الجمهورية المؤجلة.. كيف تستمر في الانتقال دون أن تتحرك خطوة واحدة؟

قامت ثورة في العالم، وانتصرت، ولا يبدو أن أي ثورة مضادة ستتمكن من منازعتها مكانتها على المدى المنظور. قامت هذه الثورة في العقل عندما انتصرت فكرة أن أي نظام للحكم لا بد أن يكون باسم من يحكمهم ولمصلحتهم.

انتصرت هذه الفكرة حتى اقترب الناس من اعتبارها بديهية أولية، لكن هذه البداهة نفسها قد تكون من أسباب أن الانتصار الكبير ظل في أحيان كثيرة حبيسًا للعقل، ولم يغادره إلى الواقع. صحيح أصبحت كل أنظمة الحكم الأخرى غير قادرة على تبرير نفسها بخطاب متماسك، لكن ذلك لم يعن أنها فقدت الأسباب الأصلية لانتصارها الواقعي، حتى لو أصبح محكومًا عليها بالهزيمة الخطابية إلى الأبد.

كأي انتصار، أتى انتصار فكرة الحكم للناس وبالناس، مدعومًا بثورات أصغر، لا تقل نجاحًا عن الثورة الكبرى، انتصار فكرة الإنسان الفرد المسؤول عن حياته خارج روابطه الأولية من أسرة أو قبيلة، انتصار فكرة أن الناس سواسية مهما اختلفت طبقاتهم الأولية، الانتصار المدعوم هو الآخر بانتصار آخر جذري: تجريم العبودية. وأخيرًا، انتصار حلم وجود جنة دنيوية عمومية يجب على الدول الحديثة أن تسير باتجاهها، مهما اختلفت اﻷيدلوجيات في وصف طريق الوصول إليها.

الاكتساح الساحق لهذه الفكرة في العقل، لم يواكبه اكتساحها في الواقع، لكنه أفقد أنظمة الحكم الأخرى بداهتها، فأصبحت عاجزة عن تفسير شرعيتها للناس، والأهم، لنفسها. وإذن تورطت في ألعاب لغوية عملاقة، لإعادة اختراع هذه البداهة بإدخال «الناس» في خطابها، واستبعادهم في الوقت نفسه من جنتها الخاصة.

الجنة العمومية المتخيلة المنتصرة، جمهورية، أي مستندة على جمهور متحمس للمشاركة في الحكم بالأصالة عن نفسه، بعدما لم يعد مقتنعًا بأن هناك فئات لها الحق في قيادته لصنع جنتها، بعدما فقدت كل الفئات الخصوصية -من عائلات ملكية أو قيادات دينية- بداهة أحقيتها في السلطة.

وبالطبع في البؤر الأولى لهذه الثورة الفكرية، احتاج الأمر زمنًا طويلًا لتنقل انتصارها إلى الواقع، أولًا  بالقيام بثورات حقيقية، وثانيًا بالتوسيع المتتالي للجمهور الذي ينبغي أن يكون الحكم باسمه، وثالثًا بالتخلص مرة بعد أخرى من الأشباح المظلمة الشبيهة التي تطلق سراحها الفكرة الجمهورية نفسها، والتي تشترك أغلبها في مرواغة خطابية بسيطة، صحيح ينبغي الحكم باسم الناس، لكن يمكن الحكم باسمهم ومن أجلهم دون أن يشاركوًا في الحكم فعلًا، حيث يتحول الجمهور الواعي الإيجابي إلى جمهور غفل لا يحق له حتى محاسبة الحكام الذين يمتلكون صلاحية ووعيًا وخطة أكيدة لقيادته إلى جنته العمومية، وكانت القومية المتطرفة أكثر هذه الأشباح تكرارًا في الظهور، لتشابهها المخادع مع الجمهورية.

لكن الحديث هنا سيكون عن البؤر البعيدة عن هذه الثورة، التي انتقلت إليها بداهة

«الجمهورية» أولًا، دون أن تمتلك موازين القوى التي تتيح لها البدء في تحقيقها فعلًا، أي البدء في مشاركة طبقة من الجمهور في الحكم، هو الطبقة البرجوازية (أي طبقة صاعدة تاريخيًا تمتلك وسائل الإنتاج أكثر تطورًا وترى نفسها أحق بالحكم، وأكثر كفاءة في إدارته، من الطبقة الأرستقراطية) ثم القيام بإصلاحات متتالية تتيح إضافة فئات أخرى.

في هذه البؤر، منها عالمنا العربي، انتصرت الأفكار الجمهورية عن الدولة انتصارًا حاسمًا ونهائيًا، لكنها في الوقت نفسه ظلت غارقة في موازين قوى قديمة، تتحكم فيها القوى الكلاسيكية من قبائل وعائلات وجيوش. انهارت الشرعية الملكية، فلم يعد ممكنًا بسهولة تأسيس مملكات جديدة، ولم تتوفر موازين قوى تتيح إقامة جمهوريات (طبقات وسطى برجوازية ضخمة مستقرة تتطلع للاشتراك في حكم ديمقراطي تمثيلي ودون أن تقسمها اختلافات فكرية ضخمة تجعل من بعض شرائحها الخصم الأساسي لشرائحها الأخرى).

تحول الناس اسمًا من رعايا لمواطنين، دون أن يصبحوا مواطنين فعلًا.. أصبحوا موجودين في السياسة كافتراض نظري لتكون المعادلة الجديدة قابلة للحل، أي ليكون الحكم قادرًا على تبرير نفسه. الفكرة الملكية انهزمت بدون انهزام شروط وجودها، وهي عدم رغبة/قدرة جموع شعبية مؤثرة على التدخل في السياسة وتحمل تبعات هذا التدخل، وكذلك عجز هذه الجموع عن صياغة أحلامها الجمهورية الخاصة بشكل أصيل يظل يعبر عنها، وليس في شكل محفوظات أيدلوجية لنخب متعلمة ضيقة تبتعد بهذه الدرجة أو تلك عن عموم الناس، وهي إذن تظل قاصرة عن تحميسهم بالشكل الكافي للتدخل الحاسم وللأبد.

وفي هذا المأزق، أصبحت الجنة التي ينبغي السير باتجاهها ضبابية تمامًا، وفي ظل عجز أصيل عن التحول لجمهورية، أصبح الانتقال نفسه هو الوجهة، وأصبح الواقع هو ما يتم الانتقال إليه بشكل دائم، تجديده، تحديثه، لكن دون مغادرته أبدًا.

كيف تستمر في الانتقال دون أن تتحرك خطوة واحدة؟

نشأت السلطنات المملوكية في مصر نتيجة لانقطاع شرعية مشابه. انهارت الدولة الأيوبية دون أن تترك وريثًا، بعد إطاحة المماليك بتوران شاه ابن الملك الصالح أيوب، ولم يجدوا حلًا سوى أن يولوا عليهم امرأة هي شجرة الدر، أرملة الملك الصالح، التي سرعان ما تنازلت عن الحكم لزوجها الجديد عز الدين أيبك، قبل أن تقتله، ثم يقتلها تابعين له، ليتولى المملوك قطز الحكم.

تمكن قطز من الحكم فترة ضئيلة دون مشاكل في الشرعية بسبب الخطر المغولي، الذي ما إن تمت هزيمته في عين جالوت، حتى قتل قطز أيضًا. تولي بيبرس السلطة وهو مدرك مدى هشاشة الشرعية التي يستند إليها، فقد كان لا يقدر على إعلان نفسه ملكًا، وفي الوقت نفسه هو ليس مجرد والٍ تابعٍ للخلافة التي كانت قد سقطت بشكل كامل بعد دخول المغول إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية.

توصل بيبرس لحل سحري، وهو جلب أحد فلول العائلة العباسية إلى مصر، وتنصيبه خليفة، ثم يقوم هذا الخلفية بتفويض السلطة إليه. صارت تلك العملية، التفويض، هي الأساس الشرعي الذي يستمد منه المماليك حكمهم، تنصيب خلفاء عباسيين شكليين يفوضون إليهم السلطة، دون الدخول في أي مغامرات ملكية تأسيسية صعبة، بسبب افتقاد المماليك، الذين كان يتم جلبهم أفرادًا أرقاء دون عوائلهم ثم تدريبهم ليكونوا محاربين، دون أن يكون لهم أي إسناد عصبوي سوى عزوة السلاح، لشرعية قادرة على الصمود الخطابي أمام الزمن.

اعتمد المماليك إذن على خليفة غائب حاضر ليستمر حكمهم دون أن يقدموا لهذا الخليفة سوى الدعاء له على المنابر، دون أن يعني هذا الدعاء شيئًا من السلطة. وكانت كل مهمته هي حضور حفلات تنصيب السلاطين الجدد ومنحهم الشرعية.

لعبة تنصيب الخليفة الشكلي هذه عند المماليك تشبه العملية الانتخابية في أشباح الجمهوريات الحديثة،  حيث يكون الشعب الغائب الحاضر بديلًا عن الخليفة العباسي في الحكم المملوكي. ومثل الخليفة العباسي، يشترك الشعب على الورق في عملية انتخابية غالبًا ما تكون معلومة النتائج. ورغم معلوميتها تلك، فهي ضرورية لاستمرار الحكم، هي مشهد أصيل وتأسيسي وليس مجرد فصل مضاف بالقوة إلى المسرحية، مثلما كان تفويض الخليفة السلطة إلى السلطان المملوكي هي عملية شكلية لكنها جوهرية ولا غناء عنها، هي الشكل الذي يمكنه أن يحمي المضمون من الانهيار الكامل.

كان سقوط الخلافة العباسية مأزقًا عظيمًا لدولة انهارت عائلتها الملكية، أي الأيوبيين، ولذلك حضر المماليك شبحها ليظل الحكم ممكنًا.

النظرة الغاضبة من مسرحية التفويض المملوكية يفلت منها رؤية المأزق الذي جعل هذه اللعبة ضرورية. لقد انهارت الخلافة العباسية فعلًا، ولم يكن ممكنًا إحيائها مرة أخرى، كما كان صعبًا صعود عائلة مقاتلة أخرى تدعي أولوية الخلافة، أو السلطنة، لنفسها، مثلما فعل الأمويون ثم العباسيون ذات زمان، ومثلما كان الأيوبيين قبل وهلة من الزمن، وكان التفويض هو أقصى ما يمكن فعله لتأجيل التفكير في الحكم، التظاهر بأن شيئًا لم يتغير وبأن هناك خليفة بالفعل، وأن هذا الخليفة يفوض سلطته لرجل آخر ليحكم، هذا التظاهر الطويل سيتطلب قرونًا كاملة حتى تقوم به السلطنة العثمانية، التي بعد فتوحاتها وتوسعاتها ووصولها أخيرًا إلى مصر، مقر الخلافة الشكلية، ليسلب العثمانيون لقب الخلافة هذا بعد أن ظلت مجرد سلطنة ملكية طويلًا..

كان حل المماليك إذن لأزمة شرعيتهم، هو عدم حلها بل تأجيلها إلى الأبد، والاستمرار في الجري في المكان قدر استطاعتهم. هذا الانتقال المستمر إلى نفس المكان، هو بالضبط عكس ما تفترضه الأيديولوجيات الحديثة (مستندة لاعتداد الإنسان بنفسه وثقته في قدرته على إعادة تشكيل العالم) التي تفترض أن على الدول والأمم أن تنتقل إلى مكان وزمان دنيوين في المستقبل أكثر جمالًا من الحاضر. حيث المستقبل الأجمل الممكن، هو أحد الأعمدة الرئيسية لمشاركة الجمهور في السياسة بالأساس، ويأتي معه اعتقاد فئات هذا الجمهور أنها تمتلك الخطة المناسبة تمامًا لتحقيقه.

سحر المستقبل

رغبة الناس في المشاركة السياسية، وهو الرهان المبدئي جدًا لوجود الجمهورية، رهن اقتناعهم بأنهم سيشاركون في الحكم، وليسوا مجرد جنود في معركة لا تخصهم كما كانوا طوال التاريخ. هذا الاقتناع وجد سبيله في بعض الدول الغربية في صعود أفكار ليبرالية وعلمانية شجعت شرائح برجوازية على المشاركة لمعاندة سطوة المؤسسات الكهنوتية، كما شجعتها أفكار اقتصادية أنها ستحكم بنفسها بعد زوال حكم الإقطاعيين.

أي أنه لا يكفي أن يعتقد الناس بأحقيتهم في المشاركة برسم مستقبلهم، ولكن يجب أيضًا أن يعتقدوا أنهم يمتلكون ولو فكرة أولية عن شكل هذا المستقبل وطريقة الوصول إليه. وهنا صار لدينا أحد عوائق الانتقال الفعلي. فكما انتقلت بداهة الجمهورية من الغرب إلينا، انتقلت نظريات الوصول للجنان الدنيوية، لكنها، وعكس الفكرة الجمهورية، لم تنتقل منتصرة وبديهية.

يمكن -باختزال مخل- مناقشة نظريتين، الليبرالية والشيوعية. ترتبط الأولى بالحرية كقيمة أساسية وبالسوق كنظرية اقتصادية، وارتبطت بوجود طبقة برجوازية علمانية كبيرة نسبيًًا ترى نفسها أقدر على الحكم من الأرستقراطية الملكية، بينما ارتبطت الثانية بالمساواة والعدالة وبالدولة كأداة مركزية لتوجيه الاقتصاد، وتعتمد على وجود طبقة عمالية ضخمة ومنظمة. وفي الحالتين، افتقدت النظريتين لداعمها الاجتماعي المفترض. لم يكن لليبرالية والشيوعية، في الغالب، إلا أفراد برجوازيين ذوي ثقافة غريبة وأحزاب ذات هموم سياسية مرتبطة أساسًا بالاستقلال، كجنة دنيوية أصيلة يرجو الناس الوصول إليها. وفي الحالتين، أيضًا، كانت هناك عوائق دينية ومجتمعية لانتشار مبادئ كلتا النظريتين، إذ أن كلتا النظرتين تطلبان جمهورًا قد أخذ مسافة من روابطه الدينية والقبلية والعائلية، وأصبح مكونًا من أفراد طموحين لجنة دنيوية للفرد. وهو جمهور لم يكن متوافرًا.

صحيح أن الاعتقاد بأحقية كل الناس للدخول للسياسة، وبمساواة الجميع، قد انتصر بشكل شبه كامل، إلا أن هذا الاعتقاد لم تتهيأ له بقية عوامل التحقق الفعلي، لظروف الاحتلال، ولطبيعة الطبقات الاقتصادية الموجودة، والتي غالبًا ما ظلت ما قبل الدولة الحديثة تتواجد فيها شرائح غنية مرتبطة بالحكم (أقرب في بينتها ودورها لبلاط القصر والارستقراطية منها للبرجوازية كطبقة مستقلة طامحة في المشاركة بالحكم) وجماهير ضخمة من الفقراء والأفندية بعيدة عن الحكم مرتبطة بشكل وثيق بأفكارها الدينية ومستعدة للتحرك بشكل جماعي لكن لأهداف دينية مثل إعادة الخلافة أو قومية جماعية مثل تحقيق الاستقلال الوطني، وظلت هذه الجماهير بعيدة عن أن يكون هدفها تحقيق جنتها الفردية على الأرض، إلا كافتراض مضمر في أنه حال الاستقلال أو عودة الخلافة، ستصبح الظروف الاقتصادية نفسها أفضل بالتأكيد.

سهلت طبيعة السلطنة العثمانية وتوابعها، المبنية بشكل شبه كامل على القوة، دون خطاب متماسك عن أحقيتها الدينية لتلك السلطة، من انتصار الأفكار الجمهورية، ومطالبة الكثير من المثقفين العرب، الشوام في مواجهة السلطنة العثمانية نفسها والمصريين في مواجهة الدولة العلوية، من المشاركة في حكم بلدانهم. لكن عوامل كثيرة صعبت انتصار بقية الأفكار المصاحبة لها، كالحرية والإصلاح الديني والفرد، والأهم، تخيل الجنة الدنيوية القادمة.

انتصار الفكرة الجمهورية مصحوبًا بالاحتلال تسببت في أن تضغ عبارة «حق الشعب في حكم نفسه»  الشعب ككتلة في مواجهة الاحتلال ككتلة غريبة يجب التخلص منها، وليس، كما في الدلالة الأصيل للعبارة، وضع فئات الشعب بتنوعها في مواجهة طبقة حاكمة ضيقة. هذه الإزاحة الدلالية لم تكن غريبة تمامًا عن مصير فكرة الجمهورية نفسها، التي واجهت في الغرب، ولأسباب مختلفة تمامًا، مصائر مشابهة، بواسطة الأفكار القومية المتطرفة، كالفاشية، التي وضعت الشعب\الأمة\الوطن\الدولة كتلة واحدة في مواجهة  «الآخر» المتربص، وجعلت تحقق سيادة الشعب تعني تحقق سيادة حكامه في الداخل وقدرتهم على مواجهة الآخر (الآخر الأجنبي المعادي والآخر الوطني المتشكك في هذه السيادة يصبحان هنا مساويان لبعضهما البعض)، وليس سيادة الشعب كأفراد ومجموعات متنوعة على مصيره.

النزول للشوارع

«أهالي مصر قبل سنة 1876 كانوا يرون شؤونهم العامة، بل والخاصة، مِلكًا لحاكمهم الأعلى ومن يستنيبه عنه في تدبر أمورهم، يتصرف فيها حسب إرادته، ويعتقدون أن سعادتهم وشقائهم مَوْكُولان إلى أمانته وعدله أو خيانته وظلمه، ولا يرى أحد منهم لنفسه رأيًا يحق أن يبديه في إدارة بلاده، أو إرادة يتقدم بها إلى عمل من الأعمال يرى فيه صلاحًا لأمته» محمد عبده في الجزء الأول من «الأعمال الكاملة».

دخل الشعب المصري للسياسة من بوابة مقاومة الاستعمار والدعوة للاستقلال. قبل ذلك، لم يكن موجودًا بصفة سياسية. صحيح أنه كانت تحدث انتفاضات متتالية ضد الظلم أو التجنيد أو الضرائب المرتفعة، لكنها لم تطمح لتصعيد طبقة سياسية للحكم باسمها. كانت ثورة عرابي، والتي كان محمد عبده نفسه أحد المتحمسين لها في البداية، الشبح الأولي لظهور الجمهور المصري في السياسة، لكنه ظل متواريًا خلف مجموعة من ضباط الجيش المصريين بقيادة أحمد عرابي، ساخطين على وضعهم المتدني في الجيش مقارنة بنظرائهم الأتراك وإن طالبوا بجوار تحسين أوضاعهم الخاصة بمطالب سياسية تمثيلية صريحة مثل إنشاء مجلس نواب وإقالة الوزارة. بعد هزيمة ثورة عرابي، ظلت أشباح هذا الجمهور تحوم في البلاد حتى ظهرت واضحة في ثورة 1919 التي كانت دعمًا للوفد المصري ليكون ممثلًا للشعب في مفاوضات الاستقلال. هذه المرة اختار الشعب ممثلًا له، وهذا الممثل لم يكن الملك، وإذن أصبح الشعب «موجودًا» خارج الملكية بدرجة أو بأخرى.

دفع الاستعمار الشعوب خارج ملكياتها التقليدية، والتي كانت إما عاجزة عن مقاومة الاستعمار أو مهادنة له حفاظًا على ملكها أو هي من جلبته أصلًا، واستغلت الشعوب هذه الفرصة لتخرج للسياسة. ولكن الاستعمار الذي وفر عن غير عمد فرصة للشعوب للتعرف على نفسها وبناء دولها الحديثة، خلق مأزقًا عميقًا لهذه الفرصة، لأنه أبعدها مسافة حلم كامل ينبغي تحقيقه قبل الحلم بأي شيء. وهكذا كانت فالخطابات التي خلقت لتلبي طلب الاستقلال لم تكن خطابات تصيغها كتل شعبية مكونة من أفراد متمايزين تطالب بأحقيتها في إدارة بلدانها، ولكنها كانت خطابات تحيل للشعب كله، دون اختلاف أو تعددية، من أجل أن يهب هذا الشعب الواحد للدفاع عن وطنه ضد الاحتلال، وإن ظلت المطالب متضمنة درجة أو أخرى من الرغبة في جمهورية، وذلك مفهوم لأولوية تحقيق استقلال البلد، قبل المطالبة بالمشاركة في إدارته.

لم يكن الأمر، بالنسبة للدول المحتَلة مثل مصر، ببساطة أن هناك فكرة منتصرة عن كيفية إدارة الدول، يمكن تحقيقها بمجرد الإيمان بها، فقد أتى انتصار هذه الفكرة مصحوبًا بعوامل جعلت تطبيقها شبه مستحيل. فبجوار أولوية الاستقلال عن المستعمر/المثال، انفجرت أسئلة أخرى عن التقدم والتخلف والحداثة ومكانة العلم، والإصلاح الديني، الأخير الذي كان مأزقًا مركبًا بدوره. فبجوار ضرورته النظرية لخلق ذوات فردية متحررة من روابطها التقليدية، ولخلق إمكانية للحلم بمجتمع جديد ذو قيم جديدة، وبالتالي إمكانية جنة دنيوية يتم السعي إليها وليس إعادة ماض مجيد، جعل الاستعمار هذا الإصلاح شديد الصعوبة، فقد كان مختلفًا دينيًا عن الشعوب المستعمرة، وتم اعتباره، في أحيان كثيرة، امتدادًا للحروب الصليبية على الإسلام، وقام بنكز الحس الديني لدى مجموعات كبيرة من الشعوب، كان الدين أحد دروعهم التقليدية لتحرير بلدانهم، وأحد الوسائل السريعة الناجعة في حشد الناس للمقاومة، وإذن تم دمجه في خطابات قومية تجعل، لأسباب مفهومة، الاستقلال حلمها الأول، وليس أي جنة دنيوية أخرى.

ظهر المصريون للمرة الأولى كشعب، في ثورة 19، للمطالبة بالاستقلال. ونتيجة لهذا الظهور الذي نجح في فرض الاعتراف به، تم إقامة نظام ديمقراطي جزئي، يشترك من خلاله ممثلي الشعب في الحكم مع القصر والإنجليز. صحيح أن هذه الديمقراطية ظلت منقوصة وجزئية وعرضة بشكل متكرر للانقلاب عليها وإلغاء البرلمان تلو الآخر، إلا أن الدفع الشعبي المستمر للوفد للصعود للحكم، كان يحافظ على هذه الديمقراطية المنقوصة.

بالوقت، وسواء لفشل الوفد في تمثيل طموح الشعب أو لظروف أخرى، مثل خفوت مطلب الاستقلال، لصالح نقاشات تتمحور حول الهويات القومية والدينية أو تسائل البنية الاقتصادية الإقطاعية، فقد تناقص الحماس الشعبي للوفد كممثل لكل الأمة، وصعدت قوى غير ديمقراطية إلى المجال العام (مثل الإخوان المسلمين ومصر الفتاة)، هي قوى جمهورية إن التزمنا بتعريف أن الرغبة في اشتراك العوام في السياسة هي فعل جمهوري، لكنها غير جمهورية من حيث إنها كانت ترفض بشكل مبدئي العملية الديمقراطية وتنتقد هزليته، أو تزيد على ذلك أنها ترفض التعددية الحزبية بشكل كامل، وترى فيها تفتيتًا لوحدة الشعب ودخولًا به في اختلافات لا ذنب له فيها. هي هنا تطرده من العملية السياسية مرة أخرى، بعد أن تبدأ حديثها باسمه. ورغم أنها قد تكون تطرفت في عداوتها للتعدد، إلا أن المناخ السياسي الذي انطلقت منه، المتمحور حول الاحتلال والتخلص منه، جعل الوضع مناسبًا لها لتتعامل مع الشعب ككتلة مصمتة، يجب قيادتها إلى المستقبل الأنسب لها.

وليس صدفة أن ما سيرثه نظام 52 من هذه الخطابات هو هذا الضجر تحديدًا من التعددية والاختلاف، لأن الهدف يظل واحدًا، الاستقلال وكفاح الشعب، ليس لتحقيق جمهوريته، ولكن لتجسيد سيادته على أرضه، ولا ينبغي، من وجهة نظر الضجر، أن تكون هناك اختلافات وأحزاب كثيرة من أجل تحقيق هذا الهدف الواضح. وما دام جزءًا من الشعب، شاءت الأقدار أن يكون الجيش، يقوم بالمهمة، فيجب على كل الآخرين أن ينشغلوا بأعمالهم ويتركوا هذه المسائل له. أو بتعبير عبدالناصر في كتابه «فلسفة الثورة» وهو يحكي عن زيارته للجامعات وحديثه مع أساتذتها الذين ضجر منهم لأنهم تكلموا كثيرًا: «إن كل فرد منا یستطیع في مكانه أن يصنع المعجزات، إن واجبه الأول أن یعطي كل جھده لعمله، ولو أنكم، كأساتذة جامعات، فكرتم في طلباتكم، وجعلتموھم -كما یجب- عملكم الأساسي، لاستطعتم أن تعطونا قوة ھائلة لبناء الوطن. إن كل واحد منا یجب أن یبقى في مكانه ویبذل فيه كل جھده. لا تنظروا إلينا، لقد اضطرتنا الظروف أن نخرج من أماكننا لنقوم بواجب مقدس، ولقد كنا نتمنى لو لم تكن للوطن حاجة بنا إلا في صفوف الجيش كجنود محترفين، وإذن لبقينا فیه».

هذا الضجر معادٍ لصخب الجموع، ولكنه في الوقت نفسه، لا يريد عودة الملكية، هو يريد شعبًا حاضرًا في السياسة كشعار وكتلة، لكنه غائب كمجتمع متعدد مكون من فئات كثيرة لكل منها صوتها وتصوراتها الخاصة. يريد هذا الضجر من الفرد أن يشارك كشبح، كفرد غير منظور في حشد مكتظ، حيث يحتل الناس مكانة ضبابية بين الرعية والمواطنة.

العداء للجمهورية، ولحق الناس في الاختلاف، لا يستطيع أن يعبر عن نفسه إلا في شكل ضجر لا يستطيع استهداف حرية الفرد نفسه بشكل صريح، ﻷن هذا العداء، مهما راوغ خطابيًا، يظل نتاجًا لأفكار ما قبل جمهورية، تحتقر الجموع وتنبهر بقيادات فردية لديها هبة إلهية للحكم، لا يصح منازعتها إياه، ولا تظهر هذه الأفكار صريحة لأنها مهزومة بشكل كلي على مستوى الخطاب، ولكنها متجذرة ومستمرة الحضور على المستوى النفسي.

الجمهورية المؤجلة

«أما الطریق فھو الحریة السیاسیة والاقتصادیة. وأما دورنا فیه فدور الحارس فقط، لا یزید ولا ینقص… الحارس لمدة معينة بالذات موقوتة بأجل. وما أشبه شعبنا الآن بقافلة كان یجب أن تلزم طریقًا معینًا، وطال علیھا الطریق، وقابلتھا المصاعب، وانبرى لھا اللصوص وقطاع الطرق، وضللھا السراب، فتبعثرت القافلة. كل جماعة منھا شردت في ناحیة، وكل فرد مضى في اتجاه. وما أشبه مھمتنا في ھذا الوضع بدور الذي یمضي فیجمع الشاردین التائهین لیضعھم على الطریق الصحیح ثم یتركھم یواصلون السیر» -جمال عبدالناصر- فلسفة الثورة

ليس مجرد خداع أن المدة المعينة التي يتحدث عنها عبدالناصر كفترة قيادة الجيش للبلد لم تنته أبدًا. عادة الخطط السياسية التي تضع هدفها «اللحاق» بشيء ما تستمر للأبد، لأن ما تلاحقه يستمر في الحركة بدوره. وهدف اللحاق بالحداثة غالبًا ما أدى بأي سلطات سياسية على اختلاف مشاربها أن تستمر للأبد، فمهمتها لا تنتهي. كما أن هدف الوصول للدولة القوية، الناتج عن الجرح النرجسي الذي سببه الاحتلال، لا ينتهي هو الآخر، ولا توجد معايير لقياس درجة القرب من الوصول إليه. حدث نفس الأمر تقريبًا في الثورة الروسية «الشيوعية»، التي ما إن انتصرت حتى أصبح هدفها اللحاق بركب التحديث الصناعي وتقوية الدولة لتكون ندًا لخصومها، واستمرت لأكثر من 70 سنة وهي تحاول اللحاق دون أن تصل. وليس في ذلك أي مفاجأة إذ أن الحلم الشيوعي لم يكن نتاجًا خالصًا للوضع الروسي نفسه، وفور انتصار الثورة، واجه المنتصرون ظروف بلدانهم الحقيقية، التي أجبرتهم على الابتعاد تدريجيًا عن شعاراتهم.

في العموم، واجهت البلدان الأقل تقدمًا معضلة حقيقية، فالجنان الدنيوية، الغربية بالأساس، التي حاولت اللحاق بها، كانت تتغير على الدوام، لأنها بدورها تلاحق جنان دنيوية مستقبلية، ولكونية القيم الإنسانية التي صنعت هذه الجنان. كانت الجنان الدنيوية التي يمكن لدول أقل تقدمًا أن تلاحقها، تصير مستحيلة المنال، ما يستدعي إجراءات مؤقتة، تتعلق غالبًا بمركزية سلطة الدولة، لتساعد هذه الدولة على كسب أكبر اندفاعة ممكنة، لتجد نفسها متأخرة مرة أخرى. هذا الانهمام باللحاق لا يمكن الاستغناء عنه ببساطة ببناء دول منكفئة على نفسها تحقق جنتها الخاصة وتعتزل العالم، فهذا شبه مستحيل في عالم مربوط اقتصاديًا ببعضه، وبه مراكز للصناعة والحداثة، لا يمكن اعتزالها دون المقامرة بالتأخر أكثر وأكثر.

الدول الغربية لم تكن فقط مركزًا للثروة والقوة، ولكن أيضًا مركزًا لصناعة الجنان الدنيوية المستقبلية، جنان تتغير بمقدار تغير الدول هذه نفسها وتقدمها، وهو ما يخلق بدوره معضلة للمتطلعين للحاق بها، سواء كانت الدول نفسها أو معارضتها، فالدول كما سلف ستجد نفسها دومًا في حالة طارئة، ومعارضيها سيجدون أنفسهم يطورون جنانهم دون أن يتطور مجتمعهم نفسه، ليجدوا أنفسهم في كل مرة أبعد بهذا القدر أو ذلك عن شرائح كبيرة من المجتمع لا تشاركهم حلمهم. وحين تبدأ هذه الشرائح بالاقتناع ببعض أفكارهم يكونون قد غادروا مواقعهم مطاردين لآثار جنة أخرى. بالطبع، ساهمت ثورة الإنترنت في تقريب شرائح أكبر من الناس في العالم من بعضهم البعض وساهم ذلك في قدرة جنان معينة على تسويق نفسها، لكن ليس للحد الكافي لفك العقدة مرة وللأبد.

في خلال كل ذلك، كانت هناك محاولات لحل هذا الإشكال من قبل جماعات إسلامية وقومية روجت لخصوصية ثقافية ومجتمعية كي تريح نفسها من معضلة التقدم والتأخر. لكن هذه الخصوصية لم تكن لصنع جنة دنيوية خصوصية، توفر للناس أحقيتهم في حكم بلدانهم والتمتع بحرياتهم وتحقق نوعًا من العدالة الاقتصادية. هذه الخصوصية تعيد ترويج الواقع نفسه، أو بتعبير آخر تعيد إنتاج المجتمع نفسه، أو حتى تحاول الرجوع به لنسخه أقدم منه تراها أكثر مطابقة لتصوراتها، (ما يعني نظريًا رفض الذهاب لأي جنة دنيوية مستقبلية). وإن كان لا بد من حلم معين، كانت تستعير حلم اللحاق بالغرب وتقوية الدولة، وهو الحلم نفسه الذي كانت الدولة، التي يعارضونها تطارده. والأهم أنها رغم ادعاءاتها الخصوصية، لم تكن تمتلك أي تصور للدولة، يختلف عن التصور الجمهوري، الفرق فقط أنها لا تريد تحقيق هذا التصور لارتباطه بقيم تعاديها مثل الحرية الفردية، وبالتالي لم تكن هذه التصورات الخصوصية سوى حالة مراوغة جدًا من واقع الدولة نفسها: الجمهورية المؤجلة إلى الأبد.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن