لا، ليست الديمقراطية هي الحل

في مقاله  الأخير، يعيد د.عز الدين فشير تقديم نفس الطبق المتحلل الذي يقدمه الأكاديميون الغربيون منذ 11 سبتمبر لكل مشاكل الشرق الأوسط. وبالتبعية انتقل هذا الإيمان الغيبي الأعمى لدى قطاع عريض من المثقفين والكتاب المصريون، وهو كما يوضح في مقاله؛ «الديمقراطية».

ربما كان من السهل ترويج هذه البضاعة في حُمّى نشر الديمقراطية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، لكن الآن ننظر حولنا فلا نرى سوى خرائب، واحتقان يخنق الجميع. من فرنسا، لبيروت، لتشيلي، للعراق وإيران. ذات المشاكل تواجهنا جميعًا، مستقبل هذا الكوكب، والنظام الاقتصادى الذي يحولنا لعبيد لـ «نسبة النمو» وينزع الفاعلية السياسية من يد الشعوب. هو نظام يقوم بالأساس على الديمقراطية الإجرائية، وينتفض الناس في الشوارع بالأساس ضد الديمقراطية الإجرائية التي تدخلهم في متاهة من الاستفتاءات والانتخابات، ثم إعادة الانتخابات دون تغيير أي شيء من النظام الاقتصادي المسجونين داخله.

 في العالم العربي بالتأكيد ليست الديمقراطية حل المشكلة، لم تكن، ولن تكون بدون تغيير توازنات السلطة وتوزيعها في المجتمعات العربية.

يفترض فشير وجود فئة خيالية اسمها «الديمقراطيين العرب» يوجه لها كلامه ونصائحه، ويقدم تخيلًا عن عالم مضيء يقف فيه هؤلاء الديمقراطيين في مواجهة العسكريين والإسلاميين. وهذا عالم قديم انتهى. فتيار الإسلامى السياسي تبيّن أنه لم يكن سوى ذراع أيدلوجية  للنظام السعودي السني، وما أن توقف التمويل السعودى حتى تحلل لدرجة أن صابرين خلعت الباروكة/ الحجاب. ننظر حولنا في العالم العربي الآن فنجد تنظيمات كانت عملاقة مثل «الإخوان المسلمين» اختفت ولم تعد إلا كروت سياسية في يد تركيا أو قطر، ونجد تيارات دينية أخرى تشرذمت تمامًا مع انقطاع التمويل السعودى، تضاءل وجود التيار السلفي مثلًا، وأصبحنا نعيش عالم ما بعد ثنائية العسكر الإسلاميين.

ليس هذا فقط، بل تراجع البُعد الهوياتي من صدارة المشهد في موجة الاحتجاجات الأخيرة، حتى أن بلدًا طائفيًا مثل لبنان ينتفض الناس فيه ضد الفساد والنظام البنكى، بل وضد الطائفية. لكن حينما يتمّ تغطية هذه الانتفاضات يتجاهل الإعلام الغربي وخبراؤه  أصوات الجماهير ومطالبهم الواضحة ليحدثونا مرة أخرى عن الديمقراطية وإجراءاتها والقواعد والأصول، وكأنهم لا يتعلمون أبدًا من أخطاء الربيع العربي موجة 2011، أو يصرون على جر الجميع لذات المستنقع.

في تونس، ومصر، وسوريا وليبيا، كان شعار الجماهير التى خرجت واضحًا؛ «عيش، حرية، كرامة اجتماعية». لم يتحدث أحد عن الديمقراطية، لكن النخبة السياسية والأكاديمية قفزوا فورًا إلى الصدارة وسطوا على خطاب الجماهير محولينه إلى خطاب منادي بالديمقراطية، وساقوا إلى  الجمهور خرائط طريق تعتمد على سلسلة من الاستفتاءات والإجراءات الانتخابية والدوائر المفرغة باسم الديمقراطية التي لا يزال يصرون على أنها الحل.

إجراءات الديمقراطية النيابية تحتوي الطاقة الثورية، وتحوّلها لساعات انتظار في الطوابير لانتخاب نواب بعد انتخابهم تنقطع صلاتهم بالجماهير التي انتخبتهم، وبعدما كانت هذه الجماهير تمتلك القوة في الشوارع والميادين، يُطلب منها التخلي عن هذه السلطة لصالح الصندوق، والعودة  مرة أخرى إلى الكنبة لتشاهد في حسرة النخبة المنتخبة تتخلى عن وعودها.

وتدرك الجماهير المنتفضة الآن هذا الأمر، لهذا رفض السودانيون أي إجراءات انتخابية دون فترة انتقالية تسمح بإعادة توزيع السلطة، واستعادة المجتمع لحريته في التنظيم والإدارة، ونفس الشيء يتكرر في الجزائر حيث ترفض الجماهير خريطة الطريق المقترحة من الجيش والتي تسعى إلي التعجيل بالانتخابات الرئاسية. فما تطلبه الجماهير أعلى وأكبر من صندوق انتخابي.

ما تطلبه الجماهير، تأسيس عالم جديد، والتحرر من سلطة صندوق النقد والبنك الدولي، والنظام المالي العالمي الكارثي الذي نعيش فيه. هناك 26 شخصًا تعادل ثروتهم ما يملكه 3.6 مليار إنسان على سطح الكوكب. هذا هو الخلل في عالمنا اليوم، والمطلوب إصلاح هذا الخلل، ولا سبيل لهذا الإصلاح إلا بالثورة.

يتخيل د.فشير عالمًا مثاليًا، يمكن أن يجتمع فيه أفراد القبيلة السرية؛ «الديمقراطين» ويتناقشون ويضعون خططًا لإصلاح العالم، ثم يذهبون لعرضها على مَن يملكون السلطة ويتفاوضون معهم، فيقتنعون ويقبلون. أريد أن أذكره أن هناك مرشحين للرئاسة في أمريكا يقترحون زيادة طفيفة في الضرائب على الأغنياء لتمويل خطط تشمل تأمين صحي للجميع أو الانتقال إلى الطاقة الخضراء ومع ذلك يتمّ اتهمامهم بالجنون والشعوذة والهرطقة، ويحاربون لينتهى الموقف برئيس أمريكي ملياردير آخر يرفض الإفصاح حتى عن سجلاته الضريبية.

إذا كانت أمريكا الديمقراطية العريقة، بنضال حركاتها المدنية والفئات الاجتماعية المختلفة لبناء هذا البلد تعاني في مواجهة هذه السلطة، فكيف نحاربها نحن في العالم العربي بالديمقراطية؟ كيف يمكن أن ينتصر الصندوق على سلطة عمالقة شركات التكنولوجيا وشركات السلاح، الذين يخفون ثرواتهم في الملاذات الضريبية، ويخربون الكوكب ويستنزفون موارده، ثم يتحدثون بكل صفاقة عن الهجرة إلي المريخ لأن الكوكب لم يعد يصلح للحياة فيقررون فتح أسواق جديدة في المريخ.

منذ بضع سنوات أعلنت شبكة من الصحفيين كشف عما عُرف بـ «وثائق بنما»، والتى كشفت كيف يتهرب كل هؤلاء من الضرائب، وبعد سنوات من هذا الكشف ما الذي حققته المؤسسات الديمقراطية في العالم لمواجهة هذه الجريمة؟

 لا شيء. مجرد هراء وتلاعب بعقول الناس وبث الخوف والرعب من الآخر، وتغذية الأفكار اليمنية العنصرية داخلهم، وتنمية مناخ فاشي يمينى يعظم من سياسات الهوية، وإقناعهم أن سبب كل مشاكلهم المهاجرين واللاجئين الذين ينظفون طاولة الطعام ويسلكون حماماتهم، لا مَن يراكمون الثروات ويتلاعبون بمدخراتهم في البورصة.

  أساس الديمقراطية هو المساواة والحرية، لا يمكن إجراء عملية انتخابية دون أن تكون القوة التصويتية لجميع المواطنين واحدة. كذلك يتمتع الجميع بمساحة حرية متساوية، لكن الواقع أن المدنيين في مصر لا يتمتعون أبدًا بما يتمتع به العسكريون من امتيازات ومن دعم وتأييد من شركات السلاح الأمريكية، ولهذا فشلنا، ولهذا سنفشل. وحتى إذا تجاوزنا تلك العقبة فأي شكل من أشكال الديمقراطية النيابية في مصر لن ينتج إلا أوليجاركية فاسدة حاكمة متحالفة مع الأفكار الرجعية والعسكر ومنفصلة عن الجماهير.

أن الديمقراطية سواء في الغرب أو الشرق مريضة يا عزيزى، مريضة وتحتاج لدواء عاجل. أن رفض الأجيال الجديدة للعمل من خلال الأحزاب ونمو نجم الحركات الشعبية المختلفة كشكل للتنظيم السياسي هو تعبير واضح ومباشر عن العداء للديمقراطية النيابية. ولا أدل على ذلك من برنامج الاستفتاء بمبادرة وطنية Le référendum d’initiative citoyenne-RIC  الذي طرحته حركة «السترات الصفراء» في فرنسا، والذي اقترح دمج أكبر لسياسات الديمقراطية التشاركية والتمثيلية مثل تشكيل لجان محلفين منتخبة بالقرعة وممثلة لكل الشرائح الاجتماعية توكل بالإشراف على عمل مؤسسات الدولة. وبدلًا من انتخاب ممثلين للناس كل أربع أو ست سنوات يحتكرون العمل السياسي، تعيد سياسات الديمقراطية المباشرة القوة للناس وتسمح للمواطنين بالإشراف على أداء ممثليهم وسحب تفويضهم في حال أساءوا استخدامه، أو لم يلتزموا بوعودهم، كما تسمح لهم بفرض أي مشروع قانون أو إصلاح إداري أو دستوري باستفتاء شعبي عام تطلقه مبادرة فردية حازت على عدد معين ومحدد سلفًا من التواقيع.

ما يحدث في تونس مؤخرًا هو تعبير دقيق عن هذا التململ من الديمقراطية الإجرائية، ففي تسع سنوات مارس التونسيون جميع الإجراءات الديمقراطية، انتخابات نيابية، ورئاسية، ومع ذلك لم يتغيّر وضع المواطن التونسي. فمهما اختار الصندوق رئيسًا وممثلين في البرلمان يجدون هؤلاء الممثلون أنفسهم تحت ضغوط المؤسسات الاقتصادية الدولية، والشركات والبنوك التي تتخلى بسهولة عن حلفائها القدامى لتتحالف بسرعة مع النُخب السياسية الديمقراطية النيابية، وتشكل أولجاركية جديدة. لهذا في تونس، وبعد أكثر من ثمانٍ سنوات من المشي في متاهات الديمقراطية النيابية لم يرَ التونسيون أي تغيير في حياتهم فاختاروا، مؤخرًا، قيس سعيد رئيسًا من خارج النخبة السياسية، يرفض الأحزاب، وأهم نقاط برنامجه خلخلة السلطة المركزية للديمقراطية النيابية، وإعطاء سلطات أكبر للمجالس المحلية، وإجراءات أخرى تزاوج بين الديمقراطية النيابية والديمقراطية التشاركية participative والديمقراطية المباشرة.

 ينهي د.فشير مقاله، بدعوة للتفاوض مع مَن يملكون السلطة. وهي النقطة الوحيدة التى اتفق فيها معه، لكن لإجبار مَن يملكون السلطة على التفاوض لا تمتلك الجماهير سوى سلاح واحد؛ التظاهر والاعتصام السلمي وقطع الطريق والعصيان المدنى وإيقاف عجلة الإنتاج، بالتالي إيقاف الأرباح المتدفقة لخزائن مَن في السلطة، وبالتالي إجبارهم على التفاوض.

النموذج المبشر لهذا هو ما حدث في السودان، فبعد صمود أسطوري لجماهير الشعب السوداني وتمسكهم بالنضال السلمي والعصيان المدني وسقوط مئات الشهداء، لم يتمكن السودانيون من إسقاط مجرم الحرب عمر البشير، بل أجبروا السلطة العسكرية المدعومة من رأس المال الخليجي على الجلوس لمائدة التفاوض وتقاسم السلطة والقبول بفترة انتقالية لمدة عامين وتأجيل أي إجراءات ديمقراطية. ببساطة لأنهم تعلموا من التجربة المصرية، وبدلًا من التدافع نحو الصندوق الانتخابي، يدرك السودانيون أنهم كمجتمع يحتاج أولًا لمرحلة للتعرّف على بعضهم البعض، وإزالة الغبار ووسخ أكثر من ثلاثين عامًا من حكم البشير، ليبنوا أول مجتمع يحقق المساواة والعدالة الانتقالية، ثم بعد ذلك تأتي المسألة الديمقراطية.

قضيتنا ليست قضية مصرية أو عربية فقط. المتظاهرون في لبنان يطالبون بإسقاط فوائد الديون المفروضة عليهم في المصارف، كذلك هنا في أمريكا يتحدث مرشحون عن جدولة، وربما إسقاط ديون الطلبة. أن القضايا التي تجمع الشعوب العربية هي ذات القضايا التي تجمع شعوب أمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية.

لا يجب أن ننظر إلي مصر أو العالم العربي كتجربة معملية مغلقة. جميعًا في جبهة واحدة، همومنا ومشاكلنا واحدة. وفي هذا اللحظة فدور النخبة هو محاربة ترويج الأوهام ووجود حلول سحرية على طريقة «الديمقراطية هي الحل». بل العكس «الديمقراطية هي المشكلة»، ويجب أن نعمل على حل هذه المشكلة، أن نعيد القوة وحق تقرير المسار للناس الذين لا يجدون تعبيرًا عن أنفسهم وشقائهم إلا الانفجار في الشوارع. والأهم أن نعمل على بناء الجسور بين كفاح كل تلك الشعوب، فلا يمكن حل مشكلة لبنان ومصر، بمعزل عن بقية العالم.

انتصار «الجرين ديل» مثلًا في أمريكا هو كذلك انتصار للمتظاهرين في بيروت وبغداد. الديمقراطية تأتي لاحقًا حينما نجلس ونتفاوض، أما الآن فيجب إيقاف هؤلاء المجرمون، لا فقط بحثًا عن العدالة الاجتماعية والحرية، بل أيضًا لإنقاذ كوكبنا والحياة عليه.

فاختر جبهتك يا عزيزي، أما الرقص على السلالم فلن يقود لأي اتجاه.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن