مصر بين قوة الدولة ودولة القوة

لم يحظ، ربما، مفهوم سياسي بالاهتمام والشيوع، وحتى بالخلط والتشويش، مثل مفهوم «الدولة». فالمفهوم الرئيس سيطر وتوغل على مجال العلوم السياسية حتى صار بعض المنظرين يرون أنه استحوذ، بغير استحقاق، على موقع القلب من النظرية السياسية برمتها، في شقيها الماركسي والليبرالي على السواء.

وانتقل المفهوم خارج أسوار الجدالات الأكاديمية المتخصصة ليشيع على ألسنة الساسة والمثقفين والإعلاميين وحتى العوام. وراء ذلك دافعان، يقبعان على طرفي نقيض. الأول أن الدولة بالنسبة للبعض صارت تمثل رمز النظام في خضم عالم تملأه الفوضى وعدم اليقين. بالنسبة لهؤلاء، فإن الدولة، أو بالأحرى تصورهم الطوطمي عنها – هي الملاذ الآمن، فكأنها عاصم من تقلبات الأحوال وضامن للسلامة والاستقرار. وفي الاتجاه المضاد، أصبحت الدولة للكثيرين هي لوحة التصويب التي تُلقى على عتباتها بأريحية كل مساوئ السياسة والمجتمع. ولأنها كيان افتراضي، من زاوية أنها «شيء» ما، لكنه يفرض نفسه على الجميع بوجود مباشر وملموس حينًا، وتأثير شبه ميتافيزيقي في أحيان أخرى، فهي مشجب مريح لتعلق عليه كل الخطايا والأخطاء دونما كثير من التحقق.  

إذًا، على محراب الدولة الضبابي مترامي الأطراف، يتحدث الكل عن الدولة: إما يشكوها أو يمجدها، إما يومئ إلى خطاياها أو ينوح على أطلالها، أو يتعلق بأهداب انتصاراتها. الدولة هنا هي أفيون العقل السياسي.

ومنذ صعوده إلى سنام السياسة المصرية في 2013، انضم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جموع المتحدثين عن الدولة، وبإسهاب وإلحاح. وإذا كانت كلمة الرئيس الأسبق حسني مبارك المفضلة عبر سني حكمه الثلاثين هي «الاستقرار»، فإن كلمة الرئيس السيسي الأثيرة هي «الدولة»؛ يشير إليها ويشيد بها ويؤكد على مركزيتها، مرارًا وتكرارًا. في مستهل حكمه، مثلًا، أكد السيسي على أن الهدف الأساسي الذي يصبو إليه هو «إعادة الدولة إلى مكانتها ويزيد»، وكرر عبارته مرتين كناية عن التوكيد. وفي مناسبة أخرى، شدد السيسي على أنه عكف على دراسة الدولة لمدة ستين عامًا حتى صار يعرف عن كثب أصل علاتها ومنابع علاجها. هذا كلام حسنٌ ويبعث على التفاؤل، لكن الممارسة والخطاب عبر السنوات الماضية كشفتا أن السيسي، شأنه شأن الكثيرين غيره، لا يبدو أنه يفهم على وجه التحديد ماهية الدولة، وماهية عناصر قوتها وضعفها، رغم مكوثه على مقعد رئيس الجمهورية لأكثر من خمس سنوات ونصف.

بشكل ما، نجد في السلوك الرئاسي -فعلًا وخطابًا- ما يعكس فهم العوام لقوة الدولة. تتصدر هذا الفهم أسطورتان شائعتان. الأولى تقيس قوة جيش الدولة، عبر مقارنة إياه بغيره من جيوش العالم أو جيوش الدول المجاورة، وهو أمر صار يسيرًا عبر قوائم ترتيب جيوش العالم وقواها النيرانية التي تعدها دوريًا الكثير من الجهات وتنشرها على شبكة الإنترنت. قوة الدولة وفق هذا التصور مساوية لحجم ما تمتلكه من طائرات ودبابات ومدافع وعتاد. أما التصور الثاني فيركز على سطوة الأجهزة الأمنية في النظام السياسي وقدرتها على العصف بمعارضيها وبقوى المجتمع ومؤسساته. وفق هذا التصور فإن الدولة الأقوى عربيًا كانت بامتياز دول العتو والخوف، مثل دولة صدام حسين والقذافي والأسد. ولم لا؟ ألم تتمتع حقًا بشدة وبأس هائلتين، حتى شاب لهول ممارساتها الولدان، وتهامس الكبار عنها حيطة وحذرًا (وربما إعجابًا مستترًا)؟         

من الواضح بالطبع أن كليهما تصور أمني، لا سياسي أو قانوني. الأول يختزل الدولة في مهامها الدفاعية، والثاني ليس أكثر من تطوير لمنظور «الدولة كشرطي»، أو حارس ليلي (veilleur de nuit) بتعبير جرامشي، إلى ما يمكن تسميته بـ «الدولة كشرطي فظ». لكن الدول لا تُقاس بما في حوزتها من ترسانات أو هراوات. وفي كتابه المرجعي «تضخيم الدولة العربية»، وهو عمل بحثي استقام على مقتضى التماسك والعمق، أفاض الباحث الراحل نزيه الأيوبي في شرح كيف أن الدول العربية  بالفعل عنيفة، بل وشرسة، لكنها غير قوية.

بالفعل، ما أبعد البون بين قوة الدولة ودولة القوة. وبعيدًا عن الأساطير والأوهام، فمن نافلة القول التأكيد أن أي حديث جاد عن الدول العربية، وليس مصر فقط، في مرحلة ما بعد الاستعمار هو بالضرورة حديث عن ضعفها. والوهن هنا لا علاقة له البتة بشوكة جيشها أو جبروت أجهزة أمنها الداخلي، بل يعود إلى أسباب بنيوية أكثر تجذرًا وعمقًا. يرجع الضعف في بعض الدول العربية، خاصة في المشرق العربي، إلى جذور النشأة، أي الولادة المتعسرة وآليات التكوين الفوقية ودور التخطيط الاستعماري الذي رسم حدودًا وصنع دولًا وصاغ مصائر دون وازع من منطق أو تاريخ أو جغرافيا. فكانت النتيجة دولًا شديدة الهشاشة: منزوعة الصلة بماضيها الطويل، ومتخمة بعناصر الانفجار الداخلي، ومحاصرة بحزمة من التهديدات الخارجية (ليس أقلها إسرائيل). 

وكذلك الأمر في منطقة الخليج العربي، إذ انسلخت الدولة الوطنية -بغتة- من رحم أوضاع قبلية راسخة ومعقدة، فاستحالت إلى ما أسماه الدبلوماسي الراحل تحسين بشير «قبائل لها أعلام». والمقصود أنها دول رخوة، لم تعبر بعد معراج الانتقال من الطور التقليدي إلى طور الدولة الحديثة، وشرعيتها مازالت في مهب الريح. ألهذا أصرت بعض هذه الدول على حشر كلمة دولة في اسمها الرسمي (مثل «دولة قطر» و«دولة الإمارات العربية المتحدة» و«دولة الكويت»)؟ أي لتعلن استحقاقها الكامل للقب ولتدرأ عن نفسها تهمة أنها مجرد «دويلة» أو سلطة؟

كان نصيب دول الشمال الإفريقي، وخصوصًا مصر والمغرب وتونس، أوفر حظًا، باعتبارها تحمل في ثنايا تاريخها وحدة جغرافية ممتدة وتماسك مجتمعي معتبر إضافة إلى نشأة لهياكل مؤسسات الدولة سبقت قدوم بوارج الاستعمار وجنوده (مثل دولة محمد علي في مصر، والدولة المخزنية في المغرب، ومحاولات خير الدين الإصلاحية في تونس). بالرغم من هذا ظلت الدولة في المشرق والمغرب على السواء مشكلة لا حل، عقبة لا مفتاح، ولهذا يسبق الإشارة إليها في الأدبيات العربية عادة كلمة تفيد معنى المعضلة أو المأزق، فيقال «أزمة الدولة العربية» أو «إشكالية الدولة العربية».  

ما الدولة إذًا؟ وأين تكمن قوتها؟

باختصار، الدولة ليست الأرض ولا الشعب ولا الرموز (كالراية والنشيد) ولا الطقوس، بل هي الهيكل المؤسساتي، بما فيها الإطار القانوني، الذي خلقه الإنسان للدفاع عن الأرض وتوفير الحماية والرفاهية للشعب. الدولة إذًا، بالتعريف، مؤسسة، أو بالأحرى حزمة من المؤسسات، منوط بها مجموعة من الوظائف. 

ولذلك فإن أي حديث عن «قوة» الدولة هو في صميمه حديث عن بنية ومرامي وكفاءة المؤسسات، وعن قدرتها على الاضطلاع بمهامها. تشمل هذه المهام تحصيل الضرائب وتوزيع الموارد ونشر العِلم وتشغيل الاقتصاد وتقديم الخدمات وإدارة شئون المجتمع وإقرار الأمن فيه وحمايته من أخطار الخارج، وفوق كل ذلك إقامة الحضارة وبناء الإنسان.

وبالطبع ينكشف في مصر، على المستوى المرئي الخام، ضعف المؤسسات -أي الدولة- أينما ولينا وجهنا: في الأمطار التي يحيلها اهتراء البنية التحتية وغياب الاستعداد إلى سيول، في الشوارع التي تحوّلت إلى ساحات للحرب الأهلية في غمار السعي الفوضوي لجني لقمة العيش، في أسطول من المباني والمكاتب الحكومية الكافكاوية الطابع، في الروتين والفساد اللذين تغرق في مستنقعهما كل أرجاء المنظومة البيروقراطية. وفي ما يتجاوز هذه المظاهر المباشرة، يتجلى ضعف الدولة في تدني القدرة على تطبيق القانون، بل وتنفيذ أحكام القضاء، وانخفاض كفاءة كافة مؤسسات الدولة وخدماتها، بدءًا من المدارس والمستشفيات ومرورًا بالبنية التحتية ووسائل المواصلات ووصولًا إلى معدلات تلوث الهواء وحالة المرور وسرعة الإنترنت. ويسبق ذلك كله، على المستوى الأعلى من النظر، خلل لا تخطئه عين في التخطيط والإدارة وتحديد الأولويات. وبالطبع خلف كل تلك المنظومة المهترئة هناك مؤسسات (وشِلل من موظفين وشبكات مصالح) تعيد إنتاج نفسها للحفاظ على مكتسباتها فتعيد إنتاج العجز والفشل.   

لهذا فإن دولة مثل فنلندا، والتي تقبع خلف مصر بأكثر من خمسين مركزًا في تصنيف «جلوبال فايرباور» (الخاص بالقوة العسكرية) لعام 2019، هي أقوى بكثير من مصر، وأداؤها الرفيع في مجالات التعليم والصحة والمساواة بين الجنسين (على سبيل المثال لا الحصر)، فضلًا عن اعتلائها مؤشر السعادة العالمي، خير دليل على ذلك. وبالمثل، فإن شراسة أجهزة القذافي الأمنية لم تكن سوى قناع يخفي خواءً عارمًا، يتمثل في غياب مؤسسات الدولة عن «الجماهيرية» المزعومة. ولذلك فحين زال كابوس القذافي في 2011، فإن الصعوبة لم تنحصر في عملية الانتقال الديمقراطي المضنية في حد ذاتها، بل في المقام الأول في بناء مؤسسات الدولة من الصفر تقريبًا.

لقد اعترف الرئيس السيسي، وحسنًا فعل، بقلقه من عجز الدولة المصرية، مشيرًا إليها تارة بأنها «شبه دولة»، وشاكيًا تارة أخرى من الخراب الذي خلفه الرئيس الأسبق مبارك. لكن السياسات التي انتهجها لم تترجم هذا القلق إلى حلول فعالة، بل زادت الطين بلة. إهمال عملية إصلاح المؤسسات كرّس من تآكلها، وزيادة الاعتمادية على القطاع العسكري أخل بالتوازن المدني – العسكري في بنية الدولة، والعبث بمبدأ الفصل بين السلطات بشتى الأدوات مآله نقصان في رصيد الثقة بأداء ونوايا مؤسسات مركزية لا حياة لمجتمع بدونها، كما أن التوسع في النشاط الريعي لا يخلق دولة قابلة للنمو، بل منتفعين قابضين على مصالحهم كالقابض على الجمر.

الفشل في التغيير المادي رافقه بلا شك إخفاق على مستوى التغيير الاجتماعي على كافة مستوياته. مثلًا، هل انتصرت الدولة في معركتها مع انتشار الأفكار المتطرفة أو نجحت في الحد من انتشار عادة الثأر أو الختان أو التحرش الجنسي؟ هل وفّقت في وأد الثقافة الذكورية وتعزيز ثقافة المساواة بين الجنسين؟ هل أفلحت في خلق إنسان لا يصوّت في الانتخابات لأسباب عائلية وقبلية؟ هل أعادت رتق نسيج العلاقة بين المسلمين والمسيحيين؟ هل غيّرت وجه الحياة في الريف، أو حتى المدن؟

أين نبدأ إذًا؟ ربما بطرح مجموعة من الأسئلة المحورية عن واقع الدولة الراهن في مصر. في المستوى الأعلى من النظرة القيمية، ثمّة سؤال عن كينونة الدولة في مخيلتنا، يتمحور حول أيهما يخدم مَن؟ هل يفترض أن تكون الدولة في خدمة المواطن أم أن المواطن هو الذي يجب أن يكرس نفسه لخدمة الدولة؟ ثم، ولأن الدولة ينبغي لها أن تكون تعبيرًا عن المصلحة الوطنية ككل، وقوة دافعة خلف التضامن والتماسك المجتمعي، أفلا يجدر بالتبعة الحيلولة دون أن تصبح أداة لتكريس هيمنة فئة أو طبقة على الأخرى؟ أيضًا، هل ينبغي أن تقوم العلاقة بين مؤسسات الدولة على مبدأ المشاركة والتعاون أم الاستحواذ والابتلاع؟ وهل تستقيم العلاقة بين الدولة والمواطنين بالقهر وحده؟ وبالطبع، كيف يمكن للدولة أن تفهم وتواكب التغيير الاجتماعي المتسارع، ناهيك عن أن تعبّر عنه، بأجهزة كسيحة وعقول بالية؟

بشكل أكثر تجردًا، ثمة قواعد أولية، أو سَمِّها بديهيات، ينبغي ألا تغيب عن البال أبدًا، منها أن البناء -أي بناء- يرتكز على مصفوفة من الدعامات، إن هوى أو وهن منها واحد، انهار البناء برمته. ومنها أن قدسية العلاقة بين الجزء والكل تفرض -وبصرامة – أن يبقى الجزء جزءًا من كل، لا أن ينضوي الكل تحت لواء الجزء. ومنها أن الحديث مهما بلغ جمال زخارفه وثقة قائله لا يغني أبدًا عن الفعل. ومنها أن السلطة مفسدة، وأن الأيام كاشفة، وأن الضغط يولد الانفجار، وأنه لا يصح في النهاية إلا الصحيح. 

ولذلك كله فحين يقول أهل السلطة إنهم بصدد «بناء دولة»، وأننا عما قريب «سنرى دولة جديدة». يحق لنا أن نتساءل: أي دولة، تحديدًا، تقصدون؟ وأي وسائل تعتمدون؟ وإلى أي مآل مصر ومجتمعها تقودون؟

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن