حوار مع مروة زين مخرجة «أوفسايد الخرطوم».. السودان الحلو/ مر
عرض أفلامنا في السينمات المصرية من أهم وسائل الدعم والمساندة التي من الممكن أن تقدمها مصر
 
 
 

 مروة زين، مخرجة سودانية شابة اختارت أن تنتمي للحراك السينمائي القائم في بلادها، وصار فيلمها «أوفسايد الخرطوم» (2019) ضمن ثلاثة أفلام سودانية محتفى بها عالميًا وفي العالم العربي، إلى جانب «ستموت في العشرين» (2019) للمخرج أمجد أبو العلا، و«الحديث عن الأشجار» (2019) للمخرج صهيب قسم الباري.

بمشاركة فيلمها في مسابقة «آفاق عربية» بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، في دورته الـ41؛ تعود مروة للقاهرة التي عاشت فيها منذ سن الثانية عشرة والتحقت فيها بالمعهد العالي للسينما. وهو ما تعتبره مناسبة استثنائية بلقائها الجمهور المصري الذي عرفها من قبل بأفلامها القصيرة المميزة: لعبة (2009)، ورندة شعث (2008)، وأسبوع ويومين (2016) والمُحتفى بها في عدة مهرجانات داخل مصر وخارجها.

افتتح فيلمها الطويل الأول أوفسايد الخرطوم مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته الـ69، قبل أن ينطلق عبر مجموعة من المهرجانات الهامة حول العالم مثل هوت دوكس بكندا، ومالمو بالسويد، وآخرها مهرجان إدفا بأمستردام، ثم مهرجان القاهرة، وهي المحطة العربية الثانية للفيلم بعد مشاركته في مهرجان قرطاج بتونس وحصوله على جائزة العمل الأول. 

وهي مثل زميليها أيضًا تنتمي لجيل من الشباب السوداني الذي اضطرته الظروف للبعد عن البلاد، ثم قرر إعادة اكتشاف ذلك البلد القريب البعيد الذي ينتمي إليه من خلال السينما. فمن خلال رحلة فريق قدم نسائية تنتمي بطلاته لهامش الخرطوم في مواجهة حصار المجتمع والثقافة والدين ورجال الأمن، تأخذنا مخرجة الفيلم  في رحلتها الخاصة لاكتشاف الخرطوم، والسودان بعين الطائر تارة، ومن موقع شديد القرب تارة أخرى.  

رتبنا موعد إجراء هذا الحوار بعد يومين من العرض الأول لفيلمها بمهرجان القاهرة. كنت قد التقيتها بعد انتهاء الندوة التي أعقبت عرض الفيلم في المسرح الصغير بدار الأوبرا، وفي نيتي أن نبدأ الحوار مباشرة ولم نزل في أجواء العرض وما تلاه من مناقشات مثيرة للاهتمام. لكنني فوجئت بها تتلقى أحضان وتحيات الجمهور على باب المسرح بينما لا تكاد تتبين وجوه أيًا من أصحابها من غزارة الدموع التي انهمرت بتلقائية وبدون توقف من عينيها. سأعرف لاحقًا أن مروة زين «دمعتها قريبة»، كما اضطرت  أن تصف نفسها، وسط كل نوبات الدموع التي لاحقت حوارنا مع كل ذكرى تخص فيلمها الطويل الأول الذي لف الدنيا شرقًا وغربًا قبل أن يأتي إلى القاهرة. كان اللقاء في ظهيرة شتوية مشمسة بمقهى فندق سميراميس الذي استضاف ضيوف مهرجان القاهرة.

مروة زين

سألتها بفضول عن السبب في تأثرها البالغ بعرض الفيلم في ذلك اليوم بالقاهرة وكأنه العرض الجماهيري الأول بينما شارك فيلمها في مهرجانات كبرى حول العالم. «عرض أوفسايد الخرطوم في مصر أمر استثنائي» تقول مروة، وتحدثني عن بدايتها مع السينما في القاهرة التي قدمت إليها في سن الثانية عشرة مع أسرتها، وكانت قد ولدت في السعودية، «مصر هي المكان الذي عرفت وأحببت وتعلمت فيه السينما، وتحديدًا السينما التسجيلية. أدين بالفضل للكثير من صناع الأفلام هنا من بينهم الأستاذة عطيات الأبنودي التي كنت أتمنى لو كانت لا تزال على قيد الحياة لمشاهدة فيلمي. تعلمت منها كيف تصنع فيلمًا تسجيليًا قيمًا دون أن يفقد عنصر الإمتاع».  وهي تأتي أيضًا على ذكر المخرجات تهاني راشد، ونادية كامل، والمخرج خيري بشارة «كلهم أخذوا بيدي إلى عالم الأفلام التسجيلية التي من الصعب في بلادنا أن تعثر عليها إلا إذا دعاك أحدهم لمشاهدتها. بدون هذا الحب وهذه المعرفة ما كنت هنا اليوم».

عطيات الأبنودي

استغرقت رحلة صنع الفيلم أربع سنوات ونصف، قبل أن يشهد عرضه العالمي الأول بمهرجان برلين مطلع هذا العام، ثم ها هو يأتي إلى القاهرة في شهر نوفمبر «انتظرت هذا العرض بفارغ الصبر طوال تلك المدة»، تقول مروة التي تشعر بتقدير كبير للجمهور العالمي الذي أحب الفيلم وتفاعل معه في كل المهرجانات التي عرض بها، لكن أن يعرض الفيلم في مصر أخيرًا فكأنه عُرض في السودان، تقول: «عاد إلى حيث أهله وناسه». وهي تنتظر أن تقترب فرصة عرض الفيلم جماهيريًا في السودان سواء من خلال مهرجان السودان للسينما المستقلة أو مهرجان الخرطوم، أو من خلال منتديات ثقافية سودانية حسب تعبيرها، لكنها تبدو حريصة أكثر على ألا يقتصر عرض الفيلم على قلب العاصمة، «90% من مشاهد الفيلم تم تصويرها على أطراف المدينة، في أحياء مايو وأمبدة بأم درمان، والحلة حيث يعيش أهل بطلات فيلمي كغيرهم من النازحين من مناطق النزاع الذين حين يكتشفون أن قلب العاصمة عالي الكلفة كما هو الحال في غيرها من العواصم يكتفون بالعيش على حوافها. هؤلاء الناس عاملوني بمنتهى الكرم واللطف ويهمني أن يعود الفيلم إلى أصحابه»، تقول مروة.

لكن أكثر ما لفت انتباهها في عرض الفيلم في مصر سواء في قاعة المسرح الصغير بدار الأوبرا أو في سينما زاوية بوسط العاصمة، هو رد فعل الجمهور. «إنه العرض العربي الثاني بعد مهرجان قرطاج. أبهرني الفضول الكبير الذي ولده الفيلم بداخل الجمهور المصري نحو التعرف على السودان. كسودانيين نحن نعرف مصر جيدًا وهي بالنسبة لنا بوابة إلى العالم العربي والعالم، ورثت هذا الشعور عن أبي وجدي وهو أيضًا موجود في جيلنا. مؤكد أن شغفنا نحن بمصر أكبر قليًلًا من العكس. لذلك فإن احتفاء الجمهور المصري بالفيلم وبالسودان لمسني جدًا». لكنها مع ذلك تفضل لوم الجغرافيا والتاريخ على توجيه اللوم لأي اتجاه آخر، فمساحة السودان ضخمة وهي أكبر مرتين ونصف من مساحة مصر، كما أن هذا البلد شديد التنوع لغويًا ودينيًا وثقافيًا لدرجة أن السوداني نفسه ربما لا يدركه الوقت أو الإحساس بالأمان الشخصي -بفعل الصراعات التي تملأ بلاده- ليتعرف عليها أو التواصل مع مكوناتها. تقول مروة التي تعتبر نفسها بشكل ما استثناء عن القاعدة «أنا محظوظة لأنني عشت فترة في جنوب السودان  قبل أن أزور الشمال، وقبلها كانت لدي علاقات كبيرة وقوية ومهمة بالجالية السودانية في مصر». وهي بالتالي وإن لم ترغب في لوم أحد تشعر بامتنان كبير لما أثاره فيلمها من شغف لدى الجمهور المصري للتعرف أكثر على السودان.

جزء من ذلك الشغف الذي يولده الفيلم مرتبط بأسلوب السرد وخيارات التصوير، فبينما يتتبع الفيلم رحلة فريق كرة القدم النسائي وسعيه وراء حقوق أهدرها اتحاد الكرة، وأطراف أخرى، ستباغتك من حين لآخر تفاصيل مبهرة للحياة اليومية لبطلات الفيلم والمحيطين بهن، ولقطات منوعة تبرز التناقض والتنوع الهائل في أحياء العاصمة. «كنت تقصدين أن يتطلع الناس إلى المكان وليس فقط حكاية سكانه أبطال الفيلم»، أسألها فتجيب سريعًا «مليون في المائة». تستطرد مروة أنها كانت مهتمة بأن يشعر الناس من خلال مشاهدة الفيلم أنهم في قلب السودان، أرادت أن تحكي كيف ترى هي السودان، ما الذي تحبه، وما الذي تكرهه، وهي التي تحلم بزيارته منذ الطفولة ثم لم تحن لها فرصة تحقيق حلمها قبل العام 2010 حين زارته لأول مرة، ثم زارته مجددًا بعد ذلك التاريخ بسنوات قليلة انتهت بإنجاز فيلمها «أوفسايد الخرطوم»: «بيني وبينه علاقة حب وكراهية، أحبه لكنني أحب أن يعيش أهله الحياة التي يستحقونها. هذا البلد قاسٍ، جاف، مُترب، شمسه صعبة، حتى على كاميرا التصوير، لكن أهله في منتهى الرقة والأصالة والاعتداد بالنفس والكبرياء»، تقول مروة وتضيف: «لدينا مشروب سوداني اسمه الحلو مر، إنه أصدق وصف للسودان. تلك الشعرة التي تفصل بين ما يمكن أن يكسرك ويهزمك وبين اللحظة التي تقرر فيها أننا لن نقع، هانكمل، هانرقص، هانلبس ملون وهانعاند. هذا ما أردت أن يظهر في الفيلم».

تستغرق مدة الفيلم الساعة وربع، من النادر خلالها ألا تقع عينيك على ابتسامة أو ضحكة مدوية على وجه بطلات الفيلم مع كل ما تواجهنه من أزمات تحاصرهن حتى الاختناق. وهو ما تراه مروة زين نوعًا من التمرد والمقاومة: «السخرية والضحك هي سلاحهن اليومي لتحدي الواقع. أنا تعلمت ذلك منهن». وتتذكر لحظات الإحباط الضخمة التي واجهتها خلال التصوير «كنت أضع الكاميرا، والمعدات، ويدي على خدي وأقول وقعت في حفرة لا أمل في الطلوع منها»، لكن بطلتي الفيلم سار وهندة كانتا سرعان ما ينتشلاها من اليأس رغم أنهما تواجها ظروفًا صعبة يوميًا. «تلك هي الروح التي حافظتا عليها طوال 90 ساعة هي الوقت الفعلي لتسجيل الفيلم، وهو ما حرصت على أن تظهره خلال الفيلم بمعاونة المونتير الشاب الموهوب محمد عماد رزق الذي أحب ذلك فيهما أيضًا».

مشهد من «أوفسايد الخرطوم»

لكن، كان على مروة زين أن تخوض رحلة أطول قليلًا من رحلة الفيلم نفسه لتبني تلك الثقة مع بطلات فيلمها. فعلاقتها بالفيلم بدأت صدفة وبالتحديد في أكتوبر 2014 عندما دعتها صديقة (تغريد عووضة)، وكانت آنذاك مديرة منظمة نسويه تدعى «رؤية» لزيارة السودان أسبوعًا لعمل فيلم مدته خمس دقائق عن فريق كرة القدم النسائي في الخرطوم. «في ذلك الحين كانت حياتي مستقرة في القاهرة لديّ أسرة وأعمل مساعد مخرج. مع ذلك وافقت على الفور». كانت هناك حكاية معلقة بين مروة وبلادها قبل هذه اللحظة بعدة سنوات وبالتحديد في العام 2011/2012 عندما قررت أن تعيش عامًا في جنوب السودان لتصنع فيلمًا لكن خطوات الانفصال أتت على حلمها لتعود إلى القاهرة ولم تنته من تصويره. «ربما كان القدر يعاود المحاولة. فاستجبت».

انبهرت مروة باكتشاف فريق كرة القدم النسائي هناك «كن لاعبات محترفات جدًا وشخصياتهن قوية. عرفت فورًا أن فيلمًا عنهن سيتجاوز بالتأكيد الخمس دقائق». استطال الأسبوع المقرر لتصوير الفيلم إلى ثلاثة أشهر من التصوير المتواصل، ومع بدايات العام 2015 تعرضت مؤسسة صديقتها لمشكلات حكومية اضطرتها للإغلاق وسافر أفرادها، «التزمت بالعقد وقدمت للمنظمة خمس دقائق أوضحت أنها ليست الفيلم الذي أريد. كنت أعرف أن فيلمي سيستغرق وقتًا»، تقول مروة. كان همها الأول خلال الأشهر الثلاثة أن تعثر بين بطلات الفريق على بطلات فيلمها، أي الشخصيات التي ستتابعها الكاميرا إلى نهاية الرحلة. لكن كان من الضروري أيضًا أن تتكون بينها وبينهن علاقة ثقة تسمح لهن بمشاركتها الفيلم. في الفيلم التسجيلي، تقول مروة، لا بديل عن الوصول إلى مساحة معينة من المكاشفة والشفافية بين صانع الفيلم وأبطاله، دونها لا تصبح العلاقة بينهم ندية وإنما علاقة استغلال، ولا يصبح فيلمًا تسجيليًا وإنما تمثيلًا مصطنعًا.

مشهد من «أوفسايد الخرطوم»

«أنا بالنسبة لهن غريبة لا أعيش في السودان ولا أتكلم اللهجة السودانية، وهن في موقف لا تحسدن عليه، تلعبن الكرة لكن الدين والمجتمع والحكومة ضدهن، وبالتأكيد لا تحتاجن إلى عبء إضافي في أن يضطررن للكشف أمام الكاميرا. كان لا بد لبطلات الفيلم المرتقبات أن تثقن في أنها تشاركهن ذات المعاناة وإن اختلف الأسلوب، «أنا أيضًا عانيت حتى صرت مخرجة، وأنا أيضًا أسعى للتحرر مثلما تسعين بالضبط، لولا ذلك لما انسابت الحكايات الصادقة من قلوبهن كما ظهرت على الشاشة».

إنتاجيًا لم تعثر مروة في البداية على جهة متحمسة لإنتاج الفيلم، فقررت جمع كل مدخراتها من العمل كمساعد مخرج لاستثمارها في الفيلم الذي قررت إنتاجه بنفسها. كانت قد عرفت بالفعل ما الذي تبحث عنه في مدينة الحلو مر. تقول: «كنت أقدم مشروع الفيلم للداعمين المحتملين هكذا.. أصنع فيلمًا عن نساء سودانيات متمردات تكون فريق كرة قدم، لكنه أيضًا عن السودان، عن بلدي».

كانت قد تأكدت أن العمود الفقري للفيلم هو رحلة لاعبات الكرة، «لكنه في الحقيقة كان جزءً من رحلة اكتشافي للسودان»، تقول مروة أن معظم أفراد الجالية السودانية الذين شاهدوا الفيلم في أي من البلدان التي عرض فيها كانوا لا يصدقون أنها لا تعيش في السودان. «أوفسايد الخرطوم بمثابة جواز سفر سوداني جديد غير ذلك الذي أحمله طوال عمري، جواز سفر مكتسب وليس موروث»، هكذا تصف مروة زين علاقتها بفيلمها الطويل الأول.  

مشهد من «أوفسايد الخرطوم»

بعد فترة وجدت نفسها مضطرة لتأسيس شركتها للإنتاج السينمائي في السودان ORE Production  حتى تتمكن من العثور على شركاء إنتاج دوليين لفيلمها، وهو ما سيحدث تدريجيًا، شرط أن تبقى على دورها كمنتجة رئيسية للفيلم. كان ذلك يعني أنها ستضطر لمواصلة التصوير بإمكاناتها المحدودة حتى يظهر الدعم. إجمالًا قامت بأدوار المصور ومهندس الصوت بالإضافة للمخرج في نحو 85% من الفيلم. «وحده المشهد الأخير لمباراة الشارع الذي تضمن ثلاث كاميرات وثلاث مصورين ومهندس صوت»، تقول مروة.

لكن الموارد المحدودة لم تكن التحدي الوحيد، وإنما الظرف الأمني أيضًا؛ إذ لم يكن التصوير في الشارع مسموحًا من دون الحصول على تصريح. «واجهت صعوبات في الحصول على تصاريح التصوير في الشارع. وأُلقي القبض عليّ عدة مرات بتهم مختلفة، كنت أنجو منها بمعجزات. لهذا كان العمل وحدي أسهل وأكثر مرونة». تقول مروة إن التصوير استمر ثلاث سنوات ونصف دون الحصول على تصاريح، «مع الوقت تكونت لدي مهارات بمساعدة بطلات فيلمي على انتقاء مواقع تصوير أكثر أمانًا نسبيًا. وتحولت بطلات الفيلم إلى أعضاء في الفريق، تساعدنني في حمل المعدات، وتعطلن رجل الأمن أحيانًا حتى أتمكن من تغيير كارت الذاكرة. «صار هناك إيمان جماعي بينها وبين بطلات الفيلم بأنهن شركاء في مشروع واحد، وأنه عليهن إخراجه معًا إلى بر الأمان مهما حدث».

بوستر «أوفسايد الخرطوم»

لكن الظروف الضاغطة تلك مكنتها أيضًا من الاقتراب أكثر من بطلات الفيلم، «عرفن أنه لا بيت لديّ في السودان، فكن يستضفنني في بيوتهن، وصارت بيننا مساحة من الحميمية والثقة والصدق، منحتني مساحة أوسع من الحرية في التقاط تفاصيل حياتهن اليومية، أظنها ما كانت لتتوافر لو كان هناك فريق كبير»، تضيف مروة.

مع الوقت تمكنت مروة من الحصول على بعض المنح الإنتاجية، منحة مهرجان  IDFA، ثم «آفاق»، لكن هدفها كان التمكن من عمل شراكات إنتاج دولية لضمان جودة الصوت والصورة في مراحل ما بعد الإنتاج لإصلاح ما أفسده غياب فريق عمل احترافي. «أدين بالفضل لمن أعتبرها أختي الكبرى الأستاذة جيهان الطاهري، التي دفعت الفيلم دفعات مهمة خلال مسيرته كمستشارة ومساهمة إبداعية، وبالفعل انضم للفيلم لاحقًا هنرك أندربجيرك كمنتج مشارك من الدنمارك والنرويج، وجرت عمليات هندسة الصوت والألوان ما بين المغرب وألمانيا والسويد».

لكن على ما يمثله الإنتاج المشترك من دعم كبير للأفلام بالنسبة للمخرجين العرب الذين يفتقرون إلى فرص لدعم أفلامهم في الداخل، فإن الأمر لا يخلو من المخاطر أيضًا. ظهر في الفيلم مشهد تعبيري بدا للوهلة الأولى مختلفًا عن أسلوب السرد في الفيلم، وهو مشهد لأجساد شبه عارية لذكر وأنثى في استعراض يتداخل فيه الجسدان بشكل محير. قلت لمروة إن هذا المشهد على جرأة تنفيذه فإن أسلوبه يختلف بشكل ما عن أسلوب سرد الفيلم. فكأنه وجهة نظر قرر المخرج أن يقولها بنفسه بشكل مباشر، متحولًا من مقعد الملاحظ إلى المشارك الفعلي. اعترفت أنها كانت بالفعل مخاطرة، لكن صنع فيلم برأيها في ذاته مخاطرة كبيرة.

مشهد من «أوفسايد الخرطوم»

 «اعترض المنتجون المشاركون على المشهد حتى آخر لحظة لكنني أصررت على وجوده». تبرر مروة عنادها بعدة أسباب، أولها أنه يعبر عن فكرة عدم وجود فوارق حقيقية بين الجسد الأنثوي والذكري. «عندما حكت لي إحدى بطلات الفيلم عن الشرطي الذي استوقفها قائلًا إن عليها أن ترتدي الحجاب ليتمكن من معرفة ما إذا كانت ولدًا أم بنتًا، رأيت بعيني هذا المشهد: جسدان عاريان لبنت وولد يتداخلان فيما بينهما»، تقول مروة إنها تخيلته بحذافيرة قبل تصويره بكثير، «من خلال المشهد كنت أريد القول إذا كان الفارق بين الجسدين هو ما يستفزكم طيب شوفوه أمامكم في الشمس بأجساد سمراء، واتلخبطوا. حاولوا اكتشاف الفارق. كان من المهم أن يكون المشهد مستفزًا»، تقول مروة.

وتضيف أنه إذا منح الله شخصًا ما موهبة أو فرصة أو حظًا للتعبير فعليه أن يكون شجاعًا، لأن الأمر في كل الأحوال مخاطرة. «إلى متى سنظل نخجل من أجسادنا ومن الحديث عنها. نحن جزء من الطبيعة، أجسادنا جميلة والاحتفاء بها مهم. لقد صرنا مؤخرًا ليس فقط بسبب الدين وإنما بسبب المجتمع وظروفه المحافظة إما نخفيها أو نسعى لتجميلها لأنها تخجلنا». أما فيما يتعلق بأسلوب تصوير المشهد فلا ترى المخرجة أنه يختلف عن أسلوب سرد الفيلم «كانت بيني وبين تلك الأجساد نفس المسافة القريبة التي كانت  بيني وبين بطلات الفيلم. لكنني أيضًا حرصت على الحفاظ على كرامة هذه الأجساد بأن لا أخدش حيائها وهو ما حرصت عليه أيضًا في الفيلم، ألا يجرح الفيلم أحدًا أو يكشف ما ليس من حقي كشفه».

 هكذا تمكنت مروة من كسب جولتها في الدفاع عن مشهدها أمام اعتراض المنتجين المشاركين. لكن قرارها من البداية أن تكون هي المنتج الرئيسي كان جزءًا من رغبتها في حماية محتوى فيلمها من التدخل. «قراري منحني القدرة على أن تكون لي الكلمة الأخيرة في اتخاذ القرارات. أنا بالتأكيد ممتنة للعائلة الدولية التي احتضنت الفيلم، لكنني أعي جيدًا أن لكل منحة ولكل إنتاج مشترك شروط. وعندما لا تشبهني أو تشبه فيلمي أنسحب فورًا مهما كانت الحاجة للدعم المالي شديدة».

 تعترف مروة بأنها تعرضت لخسائر بسبب إصرارها على مواقفها في بعض الأحيان، «مع ذلك أنا محظوظة أيضًا بالكثيرين الذين قرروا أن يكونوا جزءًا من المشروع بأقل مما يستحقون من مقابل، لكن على الأقل يصلنا التقدير المعنوي من خلال دعوة الفيلم إلى كل هذه المهرجانات».

وترى مروة أن صناع الأفلام ليسوا استثناءً من الظروف الضاغطة التي تعيشها مجتمعاتنا، «من السهل بالتأكيد أن نتعرض لضغوط ومحاولات للي ذراعنا لأننا لسنا في موقع قوة. لكن على صانع الأفلام أن يعرف جيدًا ما هو فيلمه؟ وما الذي يمكنه التنازل عنه وما لا يمكنه التنازل عنه. ومتى عليه أن يقول لا بارتياح».

مع ذلك تبدو مخرجة «أوفسايد الخرطوم» متفائلة بالمستقبل: «اليوم أعلن عن عرض فيلم (ستموت في العشرين) جماهيريًا في السودان منتصف ديسمبر. بالنسبة لي هذا هو الحلم الذي نعمل من أجله منذ سنوات طويلة في مهرجان السودان للسينما المستقلة»، هناك أيضًا أمل أن يشعر الشباب السوداني من صناع الأفلام بدافع أكبر لمواصلة العمل لأن شباب مثلهم ويشبهونهم حققوا نجاحات بأفلامهم.

من فيلم «ستموت في العشرين»

لكنها ترى أن وعي الدولة بأهمية السينما هو الداعم الحقيقي للإنتاج السينمائي في البلاد «أملي أن يتشكل في السودان صندوق أو كيان من الدولة لرعاية السينما. تخيلوا أن ثلاثة أفلام سودانية طويلة في عام واحد إحداها فيلم روائي بميزانية ضخمة يتم إنتاجها بدون دعم محلي»، وتضيف أنها تتفق مع زملائها المخرجين السودانيين في كل مناسبة على ضرورة الضغط لوجود إنتاج سوداني، «لقد عملنا جميعًا في ظل الإنتاج المشترك. وندرك جيدًا أن هذه خطوة ضرورية جدًا».

لكن إلى أن يتم ذلك، تتحدث مروة عن مبادرات مهمة في توفير دور عرض سينمائي في الخرطوم قد تقرب المسافة أكثر بين صناع الأفلام والجمهور وتدفع الحراك الثقافي إلى الأمام، «المخرج صهيب قسم الباري مع جماعة الفيلم السوداني أبطال فيلمه يعملون حاليًا على عرض فيلمهم الحديث عن الأشجار في سينما الثورة أقدم وأكبر سينمات السودان وكانت مغلقة منذ سنوات طويلة». وتضيف أنه هناك أيضًا سينما الوحدة في كوبر، بحري بالخرطوم التي سيتم إعادة فتحها بفضل جهود طلال عفيفي مؤسس سودان فيلم فاكتوري» وهو أمر يعملون عليه منذ حوالي عشر سنوات وتتم إعادة الافتتاح بدعم محلي ومن خلال جهات دعم خارجية أيضًا. هناك ضغوط أيضًا تتم حاليًا على القطاع الخاص لدعم إعادة فتح السينمات المغلقة. وهناك قاعة دال التي افتتحت بدعم من رجل الأعمال السوداني أسامه داوود حيث سيتم من خلالها عرض فيلم «ستموت في العشرين». «كل هذه الخطوات مشجعة جدًا لمزيد منها».

مشهد من «الحديث عن الأشجار»

تأمل مروة زين  أن تعرض الأفلام السودانية في دور العرض المصرية: «الجمهور المصري كبير وعظيم واحتفى بأفلامنا، لكن الجالية السودانية في مصر أيضًا ضخمة وتتجاوز 3 ملايين سوداني»، تقول مروة إنه عندما عُرض فيلمها في سينما زاوية خلال مهرجان القاهرة كانت القاعة ممتلئة عن آخرها، وكذلك كان الحال مع فيلم «الحديث عن الأشجار» خلال بانوراما الفيلم الأوروبي، ومع فيلم «ستموت في العشرين» عندما عُرض جماهيريًا في سينما الهناجر. «عرض أفلامنا في السينمات المصرية من أهم وسائل الدعم والمساندة التي من الممكن أن تقدمها مصر».

أخيرًا أسألها أين تضع «أوفسايد الخرطوم» في مشروعها السينمائي، فتجيب أنه فيلمها الطويل الأول بعد مجموعة أفلام قصيرة تسجيلية وروائية تعتز بها «فيلم لعبة هو بدايتي كمخرجة، ومشروع تخرجي من معهد السينما بالقاهرة حصل على جائزة أفضل فيلم بالمهرجان القومي للسينما، وبمهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية وتم الاحتفاء به وصولًا إلى مهرجان كان. فيلم (رندة شعث) التسجيلي القصير الأول علمني السينما التسجيلية. ثم عدت إلى الأفلام الروائية بفيلم (أسبوع ويومين) إنتاج شركة ريد ستار وبطولة ياسمين رئيس». كل هذه الأفلام تقول مروة إنها استغرقت من عام إلى عام ونصف، أما «أوفسايد الخرطوم»، فهو بالنسبة لها «المشروع اللي كبرني كمخرجة و كبني آدم. إنه تجربة إنسانية وسينمائية مهمة جدًا بالنسبة لي». وتتمنى مروة أن تتاح لها الفرصة للعودة للأفلام الروائية بفيلم طويل. شرط أن تواصل عمل الأفلام بين مصر والسودان «أملي أن تظل تلك المنطقة هي مجالي الدائم لعمل الأفلام».

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن