كثير من الكلام وقليل من الفعل: ما وراء تعطل طرح شركات الحكومة في البورصة
 
 

تضمنت تعهدات مصر لصندوق النقد الدولي برنامجًا لبيع حصص من الشركات الحكومية في البورصة، في إطار خطة «الإصلاح الاقتصادي» المتفق عليها بين الطرفين، لكن هناك علامات استفهام كثيرة حول هذا البرنامج، الذي تسير خطواته بشكل عشوائي ومتذبذب، ولا يبدو أمره محسومًا رغم مرور ما يقرب من ثلاث سنوات على الاتفاق مع صندوق النقد.

بدون إبداء أسباب واضحة، تعلن الحكومة من حين لآخر عن بدء البرنامج ثم تأجيله، وتدخل بعض الشركات في إطاره، ثم تخرجها وتدخل غيرها، ويتم الإعلان عن موعد بدء مرحلته الثانية دون الانتهاء من الأولى. وعلى هذا المنوال يسير برنامج الطروحات الحكومية منذ إعلان وزارة المالية عن قائمة الشركات المطروحة في مارس 2018، فيما رجح محللون أن السبب في تعثر البرنامج يعود لضعف سوق المال وخسائر الشركات المدرجة في الخطة وتضارب أهداف الوزارات المختلفة المعنية بالطرح.

ويشمل البرنامج طرح حصص متفاوتة من 23 شركة مملوكة للدولة في البورصة المصرية، منها 14 شركة ستقيد للمرة الأولى بالبورصة، وتسع شركات لديها أسهم متداولة بالفعل في سوق المال، وستقوم الحكومة بزيادة النسبة المطروحة للتداول من أسهمها. والتزمت الحكومة بطرح هذه الشركات خلال مدة تتراوح بين 24 – 30شهرًا، بدأت مع الإعلان عن البرنامج في مارس 2018. وتوقعت الحكومة أن تبلغ حصيلة بيع حصص متفاوتة من تلك الشركات نحو 80 مليار جنيه.

لكن بعد مرور أكثر من 20 شهرًا منذ الإعلان عن البرنامج، فإن الحكومة لم تطرح فعليًا سوى حصة من شركة واحدة من بين الـ 23 شركة، وهي الشرقية للدخان.

كثير من الكلام وقليل من التطبيق

كانت البداية في مارس 2018 حينما أعلنت وزارة المالية قائمة الشركات التي تملك الدولة نسبة كبيرة من أسهمها، وهي مدرجة بالفعل في البورصة، وتسعى الحكومة في برنامجها لبيع حصة جديدة منها عن طريق البورصة، وتشمل تسع شركات هي: الشرقية للدخان، ومصر الجديدة للإسكان، ومدينة نصر للإسكان، وأموك، و مصر للألومنيوم، و سيدي كرير للبتروكيماويات، وأبو قير للأسمدة، والإسكندرية لتداول الحاويات، بنك التعمير والإسكان.

أما الـ 14 شركة التي أعلنت الحكومة في بداية البرنامج أنها ستطرحها للمرة الأولى في البورصة فمنها: الهندسية للصناعات البترولية والكيماوية (إنبى)، والحفر المصرية للبترول، والشرق الأوسط لتكرير البترول (ميدور)، وأسيوط لتكرير البترول، والمصرية لإنتاج الإيثلين ومشتقاته (ايثيدكو)، والوادي للصناعات الفوسفاتية والأسمدة، والمصرية ميثانكس لإنتاج الميثانول (إيميثانكس)، والمصرية لإنتاج الألكيل بنزين (إيلاب)، وبورسعيد لتداول الحاويات، ودمياط لتداول الحاويات، وتكنولوجيا تشغيل المنشآت المالية «E-finance»، ومصر للتأمين إلى جانب بنكي الإسكندرية والقاهرة.

وبعد أربعة أشهر اعتمد  مجلس الوزراء خمس شركات من القائمة كدفعة أولى في برنامج الطروحات الحكومية بالبورصة، وأعلنت اللجنة المختصة أن الطرح سيبدأ في أكتوبر 2018 بحصة من شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، تليها في نوفمبر حصص من شركتي أموك والإسكندرية لتداول الحاويات، أما ديسمبر فكان من المقرر له أن يشهد بيع حصة من أبوقير للأسمدة، ولم يتم تحديد موعد طرح الشركة الخامسة، الشرقية للدخان وقتها.

بحلول سبتمبر 2018، غيرت الحكومة دفة البرنامج 180 درجة بإعلانها عن بدء المرحلة الأولى بطرح نسبة 4.5% من «الشرقية للدخان»، وهي الشركة التي لم تكن موجودة على الخريطة الزمنية المعلن عنها في يوليو.

وبينما تأهب سوق المال والمستثمرون فيه لاستقبال طرح الشرقية للدخان، أعلنت الحكومة يوم 19 أكتوبر عن تأجيل الطرح، لأجل غير مسمى. وأرجع وزير المالية وقتها التأجيل لأزمة الأسواق الناشئة التي تسببت في ضعف السيولة وتراجع قيم التداول بالبورصة المصرية.

وكانت الأسواق الناشئة قد عانت من أزمة ناتجة عن زيادة أسعار الفائدة في الولايات المتحدة خلال الفترة الماضية بوتيرة سريعة، ما دفع المستثمرين في الأوراق المالية (ومنها الأسهم المطروحة في البورصة) على مستوى العالم إلى الخروج بسرعة من الأسواق الناشئة والتوجه إلى السوق الأمريكي، وبالتبعية تأثرت البورصة المصرية بهذا الاتجاه.

ثم في يناير 2019، قرر وزير قطاع الأعمال هشام توفيق استبعاد إحدى الشركات المقرر طرح نسبة منها في المرحلة الأولى، وهي شركة أموك، لتقتصر الدفعة الأولى من البرنامج على أربع شركات بدلًا من خمس.

ثم اختفى برنامج الطروحات عن الأضواء عدة أشهر إلى أن ظهر مرة أخرى مساء 1 مارس الماضي، وقبيل صرف الشريحة قبل الأخيرة من قرض صندوق النقد الدولي التي كان مقررًا صرفها في أبريل، بإعلان طرح 4.5% من أسهم الشرقية للدخان خلال يومين. ونفذ الطرح بالفعل.

وكان من المتوقع أن يتوالى بيع الحصص المحددة في الشركات تباعًا بعد طرح «الشرقية للدخان»، لكن قرارات الاستبعاد والتأجيل سيطرت على المشهد.

ففي الشهر التالي لطرح «الشرقية للدخان»، استُبعدت شركة مصر الجديدة للإسكان من الشركات المرشحة لبيع حصة منها، وبذلك لم يتبق من المرحلة الأولى للبرنامج سوى شركتين هما الإسكندرية لتداول الحاويات وأبوقير للأسمدة، وحدد لهما وزير قطاع الأعمال موعدًا للطرح قبل شهر رمضان، الموافق مايو الماضي، وهو ما لم يحدث.

 لم يشهد البرنامج عقب ذلك أي حراك من أي نوع سوى بعض التصريحات التي جاءت متضاربة في بعض الأحيان، فرغم الإعلان أكثر من مرة عن استبعاد شركة مصر الجديدة للإسكان، أبلغت الشركة إدارة البورصة في بيان إفصاح في منتصف يوليو الماضي بعودتها لبرنامج الطروحات الحكومية بمرحلته الأولى، عن طريق طرح 22% من أسهمها، نصفها لمستثمر رئيسي تتفاوض معه وزارة قطاع الأعمال والشركة القابضة للتشييد والبناء (المالكة المسؤولة عن حصة الحكومة في الشركة)، ليتولى إدارة شركة مصر الجديدة (أكبر بنك أراضي في القطاع العام)، وبذلك تصبح الحصة المتوقع طرحها للتداول العام في البورصة نحو 11%.

وكانت وزارة قطاع الأعمال ذكرت في مايو الماضي أن المرحلة الثانية من البرنامج، والتي أعلن الوزير أنها ستبدأ في الربع الأخير من العام الجاري (سبتمبر – ديسمبر) ستبدأ بطرح حصة من شركة إي فاينانس وشركتين تعدينيتين، وهو ما لم يحدث حتى الآن.

بالنهاية وصلنا إلى منتصف شهر نوفمبر ولم يشهد البرنامج أي تطور، رغم تصريح وزير قطاع الأعمال في 22 سبتمبر، الذي أكد فيه أن إحدى الشركتين، الإسكندرية لتداول الحاويات أو أبوقير للأسمدة، سيتم طرحها خلال أسبوعين.

ما سبب ارتباك خطة الطرح؟

لا تعلن الحكومة عن أسباب التغييرات المتوالية في خطة برنامج بيع الشركات في البورصة، إلا أن المتعاملين في سوق المال يؤكدون أن الأمر يعود بالأساس إلى وضع البورصة، من حيث حجم التداول والسيولة، وكذلك الحالة المالية للشركات المقيدة بالبورصة، والتي يشملها برنامج الطروحات ببيع حصص إضافية.

عمرو الألفي، مدير قطاع البحوث بشركة شعاع لتداول الأوراق المالية، يرجع عدم التزام الحكومة بالمواعيد المعلنة لتنفيذ برنامج الطروحات إلى ظروف السوق التي وصفها بأنها لم تكن مناسبة، خاصة خلال الربع الثاني من العام الجاري، وذلك نتيجة ضعف قيم التداول وشح السيولة التي عانى منها سوق المال في تلك الفترة.

يتفق مع الرأي السابق، محمد كمال المحلل الفني بإحدى شركات الوساطة المالية، قائلًا: «منذ بداية 2019 وأحجام التداول اليومية ضعيفة جدًا، فخلال الربع الثاني كانت أحجام التداول تدور حول متوسطات تتراوح بين 200- 300 مليون جنيه، وبالرغم من التحسن الذي أحرزته خلال الربع الثالث إلا أنه كان طفيفًا وغير مشجع لعملية الطرح، حيث تراوحت متوسطات التداول في الربع الثالث (يوليو- سبتمبر) ما بين   400 – 500 مليون جنيه يوميًا، وهي نفس المتوسطات التي تسير عليها قيم التداول منذ بداية الربع الرابع لهذا العام، في حين أن المعدل الطبيعي لاحجام التداول كان يتراوح بين مليار ونصف و2 مليار يوميًا، حسب قوله.

 ويقول الألفي إن طرح «الشرقية للدخان» جاء في ظل ضعف السيولة نظرًا لأن 95% من الأسهم المباعة طرحت طرحًا خاصًا لمستثمر واحد، هو محمد العبار، لذلك ربما تكون الحكومة حاليًا تبحث عن مستثمرين رئيسيين تطرح لهم الأسهم طرحًا خاصًا، وهو ما يعرقل عمليات الطرح العام.

و يرجع صلاح حيدر، كبير محللي «بايونيرز القابضة»، تدني السيولة بالسوق لعوامل داخلية مثل ترقب السوق لخطوات الحكومة المتعلقة برفع أسعار الوقود في الربع الثاني من 2019، ثم ترقب السوق لمعرفة تداعيات هذه الزيادات على القوائم المالية للشركات من خلال تأثيره على تكاليف الإنتاج وبالتالي ربحية الشركات، بالإضافة إلى استمرار أسعار الفائدة الحقيقية (سعر الفائدة مخصومًا منه معدل التضخم) عند مستويات مرتفعة، كما توجد أسباب خارجية تتمثل في التوترات التجارية بين أمريكا وكل من الصين وإيران، واستمرار تداعيات أزمة الأسواق الناشئة التي تسحب السيولة للأسواق الخارجية.

«السوق بوضعه الحالي بعد التراجعات التي سجلتها البورصة في أعقاب تظاهرات 20 سبتمبر الماضي لا يوحي باحتمالية تنفيذ أي طروحات في الوقت الراهن» يقول حيدر.

 يرهن حيدر استئناف برنامج الطروحات، حال وجود  نية لاستكماله، بتحسن أحوال البورصة، التي حققت خسائر سوقية بلغت نحو 107 مليارات جنيه خلال الربع الثالث من العام الجاري (يوليو – سبتمبر)، ليبلغ رأس المال السوقي لأسهم الشركات المقيدة نحو 803.8 مليار جنيه، مقارنة بـ  910.8 مليار جنيه خلال الربع السابق له بانخفاض بلغ 11.7%، وفقًا لتقرير البورصة الربع سنوي، وكانت الخسائر استكملت رحلتها خلال الربع الرابع والأخير لهذا العام، حيث بلغ رأس المال السوقي للأسهم المقيدة بالبورصة نحو 715 مليار جنيه متراجعًا بنحو 88 مليار جنيه منذ أول أكتوبر حتى جلسة 20 نوفمبر.

«ما كان ممكنًا في بداية العام لم يعد ممكنًا في نهايته» هذا ما يقوله حيدر مشيرًا إلى تأثير طرح شركة أرامكو السعودية على أداء السوق السوق المصري. ويقول إن طرح «أرامكو» له تأثير غير مباشر على البورصة ولكنه يعد تأثيرًا فعالًا، موضحًا أن أسهم «أرامكو» ستجذب المستثمرين العرب والأجانب على وجه الخصوص، ما يتسبب في خروجهم من السوق المصري ولو بشكل جزئي، والذي يؤدي بدوره إلى مزيد من نقص السيولة ومن تراجعات رأس المال السوقي.

 ويضيف حيدر أن تراجع قيم رأس المال السوقي يعني تراجع سعر أسهم الشركات المدرجة بالبورصة، ما يجعل من الصعب طرح أسهم لشركات مدرجة حاليًا في ظل انخفاض الأسعار، لذلك يكون طرح أسهم شركات جديدة  في البورصة هو الأوقع الآن، عند استكمال الحكومة للبرنامج، حسب رأيه.

النتائج المالية للشركات المتضمنة ببرنامج الطروحات أحد أسباب تأجيل البرنامج أيضًا، بحسب الألفي، حيث حققت بعضها خسائر دفعت الحكومة لإرجاء عملية الطرح، فيما حققت أخرى أرباح أعطتها الأولوية على غيرها.

ومن واقع ميزانيات الشركات المعلنة فقد ارتفع صافي أرباح شركة أبوقير للأسمدة  بنسبة 33.41% في التسعة أشهر الأولى من السنة المالية 2019/2018 محققة صافي ربح 2.59 مليار جنيه، وهو ما يجعلها المرشح الأول التالي لـ «الشرقية للدخان» إذا ما قررت الحكومة استئناف البرنامج.

بالمقابل تراجعت أرباح شركة «أموك» المستبعدة الآن من خطة الطرح بنحو  69% خلال التسعة أشهر الأولى، مسجلة 329 مليون جنيه مقابل 1.05 مليار جنيه للمدة المقابلة، وهو ما ارتبط بخروجها من خطة طرح حصة إضافية منها في البورصة.

 أما شركة مصر الجديدة للإسكان المستبعدة مبدئيًا من الطرح، فتراجعت أرباحها بنسبة 67% خلال التسعة شهور الأولى من السنة المالية الجارية، محققة صافي ربح قدره 39.5 مليون جنيه مقابل 120.4 مليون جنيه في المدة المناظرة من السنة الماضية، وهو ما يبرر قرار التراجع عن طرحها. وتمتلك الشركة أكبر حصة من الأراضي المملوك للقطاع العام، تصل قيمتها إلى 80 مليار جنيه وفقًا لتصريحات رسمية.

ولعبت نتائج أعمال «الإسكندرية لتداول الحاويات» دورًا واضحًا في تأجيل الطرح الخاص بها، بالرغم من أنها كانت المرشح الأول للطرح بعد الشرقية للدخان، وتراجعت أرباحها بنحو 21% خلال التسعة أشهر الأولى من السنة المالية الجارية مسجلة 1.5 مليار جنيه، مقابل 1.9 مليار جنيه عن نفس الفترة من السنة الماضية.

ويعتبر كمال تعدد الوزارات المشرفة على البرنامج أحد أسباب الارتباك الحاصل في تنفيذه أو وضع جدول زمني له، نظرًا لأن أهداف الوزارات ليست واحدة، فمثلًا وزارة المالية تضع عينيها على الحصيلة التي ستؤول من البرنامج للخزانة العامة لذلك تطمح في أعلى سعر، بينما تهدف وزارة الاستثمار لتعظيم حصيلة الاستثمارات غير المباشرة من خلال الطرح تحت أي ظرف لزيادة القيم السوقية للأسهم المدرجة بالبورصة، فيما تهدف وزارة قطاع الأعمال من البرنامج لتحقيق التزاماتها تجاه صندوق النقد بتنفيذ البيع، وبهذا تتضارب المصالح من برنامج الطرح، ما يؤدى إلى الارتباك الحاصل حاليًا.

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن