من «المؤيد» إلى «واشنطن بوست».. حرية الصحافة أمن قومي

في مصر، يتابع الصحفيون والقراء فضائح وجرائم القوات الأمريكية والبريطانية في العراق وأفغانستان، التي فجرتها وسائل إعلام أمريكية وبريطانية. يترحم هؤلاء الصحفيون ومعهم القراء على ما جرى للإعلام المصري، الذي صار كمريض يلفظ أنفاسه الأخيرة إثر حصار وتأميم السلطة لمعظم منصاته، فلا تجرؤ أي وسيلة إعلامية على نشر واقعة فساد أو حتى خبر من أي مؤسسة من مؤسسات الدولة دون أن تمر عبر «جروبات التحكم».

ففي أقل من شهر ونصف، نقلت بعض الصحف المصرية تحقيقين صحفيين تناولا «جرائم حرب» ارتكبتها القوات البريطانية والأمريكية في أفغانستان والعراق مطلع القرن الحالي. التحقيق الأول أجرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» بالتعاون مع جريدة «التايمز»، تحت عنوان «وزارة الدفاع البريطانية تسترت على جرائم حرب في العراق وأفغانستان». أما جريدة «واشنطن بوست» الأمريكية فكشفت عن وثائق سرية تثبت فشل الإدارة الأمريكية في إطلاع الشعب على حقيقة ما حدث في الحرب في أفغانستان.

في التحقيق المنشور في 17 نوفمبر الماضي، واجهت «بي بي سي» و«التايمز» وزارة الدفاع البريطانية بأدلة تثبت تسترها على ارتكاب قواتها جرائم قتل مدنيين ترقى إلى جرائم الحرب في أفغانستان والعراق قبل سنوات، وذلك عبر نشر شهادات ووثائق حصلوا عليها من داخل فريق الاتهامات التاريخية في العراق (IHAT)، الذي شكلته الحكومة البريطانية عام 2010 للتحقيق في جرائم حرب مزعومة ارتكبتها القوات البريطانية أثناء احتلال العراق في 2003، وأدلة أخرى من عملية «نورث مور»، التي حققت في جرائم حرب مزعومة في أفغانستان.

نقل التحقيق الإعلامي البريطاني رد الطرف الآخر في القضية وهو «وزارة الدفاع البريطانية» والتي نفت الاتهام الذي «لا أساس له» ونفت وجود اتجاه لديها بالتستر على هذه الجرائم، وعلق وزير الخارجية دومينيك راب، لـ«بي بي سي» بأنه «يجري النظر في جميع الاتهامات التي تحتوي على أدلة».

الغريب في الأمر أن قوات الأمن البريطانية لم تحاصر مقرات «بي بي سي» و«التايمز»، ولم تلاحق الصحفيين الذين أجروا التحقيق أو المصادر التي أدلت بشهادتها في تحقيق يضع الجيش البريطاني تحت طائلة المحكمة الجنائية الدولية. واكتفت وزارة الدفاع بحقها في الرد والتعليق، ليس ذلك فقط بل إن الحكومة البريطانية قررت إحالة الاتهامات التي خلصت إليها «بي بي سي»، إلى شرطة الخدمة (جهاز التحقيق العسكري) بوزارة الدفاع وسلطة النيابة العامة و«هما منفتحتان على التحقيق في هذه المزاعم»، بحسب ما صرح وزير الخارجية دومينيك راب الذي أكد أن بريطانيا تريد «المحاسبة متى كان هناك مخالفات».

وفي الولايات المتحدة، نشرت جريدة «واشنطن بوست»  في 9 ديسمبر الجاري، مجموعة من الوثائق الحكومية السرية تكشف أن كبار المسؤولين الأمريكيين أخفوا حقائق حول الحرب في أفغانستان طيلة الحملة العسكرية التي استمرت 18 عامًا، عبر إصدار تصريحات وردية كانوا يعلمون أنها كاذبة، ويخفون أدلة واضحة على أن تلك الحرب باتت خاسرة.

وأوضحت الصحيفة أن الوثائق تم جمعها فى إطار مشروع فيدرالي يدرس الإخفاقات الجذرية لأطول نزاع مسلح في تاريخ الولايات المتحدة، وتتكون الوثائق من أكثر من 2000 صفحة، تشمل مذكرات غير منشورة ومقابلات مع أشخاص لعبوا دورًا مباشرًا في الحرب من بينهم جنرالات ودبلوماسيين ومسؤولى إغاثة فضلًا عن مسؤولين أفغان.

وتمكنت «واشنطن بوست» من الحصول على تلك الوثائق بموجب قانون حرية المعلومات، وذلك بعد معركة قضائية استمرت ثلاث سنوات، لافتة إلى أن أكثر من 400 مصدر مطلع وجهوا خلال تلك المقابلات انتقادات حادة لما حدث في أفغانستان وكيف أصبحت الولايات المتحدة غارقة في الحرب هناك.

وأوضحت الصحيفة أن تلك المقابلات تبرز إلى حد كبير أوجه القصور الأساسية في الحرب التي لا تزال قائمة حتى اليوم، وتؤكد كيف أن ثلاثة رؤساء أمريكيين -جورج بوش الابن، وباراك أوباما، ودونالد ترامب- وقادتهم العسكريين خدعوا الرأي العام الأمريكي ولم يتمكنوا من الوفاء بوعودهم بتحقيق النصر في أفغانستان.

الصحيفة الأمريكية تمكنت بموجب القانون وعبر بوابة قضاء مستقل من الحصول على حق نشر وثائق تتهم ثلاث إدارات أمريكية بالخداع وتكشف إخفاق الجيش في تحقيق هدفه.

ما جرى في بريطانيا جرى في أمريكا، فرغم رعونة ترامب وكرهه للصحافة والصحفيين، لا تستطيع أجهزته الأمنية أن تحبس صحفي أو تحجب موقع أو تغلق جريدة، وحتى لو سعى إلى ذلك فالمجتمع ومؤسساته لن يمكنوه، فاستقلال الصحافة هناك كما في غيرها من دول العالم المتحضر حق مقدس لا يمكن المساس به.

جرى شيء من هذا عام 1971، عندما أصدر المدعي العام الأمريكي قرارًا بناءً على طلب من الرئيس الأمريكي حينها ريتشارد نيكسون بوقف نشر وثائق البنتاجون عن حرب فيتنام التي تثبت فشل الجيش الأمريكي. فأصدرت المحكمة العليا قرارها الشهير بنشر الوثائق «لأن حرية الصحافة جزء أصيل من الدستور والنظام الذى وضعه الآباء المؤسسون.. ولأن الصحافة تعمل عند المحكومين وليس عند الحكام».

النشطاء والصحفيون المصريون تداولوا على نطاق واسع تحقيقي «بي بي سي»  و«واشنطن بوست» ، ونشروها على حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي مصحوبة بتعليقات تعبر عن الحسرة على الحال الذي آلت إليه الصحافة المصرية، التي تم إخضاعها من قبل السلطة فصارت «لا تستطيع تناول وقائع فساد في أي مؤسسة حتى لو كانت وحدة محلية، وتكتفي بما ينقل إليها عبر جروبات (واتس أب)» ، بحسب ما علق أحدهم. بينما تساءلت أخرى «هو لو فيه صحفي نشر موضوع زي بتاع واشنطن بوست هيكون مصيره ومصير جريدته إية؟»

ربما لا يعلم هؤلاء أن صحيفة مصرية تمكنت قبل قرن -وحينها كانت مصر خاضعة للاحتلال الإنجليزي- من نشر وثائق سرية عن حملة عسكرية لإخماد ثورة في السودان بقيادة ضباط إنجليز وتثبت تعرض الجيش لهزيمة مذلة على يد بعض القبائل السودانية.

القصة باختصار أن الشيخ علي يوسف، رئيس تحرير جريدة المؤيد، حصل على وثائق تثبت أن القوات التي كان يقودها ضباط إنجليز تتعرض لهزائم على يد «دراويش المهدية» ، في الحملة العسكرية الإنجليزية التي استهدفت السودان.

كان رائد الصحافة المصرية الذي أسس «المؤيد» عام 1889 قد شن حملة على الاحتلال الإنجليزي، وانتقد إرسال الجيش المصري لحملة غير محسوبة إلى السودان بقيادة السردار كتشنر، ونشر في جريدته سلسلة تقارير وتحقيقات أثارت اللورد كرومر المعتمد البريطاني في القاهرة.

ربط يوسف في حملته الصحفية بين ما يحدث في جبهة أدغال إفريقيا من هزائم للجيش وما يحدث في الجبهة الداخلية من سقطات سياسية، فصدر أمر من ناظر الحربية بمنع وصول أنباء الحملة العسكرية إلى «المؤيد»  بتعليمات من اللورد كرومر. مع ذلك لم تتوقف الجريدة، ونشرت ما يلقاه الجنود المصريون وضباطهم الإنجليز من هزائم.

كان يوسف قد تمكن من تجنيد مصدر سري حصل منه على أخبار الحملة أولًا بأول، ففى 22 يوليو من عام 1896 أرسل السردار كتشنر برقية إلى ناظر الحربية مكونة من 566 كلمة يخبره فيها بتفشي وباء الكوليرا بين رجال الحملة، وأن الوباء وصل شمالًا حتى جنوب مصر.

فى اليوم التالي نشرت «المؤيد» نص البرقية في صدر صفحتها الأولى، تحت عنوان «أحوال الجيش المصرى على الحدود»، ما أثار الذعر بين عائلات الجنود المصريين وفي صفوف الضباط الإنجليز الذين كانوا يخدمون في مصر.

أحرج الخبر اللورد كرومر، فأمر ناظر الحربية بالتحقيق، واتجهت أصابع الاتهام إلى توفيق أفندي كيرلس موظف التلغراف بمكتب الأزبكية، وألقى القبض عليه وهو ينسخ إحدى البرقيات، ووجهت إليه تهمة إفشاء أسرار الحاكم الإنجليزي.

أحيل يوسف ومصدره «موظف التلغراف» إلى المحاكمة التي قضت بحبس الموظف ثلاثة أشهر فقط، وحصل رئيس تحرير «المؤيد» على البراءة، فـ «الرجل قصد عن طريق نشره للمعلومات الصحيحة التي حصل عليها دق ناقوس الخطر، وإعلام الرأي العام أن القيادة الإنجليزية تعرض أبناء الجيش المصري للخطر، وأخذتهم إلى مغامرة غير محسوبة».

مارست الصحافة المصرية قبل قرن من الزمان حقها في إخبار الرأي العام بمعلومات صحيحة حصلت عليها من مصادر سرية وعلى الرغم من حساسية المعلومات وخطورتها، نشرت «المؤيد» وتحملت تبعات النشر.

لم تحاصر حينها قوات الاحتلال الإنجليزي مقر «المؤيد» ولم تلاحق محرريها، ولم تجند رجالها في الصحف الموالية لها للتشهير بالشيخ علي يوسف وصحيفته، ولم تلاحقه تهم العمالة والخيانة والتمويل من الخارج، أحالتهم للقضاء الذي قام بواجبه فانتصر لحق الرأي العام في أن يعرف وأقر في هذا الوقت المبكر بحق الصحافة في نشر ما لديها من معلومات حتى لو جاءت عن طريق مصادر مجهلة.

سبقت مصر بصحيفة «المؤيد» وغيرها من صحف مصرية صدرت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين العديد من دول العالم في مجال حرية الصحافة واحترامها. في هذا الوقت، كان الصحفيون المصريون يتعاملون مع الصحافة باعتبارها «رسالة وليست تجارة» بتعبير الأستاذ أمين الرافعي، أحد رواد بلاط صاحبة الجلالة. وكانت السلطة بما فيها الاحتلال الإنجليزي تعرف حدودها حتى وهي تحاول قمع الصحافة وتكميمها، وكان القانون يغل يد السلطة في مواجهة الصحافة وأصحاب الرأي.

فهل يجوز أن يخرج علينا الآن من يؤيد ويبرر تكميم الإعلام وتقييد حرية الصحافة بدعوى مقتضيات الأمن القومي أو حماية السلم الاجتماعي أو استقرار الدولة وغير ذلك من العبارات المطاطة التي لا يراد بها إلا كل باطل؟ وهل يصل بنا الحال إلى أن تتحول بعض الجرائد إلى مقلب للنفايات تتبنى حملات تشهير ضد أصحاب الرأي وتنشر على صدر صفحاتها اتهامات بالخيانة والعمالة، وتخوض في الأعراض والذمم وتعيد وتزيد في مفردات يضعها تحت طائلة القانون؟

استقيموا يرحمكم الله.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن