الدولة الضعيفة ولجام السلطة

منذ شهر ونيف صرح الرئيس عبدالفتاح السيسي أن «المؤسسات المصرية تعمل لصالح الدولة وليس النظام». وعلى ما تبدو عليه من بساطة، فإن العبارة بحاجة إلى تفكيك وتفصيل وتأطير.

كنا بالفعل قد عرجنا في مقال سابق على مفهوم الدولة من زاوية العلوم السياسية، مسلطين الضوء على أن الدولة في جوهرها عبارة عن حزمة المؤسسات والأجهزة الرسمية والإطار الدستوري والقانوني الذي يوجه ويضبط سلوكها، وأن رفع كفاءة المؤسسات يؤدي تلقائيًا إلى تقوية الدولة وتحسين مستوى الحياة في ربوع الوطن. لكن إذا كانت الدولة، في تبسيط غير مخل، هي المؤسسات، وإذا كان المسؤولون يبتغون رفعة الدولة كما يتشدقون ليل نهار، والمواطنون يرتجون الشيء ذاته، فلماذا بقيت المؤسسات في مصر عبر العقود مضمحلة وهزيلة؟ ألم يكن من اليسير رفع مستوى أدائها وتعضيد كفاءتها ليعيش الجميع، حكامًا ومحكومين، في رضا واستقرار (ولو في إطار نظام سياسي سلطوي)؟ أين بالتحديد تكمن العقبات؟ ولماذا تأخر التمكين والإصلاح؟

تكلل الأسئلة السابقة نظرة مثالية متفائلة مآلها الحتمي الاصطدام على أرض السياسة السامة بحقائق أكثر تعقيدًا وفسادًا. بالأخص، تفرض تناقضات هذا الواقع عقبتين رئيسيتين، تكبل كل منهما عملية ضخ الدماء في شرايين المؤسسات ومن ثم تقوية الدولة ككل. تكمن العقبة الأولى داخل المؤسسات، أما الثانية داخل القيادة السياسية. وبين الدفع البيروقراطي من أسفل والسحب السياسي من أعلى، ضاعت محاولات الإصلاح أدراج الرياح، وظل الوضع على حاله المزري عقدًا وراء الآخر.   

تتمثل العقبة الأولى في المقاومة التي خرجت من داخل المؤسسات نفسها إزاء مساعي الإصلاح والتطوير (أو التغيير بشكل عام) من أعلى. من الأمثلة الشهيرة لذلك ما حدث في أوائل التسعينيات إبان تدشين الدولة ما سمي بعمليتي الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي تحت رعاية صندوق النقد الدولي وبمباركة غربية وخليجية. فقد ووجه التوجه الرئاسي بممانعة شديدة من داخل مؤسسات الدولة، استفادت من سلطاتها الإدارية والأدوات البيروقراطية التي بحوزتها لتكبيل أو إبطاء التحول.

من المهم التمييز هنا بين مقاومة تحدث بمنطق المؤسسة ككل، أي دفاعًا عن استقلاليتها ومصالحها وميزانيتها، وأخرى يبعث عليها منطق الأفراد والشلل الموجودين في المؤسسات. الأولى نظرة مؤسساتية قح تعبر عنها عبارة أوجزت اللفظ وأشبعت المعنى دبجها عالم السياسة الأمريكي الشهير جراهام أليسون حين كتب أن «موضع وقوفك يعتمد على موضع جلوسك» (Where you stand depends on where you sit). المقصود هنا أن مواقف البيروقراطيين تعتمد على مصالح وامتيازات المؤسسات التي يعملون بها. أما الثانية فلا تأخذ في الاعتبار سوى الذود عن مصالح بعض الأفراد والشبكات الشخصية الطفيلية الضيقة، ولتذهب المؤسسة والدولة بأسرها إلى الجحيم.

وقد تتخذ الممانعة من أسفل شكلًا ثانيًا التفافيًا يتمثل في تحايل مراكز القوى على المؤسسات الحكومية، بل واختراقها، بغية السيطرة عليها وتطويعها للمصالح الخاصة لهذه القوى، مما يؤدي في نهاية الأمر إلى تفريغ المؤسسات من مضمونها ورسالتها الأصلية. مصريًا، ربما لا أفضل من مثال لذلك المنحى إلا الإصلاح الزراعي، مشروع ثورة يوليو الأثير الذي دشنته في فتوتها الباكرة وواظبت على تطويره طوال فترة بقاء عبدالناصر في سدة الحكم. فكما توصلت دراسة متميزة للباحث الأمريكي جويل ميجدال، فإن البرجوازيين من أصحاب الملكيات المتوسطة (أي التي تتراوح ما بين خمسة وعشرين وخمسين فدانًا) استحوذوا على أهم المناصب في المؤسسات الوليدة التي أنشأها نظام يوليو لرعاية مشروع الإصلاح الزراعي والدفاع عن حقوق المزارعين البسطاء وتغيير وجه الحياة في الريف بشكل عام (مثل التعاونيات الزراعية والمجالس المحلية وما سمي بلجان العشرين). ذابت شراذم المنتفعين داخل دهاليز هذه الأطر المؤسسية، أو ذابت هذه الأطر داخل دوائرهم الاجتماعية الحصينة، ومن خلالها فرض الإقطاعيون القدامى-الجدد رجالهم وقواعدهم وأهدافهم «الرجعية»، والتي كانت مناقضة تمامًا لمقاصد الدولة المركزية ومصالح الأغلبية الكاسحة من الفلاحين. كان هذا، بعيدًا عن طنين وغبار البروباجاندا، هو سمة العصر: «اشتراكية بلا اشتراكيين»، تمامًا كما كان ما بعده عصر «الرأسمالية بلا رأسماليين».   

أما السبب الثاني والأهم لضعف المؤسسات فيأتي -وهنا مفارقة سياسية كبرى شائعة في الدول السلطوية- من أعلى، أي من المركز الرئاسي نفسه. ومرجعه القلق المزمن الكامن في نفوس القيادة السياسية من تنامي قوة مؤسسات الدولة.   

ففي إطار الأنظمة السلطوية، تبقى القوة -لا الشرعية أو التوافق أو العدالة أو الكفاءة هي معيار كل فكر وكل حركة. ولأن الشرعية غائبة بالتعريف، والسماء ملبدة بتهديدات شتى محدقة، يظل القلق والتحفز يوجهان أداء القيادة السياسية إزاء كل شيء تقريبًا. تُختزل السياسة في آليات البقاء، وتصبح عملية الحكم بالتالي مجرد لعبة من التوازنات محورها الصراع الظاهر أو المستتر بين القوى المختلفة، ليس فقط على ضفتي السلطة والمعارضة، أو السلطة والمجتمع المدني، بل داخل معسكر السلطة نفسها. هنا، وحين يجري ذلك كله في أجواء تسممها الصفقات النخبوية والترتيبات السرية وضربات ما تحت الحزام (وأحيانًا الوسائل الإجرامية القذرة)، لا تصبح السياسة أسيرة للأمن فحسب، بل تصبح هي الأمن.

ديناميات لعبة القوى تنشئ معضلة كبرى: الحاكم يريد من حيث المبدأ مؤسسات «قوية» لتنفيذ خططه وأهدافه، لكن القوة في يد الآخرين تعد في حد ذاتها نذير خطر، مؤشر على تهديد محتمل، ومن ثم يجب عليه تقليم أظافر أي طرف قوي لئلا يهدد هيمنة المركز الرئاسي نفسه أو يفكر في الانقلاب عليه، لكن هذا في ذات الوقت يضعف المؤسسات مجددًا ويخصم من درجة كفاءتها. هي دائرة مغلقة إذن، يبقى بمقتضاها القائد -بذهبه ولجامه- حاكمًا بأمره، وتظل المؤسسات مهيضة الجناح خاضعة له، ويستمر أنين الشعب دون مغيث.

إذن، حين يرتفع مستوى القلق الرئاسي، تشرع عملية وضع المؤسسات «في حجمها الطبيعي» حتى تسلس قيادتها. ومن هنا يمكن اعتبار أن هجاء عبدالناصر ومن بعده السادات لما سمي «بمراكز القوى» (في نهاية الستينيات والسبعينيات على التوالي) لم يكن فقط بسبب فسادها أو تجاوزاتها، بل أيضًا بسبب تنامي قوتها ونفوذها داخل النظام السياسي المصري إلى الحد الذي لم يكن من الممكن قبوله رئاسيًا. هنا، ووفق منطق يعتبر السياسة مباراة صفرية، تتم عملية تحجيم المؤسسات ودرء خطرها، وذلك بواسطة عدة طرق: إما عبر تعيين أشخاص يثق الحاكم في ولائهم على رأس هذه المؤسسات، أو عبر إنشاء مؤسسات موازية، أو عبر تهميش المؤسسات عمدًا لترويضها وتثبيت تبعيتها.  

الوسيلة الأولى شاعت كما يعلم الجميع في ملكوت النظام السياسي والإداري المصري بعد 1952، وصار يطلق على هؤلاء المعينين الأوفياء في الأدبيات السياسية تعبير «أهل الثقة». من هؤلاء بزغت مؤسسة «الشلة»، أي زملاء الدراسة والعمل والقرية، في كواليس السياسة المصرية (ونظيره بالمناسبة في السياسة الإيرانية هو جماعات المعارف غير الرسمية dowreh). ولاء الأفراد هنا أهم للحاكم من كفاءة المؤسسات. وعلى مذبح «الشلة» ترتكب الكثير من الموبقات: نزع الطابع المؤسساتي عن المؤسسات، وغض الطرف عن فساد أهل الثقة، والتعامي عن مطالب الشعب المشروعة في الإصلاح الإداري.  

لكن تلك ليست نهاية القصة. فبما أن القلق حين يستعر يستحيل إدمانًا، وبما أن ولاء الأشخاص مهما كانوا من الأقرباء قد تذهبه خمر السلطة أو تقلبات الزمان، فقد تم تطوير المنهج ليشمل بعد الغرس اقتلاعًا مستمرًا للقيادات في الأماكن الحساسة، فيما يشبه سياسة الباب الدوار، وذلك كيلا يطيب لهم المقام ويتوفر لهم الوقت لتكوين قواعد شعبية مستقلة في مواقعهم. وهكذا نجد أنه لم يبق من أعضاء مجلس قيادة الثورة بجوار عبدالناصر حتى وفاته سوى اثنين (حسين الشافعي وأنور السادات). غادر الجميع بطريقة أو بأخرى، وأهمهم بكل تأكيد الصديق الحميم والغريم اللدود عبدالحكيم عامر. أما من ساندوا السادات في ضربته الاستباقية ضد مناوئيه في السلطة في 1971 (أسماء مثل أشرف مروان ومحمد حسنين هيكل وعزيز صدقي والفريق الليثي ناصف والفريق محمد صادق وحافظ بدوي وممدوح سالم) فقد خرجوا جميعًا من المشهد قبل أن يولي عقد السبعينيات أدباره. بالمثل، وفي غضون عدد أقل من السنوات، أزاح الرئيس السيسي كل من شغل أثناء الأزمة الكبرى مع جماعة الإخوان المسلمين في 2013 منصبًا رفيعًا، وخصوصًا في الأجهزة الأمنية، بمن فيهم صهره وزملاء سنوات العمل الطويلة. تغيرت الوجوه الرئاسية عبر العقود وبقيت الوسائل واحدة.

إنشاء المؤسسات البديلة والموازية طريقة ثانية رائجة للسيطرة على المؤسسات، خاصة ذات الطابع الأمني، وهي بالطبع إحدى وسائل تقويض القدرة على حدوث الانقلابات العسكرية (أو ما يسمى في أدبيات العلاقات المدنية-العسكرية الإنجليزية coup-proofing). عربيًا، ما كان تكوين وتعضيد الحرس الجمهوري في كل من سوريا والعراق (وكذلك كتيبة خميس القذافي في ليبيا) إلا سيرًا على هذا المنوال. إذن، ويا لها من مفارقة، في عز زمن الانخراط في الحرب، ظلت سيطرة المركز على مفاصل الدولة أهم من تجانس وترابط وتنسيق الأجهزة التابعة للمؤسسة العسكرية الرابض جنودها على الحدود. وفي مصر، كان نفس الدافع حاضرًا وراء إنشاء وتطوير قوات الأمن المركزي، أي الحد من انفراد المؤسسة العسكرية بوسائل القوة. ثم تغلغل المنهج رويدًا رويدًا ليصير بشكل ما طريقة إدارة، وليشمل بالتالي مؤسسات غير أمنية. مثلاً، تأسيس ثم توسيع نطاق الأدوار الموكلة لهيئة الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات والمدعي العام الاشتراكي في عقدي السبعينيات والثمانينيات حدث لئلا تنفرد وزارة الداخلية بمهام التحقيق والكشف عن قضايا الفساد، خاصة ما تعلق منها بالملفات السياسية، فتقوى شوكتها ويتعاظم نفوذها.

أما الطريقة الثالثة، أي التهميش، فتشمل خفض الموازنات وتقليل الصلاحيات وحجب المعلومات وما إلى ذلك من وسائل. وهنا يبرز مثال من مصر الناصرية يوضح بجلاء تام المعضلة الرئاسية السلطوية المشار إليها آنفًا. فمن أجل تنفيذ الأهداف الطموحة لثورته، قام عبدالناصر بإعادة هيكلة تامة للدولة المصرية، نشأت بمقتضاها مؤسسات جديدة وغُيبت مؤسسات وأعيدت هيكلة مؤسسات. كان ناصر منحازًا للفقراء، ومخلصًا حقًا في رغبته إجراء تغيير اجتماعي واسع، كما خرقت شعبيته كل السقوف محليًا وعربيًا، بيد أن القلق السياسي فرض نفسه على النوايا الطيبة والرصيد الشعبي. استبدل القلب الرهيف بقلب حديدي بارد وعقل تآمري. ولذلك، ما إن اشتدت شوكة الاتحاد الاشتراكي وتمددت علاقاته الزبائنية ونمت قدراته التنظيمية (خصوصًا في مجال حشد الجماهير) حتى بادر عبدالناصر في عام 1968، وبعد شهر واحد من مظاهرات واسعة هددت نظامه (على خلفية الأحكام القضائية المخففة الصادرة بحق قادة الطيران في حرب 1967)، إلى تحجيم دور الاتحاد الاشتراكي والانتقاص من صلاحياته بل وانتقاده علنًا.

كل هذه الوسائل مجتمعة أعاقت تطور المؤسسات وأصابتها، ومعها الدولة ككل، بالتشظي والتصلب والاهتراء. توارى ما يسمي بمنطق الدولة، المعروف في أصله الفرنسي raison d’etat، وطفا وتوحش منطق أصحاب المصالح ضد الدولة، ومنطق موظفي الدولة ضد الدولة، وحتى منطق الدولة ضد الدولة، أو بتركيز أشد، الدولة الأمنية ضد الدولة البيروقراطية. غرس الجميع إذن مخالبهم في جسد الدولة، وشربوا نخب نكبتها، ثم بدموع التماسيح بكوا على أطلالها. ولذلك، فحين يقول الرئيس السيسي إن المؤسسات المصرية تعمل لصالح الدولة وليس النظام، وحين يؤكد على أنه حامي حمى الدولة ومؤسساتها، فمن حقنا، بل من واجبنا، إذ نتشكك ونفكر وندقق، أن نقول له أن حديثه مليء بالثقوب، وأن هيكل الدولة امتلأ بالشروخ، وأن كليهما -الثقوب والشروخ- مرتبطان ببعضهما البعض ارتباطًا عضويًا.

يقولون إن الشيطان يكمن في التفاصيل، والتفاصيل في حالة الدولة المصرية متخمة بما لا يسر ولا يدعو للتفاؤل.

اعلان
 
 
ندى شاهين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن