معلومات قد تكون مفيدة

إليكم خلفية القصة الصحفية التي أوقعتنا في هذا المأزق. (وإن كنتم غير متابعين، اليكم الملخص: قُبض على زميلنا شادي زلط من منزله فجر يوم السبت الماضي، وداهمت قوات الأمن مكتبنا في اليوم التالي، واحتُجز 18 منّا داخله لعدة ساعات، قبل القبض على ثلاثة أشخاص، من بينهم أنا، واُحتجزنا لفترة وجيزة ثم أُطلق سراح الجميع). 

عندما استلمت القصة للمرة الأولى في مطلع الأسبوع الماضي، قررتُ عدم نشرها حتى أتمكن من الحصول على تأكيد إضافي للتفاصيل، وليس مجرد تأكيد عام للقصة الرئيسية. أصبحتُ مستعدة لنشرها بمجرد التأكد من كافة التفاصيل من قِبل مصدرين منفصلين على الأقل، وفي بعض التفاصيل اعتمدنا على أربعة. تحدثت المصادر بشرط الحماية المكفولة في سياساتنا التحريرية. نحن لا نتحمس بسهولة لمجرد حصولنا على سبق صحفي. في المقابل، تشغلنا عملية التحقق وتأخذ معظم طاقتنا. تخلينا عن كثير من القصص الصحفية عندما تعذر التحقق، كان ذلك أكثر بكثير مما نشرناه.

كنّا مدركين مدى حساسية هذه القصة، ونشرنا فقط مع ازدياد ثقتنا في صحتها. قبيل إطلاق سراحي أنا وزملائي يوم الأحد، تعرضنا للوم المهذب لنشرها. سُئلنا: لماذا تتناولون هذه القضايا؟ ولماذا تكتبون عن مثل هذه الأمور؟

لقد كان «مدى مصر» منذ نشأته مشروعًا يعتمد على الاستقصاء، والفضول، والنفاذ إلى ما يحدث خلف الأبواب المغلقة، والوصول إلى المساحات التي بالكاد نراها أو نعرفها. عندما بدأنا النشر في عام 2013، أعتقد كثيرون أننا مجرد منفذ من وإلى أبناء 2011. نحن بالفعل أبناء (وصُنّاع) 2011. لكن طموحنا يتجاوز ذلك.

نحن أبناء السياق الذي ولدنا فيه أيضًا. ويحتم ذلك علينا أن نسأل دائمًا: ماذا يعني أن نعيش في مصر، في هذه الحقبة التي تشهد تحوّلًا سياسيًا عميقًا؟ مشروعنا هو في الحقيقة مشروع مُسائلة: كيف نعيش في هذا السياق؟ ننطلق لزوايا مختلفة للإجابة: نذهب إلى مجتمعنا، اقتصادنا، صحتنا، بيئتنا الحضرية، تعليمنا. ننظر في الثقافة والإنتاج الثقافي ونرصد كيف يتفاعل مع هذا الواقع. نراوح بين التفاوض والمقاومة على امتداد طيف طويل من محاولات البقاء على قيد الحياة. وهذا يستدعي المحاولة الدائمة لفهم وتحليل السلطة، ولن تبدأ هذه الممارسة الفكرية إلا من موقع عملي: المعلومات أولًا. يمكنكم اعتبار القصة التي نشرناها وعوقبنا بسببها، نموذجًا لهذه الممارسة.

بعد التحقق من المعلومات، بدأت عملية التحرير. هنا نسأل: هل يتسم الهيكل بالسلاسة؟ أيمكن تحسينه؟ هل هذه الكلمة مناسبة، أم نبحث عن أخرى؟ ماذا عن هذه الجملة ككل؟ هل هناك سياقات كافية؟ 

أحبُ الصحافة لأنها لقاء رائع بين الشكل والمضمون. نحب في «مدى مصر»، أن نعتبر أنفسنا مجموعة من الحرفيات والحرفيين الذين لا تنتهي إثارتهن/ إثارتهم عند العثور على معلومات قيمة، بل إنها تبدأ بعد ذلك فقط. ما يلي هو عملية استجواب، ليس فقط فيما يتعلق بصحة المعلومات، ولكن أيضًا في السياق الذي ظهرت فيه، والواقع السياسي الذي يحيط بهذه المعلومة فيسيسها. ثم ندخل في عالم اللغة بإمكانياتها المُعلنة والكامنة. هُنا يأتي الفن. نحن مدينون للفنانين والأكاديميين الذين نعرفهم من أصدقائنا لأنهم يسمحون لنا بتهريب بعض ممارساتهم ونهجهم في عملنا. 

كان اليوم الذي عملتُ فيه على القصة في المكتب مع بعض من زملائي أحد أكثر الأيام مرحًا في «مدى». لقد كنّا متحمسين، وفي بعض الأحيان كنّا نضحك على نحو هستيري، ربما لنواجه الخوف العميق من المصير الذي قد نقع فيه بعد النشر. لقد شربنا كميات كبيرة من ماء الصودا وأكلنا قطع الشيكولاتة واحدة تلو الأخرى. اتفقنا على تناول وجبة كشري بعد الانتهاء من العمل، لكي تكون وجبة ثقيلة بما فيه الكفاية، ننام بعدها على الفور، دون أن يحاربنا القلق. قد تعتقد أننا شجعان، أو هكذا تقول واجهتنا، لكننا نخاف في كثير من الأحيان.

في كل الأحوال، نحن نعرف دائمًا كيف نضحك. كانت صديقة تزورنا ذات مرة في المكتب، ورأت شادي زلط يجلس على مكتبه، وهو يرقص أثناء قراءة أحد النصوص. سألتني: ما الذي يحدث هنا؟ قلتُ لها: إنه يقوم بعمله؛ يحرر.. هكذا كان شادي يؤدي عمله. 

ثم أُخذ شادي بعيدًا عن زوجته وابنته، وعنّا، فجر يوم السبت لمدة يوم ونصف، وهو ما بدا بداية كابوس لن ينتهي. لم يلتحق شادي بالعمل في «مدى» عام 2014، لكي تُكبل يداه وتُعصب عيناه في 2019. ولكنه التحق بـ «مدى» لكي يجعل ما نعرفه وما نفكر فيه يعيش بشكل أكثر حيوية. 

لقد رأيتُ شادي، يوم الإثنين الماضي، في أول لقاء بعد إطلاق سراحه، كان مهزوزًا وكسر اهتزازه شيئًا فيّ. ثم حامت قطة حول ابنته لخطف بعض من غدائها، فنهض شادي وبدأ في الركض في دوائر حول الطاولة، مطاردًا القطة مرارًا وتكرارًا، في مرح وخفة. انفجرنا جميعًا في الضحك. 

ترتبط أيضًا معظم المواقف التي تتبادر إلى ذهني منذ مداهمة مكتبنا التي استمرت ثلاث ساعات يوم الأحد الماضي بالضحك. في كثير من اللحظات، انفجرنا في الضحك الجماعي ونحن رهائن، وكان على عناصر الأمن بذل الكثير من الجهد للحفاظ على تجهمهم وعدم الضحك. ربما كان انتصارنا الوحيد في تلك الساعات ونحن رهائن هو جعل رجال الأمن يبذلون الكثير من الجهد لمنع أنفسهم من الضحك. 

وبينما كنتُ أرى عشرة من عناصر الأمن يحتلون مساحتنا في رقصة سلطة بارعة، وكانوا جميعًا طوال القامة، أقوياء البنية، رجالة، تسألتُ إذا كان مَن سيكتب قصة نهاية «مدى» سيستطيع أن يكتبها بشكل مبدع. فالصحافة هي لقاء رائع بين الشكل والمضمون. بأي لغة نكتب نعي صحيفة؟ كيف ندفن مؤسسة صحفية؟ في الواقع، أعتقد أنني كنتُ أفضل السجن على كتابة أو تحرير قصة عن هذه النهاية. لكن الواقع الأعمق، الواقع الحقيقي، هو أنني لا أتمنى أن أصبح سجينة، ولا أرغب في كتابة أو تحرير مثل هذه القصة.

أعتبر أن خروجنا من الحجز بعد فترة وجيزة بمثابة معجزة، وكذلك نجاتنا من قضية لا نهاية لها من شأنها أن تُسلمنا لنظام قضائي إجراءته هي في حد ذاتها عقاب. كان انعطاف سيارة الشرطة، التي تقل ثلاثتنا بعد المُداهمة إلى التحقيق ومرفق الاحتجاز الذي كنا نخشاه، أشبه بالمعجزة. تأثرنا بالدعم الذي تلقيناه من الجميع -الأصدقاء والأهل، قرائنا ومتابعي «مدى»  هنا وفي الخارج. قيل لنا إن شخصية سيادية، لانعرف اسمها، تدخلت في آخر لحظة لوقف اعتقالنا الوشيك. لا نعرف بالضبط ما الذي جعل هذه الشخصية تتدخل. نحن نعلم أنها ربما لحظة من الحكمة في دوائر صُنّاع القرار، لكننا نعلم أيضًا أن مَن يُعتقلون لا يخرجون في هذه الأيام. بعد يومين من إطلاق سراحنا، قُبض على الصحفيين سلافة مجدي، وزوجها حسام الصياد، ومحمد صلاح، من مقهى في الدقي. يواجهون الآن اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة. قبل أسابيع من محنتنا، جرى اعتقال المئات، لكونهم نشطاء أو صحفيين أو سياسيين معارضين يستخدمون القنوات الشرعية لممارسة السياسة. معظمهم محتجزون احتياطيًا ويواجهون التهم المعتادة. ربما كنّا من بينهم، وربما لا نزال كذلك. 

في الوقت الحالي، نحن ممتنون لكل مَن فعل أي شيء للمساعدة في محنتنا. كما نعرب عن امتناننا الخاص لأولئك الذين غنّوا لنا أغاني داخل قلوبهم، ولأولئك الذين وجدوا العزاء في الدعوة لقديسين، لا يعرفون عنهم سوى القليل. نحن نعتبر إطلاق سراحنا بمثابة معجزة. 

في شاحنة الشرطة، كُبلتُ مع زميلتي رنا ممدوح وزميلي محمد حمامة. استخدمنا الحيز الضيق الذي تسمح به الأصفاد للضغط على أيدي بعضنا البعض، في إشارة إلى أننا سنكون على ما يرام، سنكون بخير. بدأت الأفكار تتسارع في عقولنا عما يجب أن نقوم به (سنخبر مَن إلى أين أخذونا؟ ماذا يحدث لخطط عيد الميلاد التي وعدتُ بها أخي؟ ذلك التقرير الذي تركته على جهاز الكمبيوتر الخاص بي دون أن أحفظه). ظلت رنا ومحمد يُتمتمان لي: لا مجال للإحساس بالذنب. نحن هنا باختيارنا. لامجال للإحساس بالذنب.

سيداتي وسادتي، إليكم فريق «مدى مصر». عندما قُبض على شادي وكنّا لا نزال أحرارًا، كنّا نعمل على مدار الساعة لفعل كل شيء ممكن من أجل إطلاق سراحه. أدركتُ حجم التعب الذي يمرّ به الجميع، ولذلك طلبتُ من بعض زملائي أن يحصلوا على قسط من الراحة. في رسالة كتبتها إليهم عن مدى تأثري بتفانيهم ومشاركتهم الدؤوبة في هذا الوقت العصيب. جاء الرد بعد فترة وجيزة من ياسمين الرفاعي، جاء مقتضبًا وشاعريًا: 

قالت: «نحن سجناء الحب».

وهُنا نعاود لمزيد من النشر أترككم معه، ومع مجموعة من سجناء الحب، الذين يعرفون الآن، أكثر من أي وقت مضى، كيف يضحكون في أوقات الأزمات.

اعلان
 
 
لينا عطاالله 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن