عن عواصف «الإصلاح» التي تضرب مصر

عبر تاريخها الحديث مرت مصر بموجات عاتية مما يطلق عليه البعض هذه الأيام«إصلاحًا»، أثبتت الممارسة أن كل موجة من موجات هذا «الإصلاح الوهمي» تعقبها حملات استبداد وتسلط وعصف بحقوق المواطنين وحرياتهم، الأمر الذي يجعل الناس تتمنى ألا تهب على مصر عاصفة جديدة من عواصف «الإصلاح».

«كتالوج» الإصلاح السياسي محفوظ في ركن مظلم من أركان الدولة المصرية، تستدعيه الأنظمة المتعاقبة للالتفاف على غضبة جماهيرية عابرة أو لتخفيف ضغط دولي، وما أن تمر الغضبة أو الضغط حتى تعاود الأنظمة نشاطها القمعي وبشكل أشرس، وكأنها تعوض ما فاتها من قمع.

دعونا نعود بالزمن إلى حقبة اعتبرها البعض محاولة لوضع أسس دولة دستورية ديمقراطية بعد صدور دستور 1923، لنرصد إحدى هبات الإصلاح التي مرت على مصر في تلك الفترة، ونطالع نتائجها وارتدادتها الكارثية.

في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي قرر رئيس الوزراء إسماعيل صدقي الانقلاب على دستور 1923 بإيعاز من الملك فؤاد الذي ضاق منذ اللحظة الأولى بالدستور المقيد لسلطاته، وأقر هذا الدستور مبدأ رقابة الأمة من خلال ممثليها المنتخبين على سلوك الحكومة وممارساتها، ومنح الشعب سلطة التشريع من خلال نوابه، وصان الحريات العامة للمواطنين وحافظ على حرمة حياتهم الخاصة، وأرسى مبدأ الفصل بين السلطات، بحسب الدكتور عماد أبوغازي وزير الثقافة الأسبق في دراسته «مناضلون على طريق الحرية».

خلال السنوات التي تلت صدور دستور 1923 قاد فؤاد ثلاثة انقلابات دستورية. أولها في مارس 1925، عندما عطل الحياة النيابية لمدة عام وشهرين تقريبًا، ثم عطلها مرة ثانية من يوليو 1928 إلى أكتوبر 1929. إلا أن ثالث تلك الانقلابات الدستورية وآخرها في عهد فؤاد كان الأخطر والأطول والأشد تأثيرًا، وقد وقع ذلك الانقلاب الدستوري بعد أقل من عام من عودة الحياة البرلمانية في أكتوبر 1929، وكان النحاس باشا قد شكل الوزارة في الأول من يناير سنة 1930. فشلت الحكومة في انتزاع معاهدة مع إنجلترا تحقق آمال الشعب، واصطدمت بالملك حول حقوق الأمة، عندئذ قدم النحاس استقالة حكومته في 17 يونيو 1930، فقبلها فؤاد رغم رفض البرلمان لها، وكلف إسماعيل باشا صدقي بتشكيل الوزارة في 20 يونيو 1930.

كان أول قرار لحكومة صدقي هو إصدار مرسوم بتأجيل اجتماع البرلمان الذي جدد الثقة في حكومة النحاس المستقيلة، والذي بالطبع لا يريد منح الثقة للحكومة الجديدة. رفض البرلمان بمجلسيه (الشيوخ والنواب) قرار التأجيل، ورد ويصا واصف باشا على إنذار صدقي بعدم حديث النواب بعد تلاوة مرسوم تشكيل الحكومة وتأجيل انعقاد البرلمان برد حاسم جاء فيه: «إنه ليس من حق الحكومة أن توجه إلى رئيس مجلس النواب مثل هذا الخطاب لما فيه من تدخل للسلطة التنفيذية في إدارة جلسات المجلس».

جاء رد صدقي أعنف مما يتوقع أحد، فأمر بحصار البرلمان وإغلاق أبوابه بالسلاسل، فتوجه النواب بقيادة واصف باشا إلى البرلمان وأمروا الحرس بتحطيم السلاسل الحديدية، ودخل النواب وعقدوا الجلسة، ووجه رئيس مجلس الشيوخ عدلي باشا يكن رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى «الحكومة الصدقية».

أقسم النواب خلال اجتماع عقدوه في النادي السعدي على الدفاع عن الدستور ومقاومة أي اعتداء يقع عليه، ونشروا بيانًا بما جرى في اجتماعهم، فاندلعت موجات احتجاج عارمة في الشوارع والميادين تلبية لنداء النواب للشعب بالدفاع عن الدستور، واجهتها قوات الأمن بعنف شديد، ما أدى إلى سقوط مئات القتلى والجرحى.

استمر السجال بين البرلمان ونوابه من جهة والحكومة الجديدة والملك من جهة أخرى، وانتهى الأمر باحتلال البرلمان بالقوة المسلحة، وأعلن صدقي أنه اتفق مع الملك على إصدار دستور جديد. «مضى صدقي إلى نهاية الشوط وأعلن إلغاء دستور الأمة واستبدل به دستور الملك، وصدر بذلك المرسوم الملكي بتاريخ 22 أكتوبر سنة 1930، كما صدر في اليوم نفسه قانون الانتخاب الجديد. وصدر الأمر بحل مجلسي النواب والشيوخ القائمين»، يضيف أبوغازي في دراسته.

اللافت أن إسماعيل صدقي روج لما جرى على إنه إصلاح دستوري وسياسي يعمل على ترسيخ الاستقرار بالبلاد بدعوى أن من وضعوا دستور 1923 نقلوا نصوصًا من دساتير دول بلغت من الديمقراطية ما لم تبلغه مصر.

«لم يعلم المطلع على تاريخ الدساتير الأوروبية أن الدساتير وضعت في كل بلد وفق أحوالها المعاصرة وأن التطورات الاقتصادية والاجتماعية بعد أن تبلغ مداها يكون لها أثرها في تعديل الدساتير تعديلًا يجئ تارة بطريق قلب الدستور وتغييره، وطورًا بالطرق التي رسمها الدستور نفسه»، هكذا يبرر صدقي كما غيره من المنقلبين على الدساتير قراره، وفقا لما سرد في مذكراته التي وضع لها عنوان «مذكراتي».

كان لصدقي السبق في إطلاق عبارات على غرار «الدستور كتب بنوايا حسنة، والدول لا تبنى بالنوايا الحسنة»، وأشار قبل ثمانية عقود بعد انقلابه الشهير إلى أن الدستور الذي تم تجريبه لم يحقق الغاية التي أرادها واضعوه ولم يحقق ما عقد عليه من آمال. قال «لم يحقق دستور 1923 في تلك السنين ما عقدت عليه من الآمال من أنه خير ما تمتعت وتتمع به البلاد من صور الحكم وأكفلها بإقرار النظام والسلام وتوجيه الأمور العامة إلى خير الغايات على يد الصالحين لذلك القادرين عليه».

واعتبر صدقي أن من شاركوا في وضع دستور 1923 أسسوا من حيث لا يدرون نظامًا سياسيًا كانوا يظنون أنه «خير الأنظمة» بإقرارهم نظام الانتخابات على درجة واحدة من خلال عموم الناس بديلًا عن نظام الانتخاب على درجتين، «توهموا أن هذا النوع من الانتخاب هو خير نظام أخرج للناس».

ورأى الرجل الذي كان يظن في نفسه أنه «طبيب» يعرف أمراض مصر وسبل علاجها، أن مصلحة البلاد فرضت عليه أن يمحو الماضي بما له وما عليه وأن يصدر دستورًا جديدًا تستفتح به صفحة جديدة في تاريخها الحديث. «أردت علاجًا يتلمس أرفق وسائل الإصلاح، إصلاحًا يتم في هوادة وفق ناموس التطور وتنعدم منه كل أسباب الشكوى وتستقر به الأمور»، مضيفًا في مذكراته «إذا كانت الضرورات ألجأتني إلى انتهاج هذه السبيل فالتاريخ العام للحياة النيابية حافل بمثل هذه الظاهرة.. ظاهرة إبدال دستور بدستور.. وهدفي هو إنقاذ الوطن من سوء المصير».

أطلق الدستور الجديد سلطة الملك في حل البرلمان ومنحه حق تعيين أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ وتعيين شيخ الأزهر والرؤساء الدينيين، وحال دون طرح الثقة في الحكومة، وقنن التعدي على الحريات العامة، فشرعن تعطيل الصحف بقرار من محكمة الاستئناف.

انتقم صدقي من الصحف التي خاضت معركة الدفاع عن الدستور، وأصدر قرارات تعطيل طالت صحف «كوكب الشرق» و«البلاغ» و«اليوم» و«السياسة» و«المؤيد الجديد» و«صدى الشرق». ثم أدخل تعديلًا على قانون العقوبات بهدف حصار أصحاب الرأي والصحفيين، ليعاقب كل من ينشر أخبارًا بشأن تحقيق جنائي قائم أو من ينشر أمورًا من شأنها التأثير على القضاة أو رجال النيابة أو غيرهم من الموظفين المكلفين بالتحقيق، أو التأثير في الرأي العام.

لم يكتف بذلك بل وضع قانونًا جديدًا للمطبوعات يفرض شروطًا تعجيزية لإصدار الصحف. ثم عدل قانون العقوبات مرة أخرى لتشديد العقوبات على جرائم النشر عن طريق الصحف وغيرها ووضع أحكامًا مشددة تصل في بعض الأحيان إلى خمس سنوات سجن والغرامة لكل من نشر أخبار عن عمد «تضر بالمصلحة العامة أو تخل بالنظام العام أو تحرض على قلب النظام أو على كراهيته أو ازدراءه»، وهي ذات المواد الموجودة في قانون العقوبات والصحافة حتى الآن بتعديلات شكلية تساير لغة العصر.

وحتى يكمل صدقي قبضته ولا ينازعه الشعب عبر ممثليه في قراراته استصدر مرسومًا من الملك بحل جميع مجالس المديريات (المحافظات). وتطبيقًا للدستور الجديد صدر قانون الانتخابات الذي يحرم الشعب من اختيار ممثليهم، ويحرم قطاعًا كبيرًا منه في ممارسة حقه في الترشح أو الاقتراع، فجعل الانتخابات على درجتين بدلًا من الانتخاب المباشر.

وما أن انتهى «طبيب مصر الجديد» من وضع قواعد اللعبة الجديدة، حتى أسس حزبًا سماه زورًا «الشعب» وشارك به في أول انتخابات برلمانية، وكما عبث صدقي بالدستور والقوانين المكملة، تلاعب في الانتخابات واستخدم أجهزة الحكومة المختلفة لتشارك في عمليات التزوير بكل أنواعه، خشن وناعم.

تتبعت الصحافة التي كانت تناضل بالقلم والحبر عمليات التزوير، ونشرت جريدة «الجهاد»، لمالكها توفيق دياب صاحب العبارة الشهيرة «لا طاعة لحاكم في معصية الدستور»، صورًا لخطابات أرسلها صدقي إلى مأموري أقسام البوليس والبنادر يطلب فيها تزوير الانتخابات لصالح حزبه، فصدر قرارًا بالقبض عليه وإحالته إلى التحقيق ومحاكمته بصورة عاجلة.

شكل صدقي برلمانه المزور على جثث 100 شهيد مصري و175 مصابًا خرجوا مع مئات الآلاف للدفاع عن أصواتهم، ووصلت حالة الهياج التي أتبعت عملية «الإصلاح» إلى حبس مئات المعارضين والصحفيين في محاكمات هزلية، وقطع أرزاق الآلاف لمجرد تفوههم بكلمة نقد ضد الحكومة، فضلًا عن شن حملات تشهير على أصحاب الرأي، وكما أصابت عميد الأدب العربي طه حسين الذي صدر قرار بعزله من منصبه كعميد لكلية الآداب، أصابت المفكر والأديب عباس محمود العقاد وغيرهم من المبدعين وأصحاب الرأي.

كان صدقي صاحب أعصاب قوية جبارة، لا يلتفت إلى هجوم أو نقد. «يتلقى كل يوم طعنات الشعب ولا يترنح، ويسمع لعنات الجماهير فلا يخاف، يرد على الهجوم بالهجوم وعلى الاتهام بالاتهام»، هكذا وصف الكاتب الصحفي مصطفى أمين، إسماعيل صدقي صاحب القبضة الحديدية، الذي تعرض لثلاث محاولات اغتيال بسبب بطشه وعنفه.

ولما أدى صدقي دوره وضاقت به السراي والإنجليز، دُفع إلى الاستقالة من حزب الشعب وانتخب الحزب عبدالفتاح باشا يحيى رئيسًا له، وأيد البرلمان الذي صنعه صدقي رئيس الحكومة الجديد.

ورغم استوزاره بعد ذلك في أكثر من حكومة إلا أن التاريخ حجز لصدقي مكانًا يليق بمن مثله من مستبدين، وقرن اسمه بالعنف والقتل والانقلاب على الدستور والبرلمان وتقييد الحريات العامة وحجب وتعطيل الصحف، وأنهى حياته بفضيحة لا تزال تلاحقه حتى الآن فكان أول مؤيد لقرار تقسيم فلسطين بين اليهود والعرب رغم معارضة مصر الرسمية لهذا المقترح.

لو استبدل القارئ اسم صدقي الذي اختصرنا قصته بأسماء أخرى تناوب أصحابها على حكم مصر، سيكتشف أن «كتالوج» الاستبداد المحفوظ في دولاب الدولة المصرية لم يتغير، تستدعيه الأنظمة لتضمن لنفسها البقاء والاستمرار دون أن تُساءل أو تُحاسب، حتى لو كان ذلك على حساب حريات الناس وحقوقهم، بل وعلى جثثهم أيضًا.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن