حرب الفراولة.. مَن الخاسر؟
 
 

استعد محمد الجوهري، مزارع الفراولة بمدينة بلقاس، الأحد من اﻷسبوع الماضي، لرحلته من بلقاس بمحافظة الدقهلية لينضم إلى تجمع غاضب في منتصف بلدة صغيرة شمال القاهرة بمحافظة القليوبية تدعى كفر الصهبي. يصف الجوهري حركة غير عادية اليوم في البلدة الهادئة بعد صلاة العصر. فيما يقترب الجوهري من مكان التجمع، تعلو الأصوات وتزداد صعوبة التعرف على ما يقولونه. 300 وجه حانق حول طاولات ومقاعد منصوبة على أرض ترابية. ينتظر قليلًا حتى يزداد الجمع ليصل نحو 400 شخص. في مقاطع فيديو متداولة على فيسبوك، تنخفض الأصوات تدريجيًا حينما يعلو صوت الجوهري في مكبر الصوت: «احنا في مركب واحدة، لو متحدناش ضد استغلال الشركات دي لينا، هناكل طين». هذا الجمع يضم أكبر مزارعي الفراولة بالقليوبية وبعض المحافظات المجاورة، اجتمعوا في محاولة لوقف ما وصفوه باستغلال شركات التصدير لهم؛ بحسب الجوهري، أحد ثلاثة دعوا لهذا الحراك.

جاء الاجتماع بعد خفض المصدرين سعر الفراولة إلى 50 جنيهًا للكرتونة (3 كيلوجرام) بعد أن كانت 120 جنيهًا مطلع نوفمبر. قرر الفلاحون، بعد مناقشات استمرت بضع ساعات، مقاطعة الشركات المصدرة لمدة أسبوع وبيع إنتاجهم في السوق المحلي، وكذلك العمل على إنشاء اتحاد لمنتجي الفراولة، والذي بدأوا بالفعل في إجراءات تأسيسه هذا الأسبوع.

تبلغ مساحات الفراولة المزروعة في مصر نحو 26 ألف فدان، بحسب نقيب الفلاحين حسين أبو صدام. يقول لـ«مدى مصر» إن بعض المزارعين يطلقون عليها الذهب الأحمر، حيث يباع المحصول بسعر عالٍ في الأسواق الخارجية.

جاءت الفراولة إلى مصر خلال حكم محمد علي، كما أوضح المهندس حسن زايد، وكيل وزارة الزراعة بالقليوبية. في البداية، زُرعت بحدائق المعادي ثم القليوبية بقرية الدير التابعة لمركز طوخ. كانت إنتاجية الفدان تتراوح من طن إلى 2 طن حتى عام 1981. ومع تطور الزراعة، تخطت إنتاجية الفدان الآن 25 طنًا في بعض المناطق، بسبب استخدامهم تقنيات أفضل لتعقيم التربة كبديل صحي للمبيدات،  بحسب زايد.

يزرع الجوهري 15 فدانًا في مدينة بلقاس بالدقهلية، ويعمل في مزارعه 30 عاملًا بشكل دائم إلى جانب العمالة الموسمية. يوضح أن زراعة الفراولة تستغرق العام بأكمله. يقضي الفلاحون ثلاثة أشهر لتجهيز التربة تتبعها تسعة أشهر من الرعاية وحتى اﻹنتاج. لهذا تحتاج الفراولة عمالة دائمة، قد تصل إلى نحو ألف عامل للفدان على مدار عام الزراعة. كل فدان يكلف المزارع نحو 100 ألف جنيه -تصل أحيانًا إلى 140 ألف جنيه- طوال العام.

تامر شعت، صاحب شركة إنتاج شتلات فراولة بمحافظة البحيرة، يقول إن إنتاج مصر من الفراولة يمكن تقسيمه إلى ثلاث شرائح. الأولى ذات مواصفات أوروبية وهي الأفضل على الإطلاق، ويتم اختيار كل حبة بها بعناية. الثانية تشمل المحصول المناسب للتصدير للدول العربية، وهي أقل نسبيًا من الأولى. أخيرًا، المحصول المحلي الأقل في الجودة. يستحوذ التجميد على معظم إنتاج الفراولة، يليه استهلاك السوق المحلية من الثمار الطازجة، بينما تذهب الكمية الأقل من الإنتاج -لكنها الأكثر ربحًا- للتصدير (9% تقريبًا من حجم إنتاج الموسم الماضي)، بحسب بيانات المجلس التصديري للحاصلات الزراعية في مؤتمر Africa Food اﻷسبوع الماضي، وما قاله نقيب الفلاحين لـ «مدى مصر» عن حجم الإنتاج والمُصدر منه.

تشير إحصائيات المجلس التصديري للحاصلات الزراعية أن قيمة صادرات الفراولة ارتفعت إلى 86 مليون دولار في 2019، مقارنة بـ 64 مليون دولار في 2018. وتُصدر معظمها إلى أسواق بلجيكا وألمانيا وروسيا وإنجلترا وفرنسا وهولندا.

يعمل شعت في مجال زراعة الفراولة منذ أكثر من 15 عامًا، يتذكر أن موسم التصدير كان يبدأ مع بداية نوفمبر وينتهي في يونيو. أما الآن وبسبب تغيرات المناخ فإن موسم الفراولة أصبح أقصر، يبدأ في ديسمبر لينتهي بالكاد في أبريل، ﻷن الفراولة فاكهة شتوية وتتوقف عن النضوج تلقائيًا في الصيف، وحاليًا «السنة كلها بقت صيف»، على حد وصفه.

اﻷزمات ذاتها يتعرض لها الجوهري. انطلق مشروعه منذ عشر سنوات، مرت معظمها دون مشاكل كبيرة بالرغم من التحديات المتزايدة. لكن اﻵن معظم المزارعين «بيلموا اللي صرفوه على الأرض بالعافية»، بحسب قوله، بسبب تأثير التغيرات المناخية على حجم اﻹنتاج، والخسائر المتكررة من الأمطار التي تصيب المحصول بالعفن.

يضيف شعت أن مشكلة تغير المناخ جعلت نهاية الموسم المصري للفراولة مبكرة، في نهاية شهر يناير يبدأ المنافسون الأقوياء لمصر مثل إسبانيا والمغرب في تصدير إنتاجهم، والذي يكون باكورة الإنتاج فيكون ذي جودة عالية، وتكلفة نقل أقل لقرب المسافة لأوروبا فيتراجع الطلب على المنتج المصري.

يوضح أن سعر التصدير هو الذي يحدد أسعار البيع في السوق المحلية وﻷغراض التجميد. بعد انتهاء أعياد الميلاد (الكريسماس)، ينتهي موسم التصدير وتهبط الأسعار بدورها هبوطًا حادًا. ولذلك يحاول المزارعون إنهاء موسم التصدير بسعر جيد للحصول على سعر مقبول لموسم ما بعد التصدير لتعويض خسائرهم.

إلى جانب التغيرات المناخية، تواجه صادرات الفراولة أزمات متكررة تتمثل في ارتفاع نسب المبيدات فيها. يشرح عصام عبد العاطي، أحد أكبر مزارعي الفراولة في القليوبية، لـ«مدى مصر» أن شركات التصدير التي تشتري المحصول من المزارعين مسؤولة عن ترتيب عملية فحص اﻹنتاج من قبل اﻹدارة العامة للحجر الزراعي قبل استلامه للتأكد من سلامتها.

يبدأ التصدير بطلب يتقدم به المُصدر للمجلس التصديري للحاصلات الزراعية. بناءً عليه، تُوزع أكواد على المصدرين. بعدها، تتوجه إدارة الحجر الزراعي ﻷخذ عينة من المزارع التي يُفترض تصدير محصولها. وبناء على نتيجة العينة يتم الموافقة على التصدير من عدمه، ليجمع بعد ذلك المُصدر المحصول الموافق عليه وتصديره في عملية تستغرق أكثر من عشرة أيام، بحسب هشام البحراوي صاحب شركة تصدير.

لكن عددًا من المصدرين يتحايلون على هذه اﻹجراءات. البحراوي الذي يعمل في مجال الاستيراد والتصدير منذ نحو 12 عامًا، يقول إن بعض المصدرين قاموا بجمع المحاصيل منخفضة الجودة قبل البدء في عملية التكويد وبدون أي رقابة للتخزين في ثلاجات. بعدها أتم المصدرون اﻹجراءات بشكل طبيعي، حيث جرى الفحص على محاصيل أعلى في الجودة مطابقة للمواصفات لم يتم جمعها. بعد الحصول على الموافقة، شرع بعض المصدرين في تصدير المنتجات المجمدة ذات الجودة المنخفضة قبل غيرهم من المصدرين الذين انتظروا اﻹجراءات المعتادة.

تسبب هذا في فساد عدد كبير من الشحنات المصدرة، وهو ما دفع مستوردوها في دول مختلفة بمطالبة الشركات المصدرة من مصر بتعويضها عن خسائرها بشحنات بديلة أسعارها منخفضة.

وحتى تتمكن من تحقيق هذا، اضطرت هذه الشركات إلى خفض اﻷسعار التي تشتري بها المحاصيل من المزارعين، ما دفع شركات التصدير اﻷخرى لخفض اﻷسعار بشكل مماثل، وهو ما أدى إلى اﻷزمة اﻷخيرة.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية أوقفت استيراد الفراولة المصرية في أغسطس 2016 بعد أنباء عن إصابة 134 شخصًا بالتهاب الكبد الوبائي (أ) بسبب شحنة فراولة مجمدة مصرية، ليتبعه بعدة أشهر قرار من السعودية في يونيو 2017، بحظر استيرادها.

ومن ناحية أخرى، يشتكي المزارعون من غياب أي تدخل للدولة. «الدولة مش دارية بينا، ولا تتدخل في تنظيم عملية إنتاج الفراولة من مرحلة الزراعة وحتى التصدير»، يقول عبدالعاطي، «لاتتدخل حتى في المتابعة والإرشاد لمستلزمات الإنتاج ونسب المبيدات».

ولذلك قرر مزارعو الفراولة بعد عدة اجتماعات لهم اﻹسراع في إنهاء إجراءات تأسيس «اتحاد مزارعي الفراولة» الذي يضم حتى اﻵن نحو ألف مزارع من القليوبية والبحيرة والدقهلية، لينظم عملية إنتاج الفراولة ووضع قواعد إنتاجية لكل أعضاء الاتحاد، منها توحيد نوعية المبيدات لضمان إنتاج يوافق كل الشروط الأوروبية، وأيضًا لضمان دخول منتج صحي للسوق المصري.

اعلان
 
 
ندى عرفات 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن