغبته في عكس العملية، في سؤال عدوية عن رأيه في محفوظ، فلم تتحقق أبدًا رغم محاولات طالت شهورًا. فعدوية اشترط مقابلًا ماديًا كبيرًا لإجراء للمقابلة، وتعثرت المفاوضات في النهاية. ترى ما الذي كان سيقوله عدوية عن محفوظ؟ وهل لذلك أي أهمية؟

ما فعله محمد سامي أنه أطلق حكمًا «ذاتيًا» على روايات محفوظ، ولا يتعلق الأمر بالموضوعية أو التقييم العام، فقط لم تلمس روايات محفوظ قلبه. حكم ذاتي، عاطفي في أكثر صوره بساطة ومباشرة. فهل للمخرج واسع الانتشار، الحق في أن يحمل آراء ذاتية؟ أن يشعر؟ أن يحب رواية لمحفوظ أو لا يحبها؟ وأن يقول هذا علنًا؟

الإجابة ستكون نعم بالطبع، لكن المعضلة ليست محصورة في مراد أو في سامي، بل في عصر «الرعاع» الرقمي الذي سبب رعبًا لأومبرتو إيكو. ذلك العصر الذي يستطيع فيه أي شخص أن يكون له رأي، بل ويستطيع أن يطلق حكمًا على كاتب حاصل على نوبل أو يحمل شهادة الدكتوراة. تندثر وظيفة «النقد»، ويهبط ما تبقى منها إلى المزاج العامّي، فيصبح «أدب المدونات» و«نصوص فيسبوك» العربية مركز الاهتمام الأكاديمي الغربي على سبيل المثال، أما الصحافة الثقافية فتتآكل ببطء لصالح مواقع التقييم المفتوحة للعامة ومجموعات القراءة في مواقع التواصل الاجتماعي وموقع «غود ريدز» وكذا «بوك تيوبرز». يبدو ذلك عصرًا مفزعًا إلى أقصى درجة لكل ما هو نخبوي. فالقراء المجهولون، أولئك الذين لم يحملوا أسماء في الماضي، ولم يربطهم بعضهم ببعض سوى علاقة سرية مع الكاتب، أضحت لهم أسماء ووجوه ومتابعون بعشرات الألوف، وببساطة يمكن لأي منهم بنقرة واحدة أن يقيم محفوظ بنجمة واحدة من خمس نجوم».

وفي المضمار نفسه، ندعوكم لقراءة ما كتبه أحمد ناجي، والذي يتتبع عبر مقاله مسار الـ «بيست سيلر» في الحياة الثقافية: 

مكتب نجيب محفوظ كما يُعرض في متحفه

«في حواري معه منذ أكثر من تسع سنوات، بدا واضحًا رغبة مراد في الانتماء إلى تيار أدبي، ورفضه توصيفات كاتب «البست سيلر» أو الكاتب البوليسي، في أكثر من جزء في حوارنا أكد على انتمائه لهذا الموجة الروائية الجديدة فهو ليس كاتب عابر. وعلى الرغم من دراسته السينما كان يرى فيها عنصرًا يساعده على كتابة الرواية، وحين تناقشنا في المشهدية والوصف الذي يغرق به روايته، سألته لماذا لا يكتب روايته للسينما مباشرة، فكان رده الذي سجلته: «لا يوجد لدى مانع من تحويل الرواية إلى عمل سينمائي، لكن لا أريد أن أقوم أنا بهذه الخطوة، بالنسبة لي هناك الكثير من الأشياء التي يمكن ذكرها أو الكتابة عنها في الرواية لا يمكن ذكرها في السيناريو السينمائي، لذلك أنا أفضل كتابة الرواية أما تحويلها لعمل سينمائي فهو أمر مرحب به بشرط ألا أقوم أنا بكتابته».

عادة ما تكون ترجمة كلمات مثل «الكيوريتور» إلى العربية معضلة، والتي أُتفق على ترجمتها إلى «قيم/ قيمة»، فضلًا عن كلمات أخرى تستخدم في عالم الفن المعاصر، هنا تتبع آلما سالم ما أسفر عنه احتلال الثوار اللبنانيين للساحات الثقافية، أو كيف جرت استعادتها. لكن ذلك لم يستمر ليكون رومانسيًا حالمًا، فالسينما المصممة على هيئة بيضة في وسط بيروت والتي اُعتبرت مكان أعادت الثورة إحيائه، بعد فترة من ذلك بدأت تسيطر عليه جماعة تنظم ما يجب أن يفعله الثوار كل يوم داخل البيضة، لتكون هذه الجماعة بمثابة القيم: 

«بغض النظر عمّا كانت تلك الآراء تعّبر عنه، بما يخص التزام الفنانين بالانحياز المتطّرف للشارع ومواقفهم تجاه الجدلية المعرفية بين أهميّة «ثقافة الشارع» أو «ثقافة الكتاب»؛ أو بما يخص معضلة مشاعية «الفن للجميع» أم حصرية «الفّن في غاليريهات النخبة التي تفهمه»، فقد بدا لي، خلف قشرة هذا الخلاف الكلاسيكي، مسألة جديدة أكثر إثارة للقلق، ولم أجد مفرًا من البحث في سؤال: ما هو جذر الخلاف بين الثوار حول ما يجب عرضه في البيضة؟ وهل لعبت مهنتي، مهنة الكيوريتر، دور حجر عثرة، فكانت عقبة أمام إلتقاء الثوار في اللحظة الثورية؟ أم على العكس، فقد ساهم الكيوريتر في كشف الاختلافات الفكرية التي لا بد لها أن تظهر على الرغم من «يوفوريا» طوباويتها؟

كيوريتر: تترجم مهنة الكيوريتر إلى اللغة العربية بكلمة«’قيّم» أو «قيّمة»، ولا تزال ترجمة الكلمة إشكالية بسبب البعد السلطوي لها. أمّا عن المهنة فهي حديثة العهد، وتعتبر تطورًا معاصرًا عن مهنة أمين المتحف، ويقصد بها الجماعة الفنيّة المختّصة بخلق مفاهيم المعارض الفنيّة، والبحث الفني كأرضية لها، واختيار موضوعاتها، وصناعة الحراك الفكري حولها، والتسويق لها. ويعتبر موقع الكيوريتر في عالم الفنّ موقعًا رياديًا وموازيًا للناقد الفنّي، فهو من يملك مفاتيح العلاقة مع المؤسسات الفنية، سواء كانت مهرجانات مثل البيناليات، أو المتاحف، أو الجاليريهات، أو الفعاليات الفنية الكبرى حول العالم، حيث يتم استقدام القيمّين بحسب اختصاصاتهم إليها. كما لدى الكيوريتر السلطة في اختيار الموضوعات ودعوة الفنانين المشاركين في المعارض، وفي إقرار تمويل بعض الأعمال الفنية الجديدة، ومن بين القّيمين نجد الأكثر معرفة بتاريخ الفن، أو أسواقه، أو مستجّداته، ومنهم الأكثر حضورًا في العواصم الفنيًة؛ ومنهم الأكثر التزامًا بقضايا مجتمعاتهم الاجتماعية منها والسياسية؛ أو بالبحث المعّمق ودراسة الأرشيف وعرضه؛ ومنهم الأكثر نجومية والأوسع انتشارًا وعالمية. ومن الأخطاء الشائعة اللغط بين وظيفة المدير الفنّي والقيّم، حيث لا يعتبر عمل الكيوريتر إداريًا بل هو عمل فنٌي بامتياز وله جزئيته في منظومة الفعل الإبداعي. هذا وقد بدأت قلّة من الجامعات حول العالم بفتح أبواب تدريس هذا الاختصاص، من ضمن قطاع الفّن البصري بشكل رئيسي».

-ومن بحث آلما سالم عن الكيوريتر، ننتقل إلى ألعاب موقع «الحدود» الساخر مع اللغة العربية، وندعوكم لتأمّل معجم الحدود

من معجم الحدود الذي يعده موقع الحدود الساخر

-على مدار أسابيع قُدمت حلقات جديدة بودكاست «عيب»، في موسمه الرابع، والذي تقدم من خلاله فرح برقاوي الحب والعلاقات [هنا مقدمة هذا الموسم]. ونرشح حلقة «الحب بعد الموت»، وفيها تتحدث ريتا عن حبها لعلي، ورحيله.

مختارات: 

قصة «القارئة» لروبرت كروفر، والتي ترجمها محمد الشعراوي، ونشرها موقع «كتب مملة».

ستظل تجربة قراءة هذه الرواية حاضرة بقوة، فقد كُتبت بشكل استثنائي، على مدار أيام أتنقل مستمعًا بين ما تكتبه هذه الكاتبة التي أتعرّف عليها لأول مرة. 

شعرتُ في البدء أنني أمام بناء دائري، مثل رواية «لعبة الحجلة» لكورتاثار مثلًا، يمكن دخول الكتاب من أي صفحة، أو فصل من فصوله متنوعة الحجم، لكن هناك سردية متصلة، عليك أن تبدأ من البداية. حتى أنني أنسى أن حتى «لعبة الحجلة» احتوت على مسار محدد للقراءة، دون أن يبدأ بالشكل التقليدي. 

تُرجمت رواية البولندية أولجا توكارتشوك إلى العربية نقلًا عن النسخة الإنجليزية التي أنجزتها جنيفر كروفت، وحصدت جائزة البوكر الدولية 2018، وأثناء قيام إيهاب عبدالحميد بمراجعة ترجمة الرواية، فازت توكارتشوك بنوبل الأدب، عن الدورة المؤجلة والتي مُنحت في أكتوبر 2019. اُختير اسم رحالة، بدلًا من ترجمة عنوان النسخة الإنجليزية flights [رحلات]، وذلك استنادًا إلى الأصل البولندي. 

قوام الرواية التنقل، راوية قررت ألا تستقر بعد دراستها للطب النفسي، تنوي أن تكون رحالة أبدية، لعلها تكتشف ذاتها. اللافت أن الرحلة تبدأ حينما شعرت الرواية أنها غير مرئية. صارت تلمس أنها لم تعد تجذب أنظار المحيطين بها، مع تقدمها في السن، مع هذا الإدراك وعت أن هذا أوان البحث، هذا أوان الترحال. 

تكتب توكارتشوك: «في العالم وجهتا نظر: نظرة الضفدع ونظرة الطائر. أي نقطة بينهما لا تؤدي إلا إلى الفوضى. خذ مثلًا خرائط المطارات، المرسومة بجمال بالغ في مطويات شركات الطيران. معانيها لا تتضح إلا عندما ينظر المرء من أعلى، مقل خطوط نازكا الهائلة، التي صُنعت لكي تراها مخلوقات طائرة- المطار الحديث في سيدني شُيّد على شكل طائرة على سبيل المثال، ولو أنني أجد ذلك مفهومًا بعيدًا عن الإثارة إلى حد ما- أن تهبط طائرتك على طائرة. الوسيلة تصبح الهدف، والأداة تصبح النتيجة. أما المطار في طوكيو، المُشيّد على شكل حرف عملاق من لغة تصويرية، فهو مربك جدًا. أي حرف هو؟ ما لم تتقن الأبجدية اليابانية، لن نعرف معنى وصولنا، لن نعرف معنى وصولنا، لن نعرف بأي كلمة يحيوننا هنا».

 لكن الكتابة ليست كلها رحلات في المكان، بل أن التحرك يحدث في الزمن أيضًا، قدّمت لي توكارتشوك رحلات زمنية مبهرة، لم تخطر على بالي، ودفعتني للتساؤل كثيرًا هل هذا من صنع الخيال أم انتقاء من التاريخ؟ 

توحي بأنها تعرف الكثير من الأماكن والحكايات، لكنها حيرتني، وأمتعتني كذلك. 

 

#مشاهدة 

ياسمين زهدي ترشح للمشاهدة Marriage Story: 

طبع المخرج نوا بومباك بصمته الأولى في عالم الفيلم بالدراما المنتجة عام 2005 The Squid and the Whale [الحبار والحوت]، قصة عن طلاق عاصف تروى من وجهة نظر أطفال الطرفين المتصارعين، يقال إنها مبنية على عملية انفصال أبوين المخرج ذاته. فيلم بومباك الأخير Marriage Story [قصة زواج] هو أيضًا قصة موجعة، (وإن كانت دافئة شعوريًا) عن انفصال زوجين، لكن هذه المرة تتكشف لنا من منظور البالغين: تشارلي (العظيم آدم درايفر)، ونيكول (الأداء الأكثر ابهارًا لسكارلت جوهانسن حتى تاريخه).

يتابع الفيلم بطليه -كلاهما مشتغل بالفن، مخرج مسرحي وممثلة- في الوقت الذي يصارعان فيه القيود اللوجيستية التي يفرضها طلاق يجري بين مدينتين (نيويورك ولوس أنجيليس)، بينما يحاولان جعل عملية الانفصال متحضرة بقدر الإمكان لمصلحة طفلهما البالغ من العمر 8 سنوات، هنري. على الرغم من أنه ليس هناك الكثير لتتابعه على مستوى الحبكة -من السهل تبيّن أن العلاقة يجب أن تنتهي، وأن تشارلي ونيكول لن يعودا لزيجتهما من بداية الفيلم- المثير حقًا بشأن الفيلم هو كيف يسرد هذه القصة البسيطة ظاهريًا، كحدّوتة رومانسية تُحكى من نهايتها.

المرة الوحيدة التي نرى فيها تشارلي ونيكول سعداء كزوجين تكون في تتابعين متلاصقين في بداية الفيلم، حيث يذكر كل منهما ما يحبه بشأن الآخر في تعليق صوتي منعش وصادق. لكن سرعان ما يتحطم الوهم وندرك أن هذه القوائم هي في الحقيقة تمرين طلبه وسيط للانفصال كانا قد عيناه ليسهل عملية طلاقهما. من هذه اللحظة تباعًا فإن كل موقف يجمعهما في الفيلم إما يكون محادثة متوترة أو انفجار عنيف من نوع ما، لكن الفيلم لا يخلو من المشاهد المتأملة والمرهفة، حيث يفكر تشارلي ونيكول، كل على حدة، فيما أتى بهم إلى هذه النقطة، ويصارعان مع ما يكمن لهما في المستقبل. بدقة متدرجة تكشف الشخصيات عن نفسها وعن العلاقة التي تربطهما أمامنا في لحظات محكمة دراميًا ولكن مفعمة بمعاني التذكر والكشف: مونولوج بكائي في مكتب محامية، شجار يمزق القلب، أداء حي ومؤثر لأغنية قديمة مع بعض الأصدقاء في بار ما.

على الرغم من أن معظم النقاد يقارنون فيلم «قصة زواج» بفيلم «الحبار والحوت» (لأسباب واضحة)، هناك الكثير في الأول مما يمكن تتبعه إلى أفلام بومباك الأخيرة وبخاصة  While We’re Young [بينما نحن صغارًا]، (إنتاج 2014) وThe Meyerowitz Stories [قصص عائلة ميورويتز]، (إنتاج 2017) -كلاهما مُتاح على نتفلِكس ويستحق المشاهدة- في هذه الأفلام، يرصد بومباك المواقف العائلية المعقدة بحساسية وذكاء وتعاطف مثيرين للإعجاب، وبحس فكاهي يغيب بشكل ما عن «الحبار والحوت»، والذي تسري فيه مرارة يصعب تجاوزها. في «قصة زواج» ترتقي كتابة حوار بومباك الرشيقة الذكية -والواضحة بشدة في الفيلمين- إلى مرتبة جديدة بالكلية، فيبرزها التمثيل العبقري والمونتاج الاستثنائي في بعض المشاهد المفتاحية.

هناك الكثير مما يمكن قوله بشأن الفيلم والطبقات الكامنة تحت قصته الرئيسية -إنه مقاربة متسللة، ولكن ذكية لديناميات الجندر وكيف تتجسد ليس فقط في العلاقات وإنما في التعبير الفني والتربية والنظام القضائي على سبيل المثال- لكن لسوء الحظ المساحة غير كافية لتناولها جميعًا. في كل الحالات يمكن القول بأن «قصة زواج» هو واحد من أفضل أفلام السنة ومشاهدته ستكون طريقة عظيمة لقضاء سهرة منزلية في نهاية الأسبوع.

#سماع

هذه المرة يرشح لكم أحمد وائل أغنيات للسماع عبر ثلاث حكايات:

1

يُحكى أن محمد القصبجي (1892- 1966) أحب أم كلثوم (ديسمبر 1898- فبراير 1975)، وظل يفعل، راضيًا بأن يكون في ظلها، هكذا ظل لسنوات يعمل عازفًا بفرقتها، بدلًا من أن يكون ملحن أغانيها. قصة القصبجي هي حكاية قديمة عن الذكورة الجريحة، والحب المغدور.

 

يُحكي أيضًا أن القصبجي توجه إلى منزل مطربته المحبوبة حاملًا مسدس بعد زواجها من آخر غيره. أم كلثوم لم تحبه، قد يلومها البعض لأنها لم تبادله حبًا بحب، لكن هذا اختيارها، كما أنه لم يحبها وحده، لم ترتبط في حدود علمنا بأي من ملحنيها أو مؤلفيها. أبقت الحب دينامو لإشعال جذوة فنها، لا قلبها.

 يُحتمل أن هجران أم كلثوم لألحان القصبجي مرده أنها لم تعد قادرة على أن تلبّي رؤى القصبجي الموسيقية التي توظف الصوت كآلة، وهي صارت تميل إلى ألحان تناسب صوتها، لا توظفه ضمن النغمات. [يمكن قراءة الدراسة البديعة؛ «نكسات القصبجي» التي كتبها ياسر عبد الله في «معازف»]

ظلم القصبجي مشروعه الموسيقي آملًا أن تعاود أم كلثوم التعاون معه، وهو صبر بلا أمل يحتمل أن يكون مصدره أيضًا الحب المغدور، لكن الحكاية تركت لنا أغاني أم كلثوم أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وأربعيناته، ثم توقفت مع التقدم في السن والرسوخ أكثر.

نرشح منها للسماع «يا قلبي بكرة السفر» (1938)، كلمات أحمد رامي:

وأيضًا «طالت ليالي البعاد» (أحمد رامي، محمد القصبجي)، التي يحكي عنها الموسيقار عمار الشريعي في برنامجه «غواص في بحر النغم»:

2

رُبط محمد فوزي (1918-1966)، الملحن والمغني، بحكاية تعرضه لتضييق كبير بعد 1961، وذلك بفرض الحراسة على موزع أفلامه، شركة منتخبات بهنا فيلم [مؤخرًا أًسست وكالة بهنا في الإسكندرية إحياءً لتراث الشركة]، ثم أُممت شركة فوزي لإنتاج التسجيلات الموسيقية مصر فون، وهو ما يفسره كتاب «محمد فوزي الوثائق الخاصة» لأشرف غريب، بعلاقة الموسيقار القوية بالراحل محمد نجيب الذي انقلب عليه الضباط بقيادة جمال عبدالناصر. وهو ما دفع ثمنه غاليًا فوزي، صاحب الألحان الجميلة والمتجدّدة، والحضور اللطيف ممثلًا.

قبل ذلك خاض فوزي صراعًا آخر وهو رفضه لعمل شقيقته الصغرى المطربة هدى سلطان، والذي كان رافضًا لعملها بالفن، حكاية صعبة مرّت بها هدى، والتي تمكنت بشكل فردي من كسب مساحة آمنة حينما أقنعت فوزي أنها ستغني في الإذاعة، أي أن أحدًا لن يراها أو يعرف أنها شقيقته، ربما اختيار اسم فني مثّل غطاءً كافيًا، لكنها حينما صارت ممثلة ما جدّد رفض فوزي لممارسة شقيقته للفن.. هكذا حُكيت قصص عن تهديده لها بالقتل. قاومت هدى سطوة أخيها، المجسدة لسلطة العائلة، وظلت مصرة على المضي قُدُمًا في مشوارها الفني. 

خلاف فوزي- سلطان استمر طويلًا، لكنها خلال فترة مرض شقيقها الأكبر أقدمت على زيارته، بعدها جرى التعاون بينهما فنيًا، هُنا تسمعون «لاموني» من ألحان فوزي وغناء شقيقته. 

الموسيقى والأداء غرقا في حزن هادئ، كأن الشغل لم ينج من آثار الخلاف القديم:

    

3

يحكي لي أبي الذي كان طالبًا بكلية الهندسة في السبعينيات أن أستاذ غاضب من ابنته، الراقصة فريدة فهمي، درّسه أحد المواد. ينبع غضب الأستاذ، بحسب الحكاية، من شهرة الأستاذ بوالد فريدة التي رقصت وليس أستاذ كلية الهندسة. لم ينتبه طالب الهندسة الذي سيصير فيما بعد والدي، أنه هو وزملاؤه هم سبب غضب الأستاذ وليس رقص فريدة، فهم من همسوا في المدرجات قائلين: هذا الرجل أبو فريدة. بعيدًا عن حكاية طالب الهندسة المُعبّرة عن موقف أفراد من المجتمع وقتها من الفن، وأفكارهم المحافظة المقيدة لحرية المرأة، فإن ما قدمته فريدة يظل متجسدًا، ضمن لحظة وعي بجماليات حضور الجسد في الفن، وكيف يمكن للحركة أن تكون صنوانًا للموسيقى، أن يتناغم إنسان مع أصوات تحركها أوتار أو دقات إيقاع، ويكون الجسد المتحرك المرئي مثيلًا للصوت المسموع، بل منافسًا. صراع بين حاستي الرؤية والسمع على خطف القلب والعقل.

لنشاهد فريدة ترقص على لحن فريد على المترونوم أبدعه علي إسماعيل، الذي ستحل ذكرى ميلاده الأسبوع المقبل، الذي تستشرف موسيقاه المشاعر بشكل مغاير. هنا يمكن سماع الإيقاع الذي يبرز رقص فريدة، بشكل يتماشى مع أحداث فيلم «غرام في الكرنك» (1967)، كما يعتبر اللحن أفضل تقديم للراقصة المبتدئة في الفيلم، وحركة جسد فريدة المحترفة أيضًا:

هُنا فرقة رضا ترقص، بقيادة فريدة فهمي، على أنغام أغنية «عجبًا لغزال» التي غناها عمر فتحي، وألفها مؤلف وملحن الموشحات الأندلسية فؤاد عبد المجيد المستكاوي.  

 

#سلام

-خلال ثاني أيام الويك إند يمكنكم زيارة معرض «تأريخ شفهي»، الذي ينظمه سيلاس في حارة درب اللبانة (الدرب الأحمر). من الواحدة وحتى السابعة من مساء السبت، يمكن تفقد المعرض التفاعلي للمشاركين في ورشة نظمها المركز من أكتوبر إلى ديسمبر حول التأريخ الشفهي. تجدون المزيد عن المعرض هُنا.

-كما تحيّ مؤسسة التعبير الرقمي «أضف» الذكرى السادسة لرحيل أحد مؤسسيها علي شعث في الثانية عشرة من ظهر السبت، وذلك بمقرها في المقطم.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن