أحزان صحفية عادية

من وراء نافذة صغيرة داخل صندوق معدني مساحته تزيد عن المترين بسنتمترات قليلة طولًا وعرضًا، تعلقت عيناي بالطريق. ظهرت ملامح أطفالي وزوجي في وجوه المارة، وبكاء أمي وأبي. كنت أراقب السفن العائمة على وجه النيل وأتذكر أحلامي الكبيرة عن الصحافة ومستقبلي، هي الأخرى أحلام عائمة لم تعرف لها شاطئ يومًا. تمنيت لو تطول رحلة سيارة الشرطة، ولا يتوقف الزمن بوصولها إلى وجهتها الأخيرة داخل أي من مقار الاحتجاز. تمنيت لو عرفت التهمة التي اقتادني بموجبها وزميليّ لينا عطا الله ومحمد حمامة عشرة رجال غلاظ إلى سيارة الشرطة، وأشرفوا بأنفسهم على تقييدنا بالكلابشات وإحكام غلق باب «الزنزانة» التي تشغل الثلث الأخير من سيارة الشرطة. تمنيت لو لم أعرف ما ينتظرني وزملائي داخل دهاليز المحاكم ومقار الاحتجاز. كشريط مصور دار أمام عيني كل ما سمعته وقرأته عن ظروف الاحتجاز، تذكرت ألم العظام الذي يزورني كل شتاء، قفز إلى ذهني مصير أطفالي بعدي ومن سيتدبر أمورهم، فكرت في كل شيء إلا ما كان يجب علي فعله لتجنب هذا المصير.

قبل اقتحام مقر «مدى مصر» بيومين، منعتني قوات الأمن بمطار القاهرة من السفر لحضور مؤتمر عن «الصحافة الاستقصائية في زمن التطرف» في الأردن. أخبرني ضابط الأمن الوطني بالمطار أني مسجلة على قوائمهم ولن يسمح لي بالسفر إلا بعد الرجوع إلى الضابط المسؤول عني بالجهاز التابع لوزارة الداخلية. سألت الضابط هل ذلك يعني أن هناك قرارًا بالمنع من السفر ضدي، رد بهدوء واتزان «ليس من النائب العام ولكن من الضابط المسؤول في الأمن الوطني». سألته عن السبب، فأجاب بأن «ملفي ليس أمامه» وأضاف «أنت صحفية وأكيد عملتي حاجة»، ونصحني بالذهاب لمقر الأمن الوطني لتسوية الأمر مع الضابط المسؤول. فشلت في الحصول على أي إجابة للأسئلة التي تضرب في رأسي. بخطوات ثقيلة خرجت من المطار لا أنوي شيء سوى عدم العودة إليه مرة ثانية. نصحني أصدقاء بأن أتجاهل الأمر تمامًا حتى يقضي الله أمره، فيما نصحني آخرون برفع دعوى قضائية للتظلم من قرار المنع من السفر.

قبلها بعام تقريبًا تم إيقافي في المطار. كنت في طريقي إلى الأردن أيضًا لحضور مؤتمر عن الصحافة، في هذه المرة أبلغوني إني على قوائم التفتيش. جلست في مكتب الأمن لساعات طويلة حتى فاتتني الطائرة، وتدخلت إدارة المؤتمر وأرسلت لي تذكرة أخرى تمكنت بها من السفر، لكن عند عودتي تمت مصادرة جواز سفري، وأبلغوني بأن أتوجه إلى مقر من مقار الأمن الوطني بشرق القاهرة حتى أعرف ما المشكلة. أبلغت نقابتي بما حدث ونصحوني بالذهاب، «هي مجرد قعدة دردشة» قال عضو مجلس النقابة. ذهبت وجلست مع أحد الضباط لأكثر من خمس ساعات متواصلة، كانت الأسئلة عادية عن الصحافة والسياسة. كنت أؤكد إني صحفية عادية تمارس عملها وفقًا لقاعدة الرأي والرأي الآخر وأنشر ما أكتبه باسمي ولا أخفي شيئًا. تحدث معي الضابط بلطف ثم بحدة ثم بلطف، وفي نهاية اللقاء أبلغني بأنني لن استلم جواز السفر اليوم، وسيتم الاتصال بي «كمان يومين تلاتة تيجي تاخديه». وتابع «أنا شايف أنك معندكيش أي مشكلة».

على هذه الجملة الأخيرة ذهبت إلى المطار مرة ثانية، ولم أكن أعرف ما سيحدث، هذه المرة لم يتم توقيفي فقط، بل تم منعي من السفر. خرجت من المطار أفكر في 50 سببًا لوضعي على هذه القوائم، ومستقبل وجودي بها. ومن وضع اسمي؟ ولماذا؟ إلى أي قانون يستندون إليه؟ هل كل الصحفيين باتوا على هذه القوائم؟ وهل هو منطقي؟ لم يتحمل عقلي تلك الأسئلة الكثيرة وركنت للنوم لمدة تصل إلى 18 ساعة متواصلة. وما أن استيقظت حتى حاصرتني الأسئلة من جديد. هل وضع اسمي على هذه القوائم له علاقة بما كتبته في جريدة «المقال» عن زيارة اللواء  ممدوح شاهين مساعد وزير الدفاع للشؤون الدستورية والتشريعية إلى مجلس الدولة، عقب نطق محكمة القضاء الإداري حكمها ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية وما تتضمنه من التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وتساؤلي عن أسباب لقائه برئيس مجلس الدولة الأسبق الذي كان وقتها رئيسًا للمحكمة الإدارية العليا المختصة بالفصل في الطعن على الحكم، وهو الأمر الذي استند له المحامون وقتها للمطالبة بمنع تشكيل الدائرة التي يترأسها رئيس مجلس الدولة من نظر الطعن الذي قدمته الحكومة على حكم القضاء الإداري واستجابت له المحكمة بالفعل وقامت برد المحكمة؟

أم هل منعي من السفر مرتبط بقرار رئيس مجلس النواب الدكتور علي عبدالعال بمنعي من دخول البرلمان كمحررة وقتها بجريدة «المقال» بسبب تدقيقي لما يقوله رئيس البرلمان على المنصة عن الدستور والقوانين، وسؤالي له عن أسباب إخفاء تعديلات قانون مجلس الدولة التي تمنع القضاء المستعجل من وقف أحكامه، بعد أن وافق عليها أكثر من ثلثي نواب البرلمان في أغسطس 2016، وعدم إرسالها لرئيس الجمهورية الذي يلزمه الدستور بإصدار القوانين التي تصله من البرلمان خلال مدة لا تتجاوز شهرًا من تسلمه لها؟ هل له علاقة بما كتبته وأكتبه في «مدى مصر»؟ هل بسبب إتباعي لنصيحة المتحدث باسم الحملة الانتخابية للرئيس عبدالفتاح السيسي عن الاطلاع على تقرير الذمة المالية للرئيس، أم محاولتي لتبسيط ما أعطته التعديلات الدستورية الأخيرة للقضاء العسكري وأخذته من باقي الجهات والهيئات القضائية؟ هل بسبب تتبعي لـ الطريقة الجديدة لاختيار أعضاء السلطة القضائية؟ ربما كل ما سبق وربما شيئًا آخر لا أعرفه ولا يعرفه أحد، بما يستدعي أن تضعني السلطة مع الخطرين ومعتادي الإجرام على قوائم الخطرين على الأمن الوطني للبلاد.

ضاعت كل هذه الأسئلة فور اطلاعي على خبر إلقاء القبض على الزميل شادي زلط من منزله فجرًا. مرت لحظات صعبة، الخطر بات قريبًا جدًا، هكذا حدثتني نفسي. انتابتني حالة من الهلع والخوف. ماذا أفعل؟ وهل بإمكاني فعل أي شيء؟ ارتديت ملابس مريحة وثقيلة ونزلت أجوب الشوارع  آملًا في دفع الخوف المطبق على صدري، ولكن دون جدوى. انتظرت عودة أطفالي من المدرسة. أمعنت النظر في وجوههم، وحدثتهم كثيرًا عن حبي لهم. وفي المساء تحدثت مع زوجي عن بعض الترتيبات في حال غيابي عن المنزل، وتعهد لي بتدبير أمور الواجبات المدرسية في حال غيابي، ووجد لي حلولًا لغالبية مخاوفي بشأن نفسية الأطفال ومستواهم التعليمي في حال غيابي.

مر الليل ثقيلًا. في الصباح أمنت مكان وجود أطفالي، وذهبت إلى «مدى مصر». كانت حركة الشارع المحيط بالمكتب مريبة. وجوه متجهمة كئيبة تطوق المكان. صعدت إلى المكتب وفي ذهني سؤال عما إذا كان اجتماع الفريق في المكتب قرارًا صائبًا من عدمه. الإجابة جاءت بعد عشر دقائق من دخولي المكتب وتحيتي للزملاء. سلمت علي زميلتي لينا عطالله بحرارة، وأخبرت الزملاء عما تعرضت له أنا فجر الجمعة في المطار ولكن قطع حديثها مكالمة تصرخ فيها إحدى زميلاتنا عن مداهمة قوات شرطة بزي مدني للبناء الموجود فيه «مدى مصر» ومنعها من الصعود إلينا. قامت لينا مسرعة وفتحت الباب، لتجد في مواجهتها عشرة من رجال الأمن ضخام الجثة انتزعوا من يدها هاتفها وفعلوا نفس الشيء مع كل من في المكتب، وبعد ما يزيد عن ثلاث ساعات من الاقتحام، دعا الفريق الأمني عطاالله وحمامة لمرافقتهم وتحفظوا على هواتفهما وأجهزة اللاب توب الخاصة بهما، وقبل أن يغادروا المكتب، طلب قائد الفريق ضمي إليهم.

لحسن حظنا لم تدم رحلتنا داخل الزنزانة المتحركة بسيارة الشرطة لأكثر من 80 دقيقة، استغرقتها من قسم الدقي إلى شارع مراد ثم البحر الأعظم وبعده الدائري ثم كورنيش المعادي، قبل أن تستدير سيارة الشرطة عائدة إلى قسم الدقي مرة أخرى، حيث أخبرنا الضابط الذي ترأس عملية اقتحام مكتبنا والقبض علينا بأن شخصية سيادية كبيرة تدخلت من أجل العفو عنا وإطلاق سراحنا.

ولكن هل زال الخوف والقلق بخروجنا من قسم الشرطة، أم إننا سنظل صحفيين «أكيد عملنا حاجة».

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن