علاء أبو فخر: شهيد أحيا انتفاضة
 
 
المصدر: مروان طحطح
 

اليوم تتم الانتفاضة اللبنانية شهرها الأول، تعلن انتهاء مرحلة وبداية أخرى، لعب دور النقطة الفاصلة فيها مقتل الشاب علاء أبو فخر على يد المرافقة الأمنية لضابط كبير في استخبارات الجيش. 

اختلطت لحظة موت علاء مع مقابلة مثلت الظهور الثالث للرئيس اللبناني ميشال عون منذ الانتفاضة. عكست المقابلة نقطة تحول لدى الرئيس ومن ورائه النظام، فالرئيس الذي قال في ظهور الثاني «أحبكم كلكن… كلكن يعني كلكن»، ظهر في المقابلة الأخيرة ليقول للمنتفضين «يروحوا يهاجروا».

خرج علاء بعد مقابلة عون، شارك في اعتصام في منطقة خلدة. هناك، مرت سيارة تابعة لضابط كبير في استخبارات الجيش، أطلق مرافقه الرصاص على الاعتصام، فسقط علاء قتيلًا أمام زوجته وابنه. 

المشهد الدرامي لم يكتمل بعد. فعلاء ينتمي للحزب التقدمي الاشتراكي الذي يرأسه وليد جنبلاط. والضابط نفسه، هو أيضًا مقرب من جنبلاط. أتى استشهاد علاء ليقول الكثير من الرسائل، نقلتها ألسن المتظاهرين عقب يومين من حادث موته.

منذ الإعلان عن سقوط مصاب في خلدة، والإعلان بالتالي بأن الضحية هو علاء أبو فخر، وأنه قد مات بالفعل، عادت مشاهد بداية الانتفاضة للحدوث.

عاد قطع الطرقات بحرق الكاوتشوك إلى بيروت وطرابلس وعكار وصيدا وجل الديب. أقام المعتصمون في مختلف الساحات مشاهد تشييع رمزية. وزار جسد علاء الاعتصام في ساحة الشهداء وسط بيروت، واكبته تظاهرة حاشدة من المعتصمين. شيعته مناطق بيروت ونهر الكلب وخلدة والشويفات وطرابلس وصيدا والنبطية وجل الديب وعرسال ومرجعيون وزحلة وراس المتن وبعلبك والهرمل وجبيل وعالية وعكار.. باختصار في كل لبنان، ولدى كل الطوائف.

وفي بلدته الشويفات، وصلت وفود من المنتفضين من مختلف المناطق، هتفوا باسمه، ورفعوا ابنه عاليًا. وهناك أيضًا شارك تيمور جنبلاط ابن زعيم الطائفة الدرزية وليد جنبلاط، إلى جانب قيادات سياسية أخرى، في عزاء «شهيد الثورة».

المصدر: مروان طحطح

هنا، يتحدث معنا (و.ع)، شاب من منطقة عالية، وهو من طائفة الموحدين الدروز، فضّل التحدث معنا دون الكشف عن اسمه كاملًا.

قال لـ«مدى مصر» إنه من الضروري الحديث قليلًا عن علاقة أسرة جنبلاط بمحيطها الدرزي. وأوضح «العلاقة بين أمراء الطوائف وجمهورهم في لبنان عنوانها الأساسي هو شراء انتماء الناس إلى طوائفهم وليس إلى وطنهم. لكن في السعي لتحقيق هذا الانتماء نجد وضعية خاصة للدروز».

واستطرد: «المسيحيون يتأرجحون بين أكثر من زعيم. لديك أمثال سمير جعجع وآل الجميل، هؤلاء يسوقون شعبيتهم بالحديث عن التاريخ وحماية المسيحيين في وجه اللاجئين الفلسطينيين، وهذا الطرف يتنافس مع التيار الوطني الحر، وتحديدًَا رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره وزير الخارجية جبران باسيل، وهؤلاء يروجون لتاريخ عون في مقاومة الاحتلال السوري للبنان، والآن يعتمدون على خطاب التخويف من اللاجئين السوريين».

يكمل: «لدى السنة والشيعة، فإن العلاقة الزبائنية بين الأحزاب الطائفية والجمهور واضحة أكثر. المشاريع السياسية مثلًا لتيار المستقبل أو حزب الله وحركة أمل، هي مشاريع قائمة على الرشى الاجتماعية وتوفير فرص العمل والمنح الدراسية والعلاج الصحي وما إلى ذلك. لكن عند الدروز فالأمر مختلف كثيرًَا».

يوضح (و.) «علاقة عائلة جنبلاط، من أول الجد كمال والابن وليد وصولًا للحفيد تيمور، هي علاقة معقدة قليلًا. أولًا، العائلة لديها سيطرة شبه مطلقة على الطائفة، برغم وجود زعامات أخرى لكنها في الحقيقة ليست مؤثرة. العائلة لا تؤثر على دروز لبنان فقط، بل أن لهم مكانة لدى دروز سوريا وفلسطين المحتلة، وحتى الدروز في المهجر. هناك قناعة لدى أبناء الطائفة أن وليد جنبلاط تحديدًا حماهم في حرب الجبل في مقابل المسيحيين الموارنة، لم يُهجروا هم من الجبل، بل المسيحيين، وذلك برغم العدد القليل جدا لأبناء الطائفة… العلاقة مع جنبلاط ليست علاقة زبائنية كباقي الطوائف، بل علاقة وجود وحماية الطائفة قليلة العدد وسط المنطقة التي تواجه تحديات كبيرة في سوريا ولبنان وإسرائيل».

قدّم المشهد المتناقض لتشييع الشهيد الثاني للثورة، بعد حسين العطار (قتل في الأيام الأولى للانتفاضة، لكن موته لم يأخذ نفس الزخم إذ أنه قتل من قبل مواطن آخر مدني وليس من قبل عنصر نظامي من أجهزة الدولة)، إجابات واضحة لأسئلة السلطة، لاسيما الفريق المقرب من حزب الله، الذي هو أيضًا الحليف الأهم لتلك السلطة، وضامن بقائها بقوة تأثيره السياسي وسيطرته الأمنية والعسكرية، إلى جانب تمثيله في البرلمان والحكومة. تلك الأسئلة التي عادة ما تحمل إجابات مسبقة في طياتها، من نوع «هل هذا تحرك عفوي من الأساس، أم أن هناك من يوجهه؟»، السؤال واحد لكن الإجابات مختلفة، إجابات نفس الفريق. تارة تكون «السفارات» تحرك الناس، وأخرى تكون «الزعامات السياسية المناهضة لحزب الله هي من تحركهم».

علي، شاب جاء من مدينة صيدا ذات الأغلبية السنية القريبة من موقع استشهاد علاء، قال لـ«مدى مصر» خلال الجنازة إن «موت علاء كان صدمة لنا جميعًا بالطبع، لكنه كان صدمة ضد جميع أبواق السلطة في نفس الوقت. راقب كيف يدلل المقربون من طبقتنا السياسية بموت علاء وحضور قيادات الحزب الاشتراكي تشييعه، بأن ذلك دليل على أن انتفاضتنا موجهة، ومخطوفة من قبل بعض الأطراف السياسية. موت علاء هو بيان لكثير من الأمور».

يشرح علي: «بخصوص مشاركة الاشتراكي [تسمية تطلق على المنتسبين لحزب جنبلاط] نفسه هو أمر طبيعي. الزعامات هذه تسعى لتملق الناس ولا تتوانى عن محاولات ردّهم إلى الطاعة الطائفية. في الحقيقة، لو استشهد شاب سني ستجد الحريري ينعيه، والأمر نفسه مع الشيعة والمسيحيين. هذه سمات الزعامات الطائفية في لبنان، هؤلاء فقط لا يريدون أن يروا مشاهد التشييع الرمزية التي عمّت كل لبنان. هنا أيضًَا أريد الإشارة إلى أن تاريخ لبنان لم يشهد تشييعًا لشخص ما بهذا الإجماع. لم يمت أحد في لبنان، نعاه كل اللبنانيين».

من الممكن استخدام نفس الزاوية التي رأى منها علي الأمر للنظر إلى علاقة الطبقة الحاكمة في لبنان مع هذا التحرك الجمعي. فمثلما حاول البعض استخدام الانتماء الطائفي لعلاء للإيحاء بأن التحرك هذا «موجه»، فقد تم استخدام نفس المنظور في أوقات سابقة.

يكمل علي «في أوقات سابقة، أشار مناصرو حزب الله وحركة أمل وأبواقهم في الصحف والقنوات الفضائية، إلى أن هذا التحرك موجه من قبل حزب القوات، لمجرد أن هناك اعتصامًا في مناطق نفوذ ذلك الحزب. في الحقيقة، هؤلاء لم يستطيعوا قراءة ما يحدث فعلًا. نعم، هناك تحركات في مناطق القوات، بالضبط كما [أن] هناك تحركات في مناطق غيرهم من الأحزاب السياسية الشريكة في الحكم. الناس هناك ليسوا خرافًا تتحرك بأمر الزعيم. الناس هناك أولًا لديهم تناقضات مع زعامات هذه الأحزاب، وثانيًا، فإن هذه الأحزاب تحاول تملق الحراك والمشاركة فيه لتستوعب جمهورها من جهة، وللحاق بالركب الثوري ومحاولة التملص من السلطة من الجهة الأخرى. الأزمة باختصار هي أن منظري هذا الفريق لا يعتبرون المواطنين في جل الديب مثلا كجزء من المجتمع، لديهم مطالب مشتركة مع باقي الناس».

كان علاء منتسبًا لحزب طائفته. كما كان الكثيرون من الشباب اللبناني مدفوعين في أوقات سابقة لانتماءاتهم الطائفية أو السياسية التقليدية. لكن «الثورة» كما يقول الشباب هنا «أنارت الكثير في داخلنا»، جعلت علاء نفسه قبيل استشهاده يكتب مخاطبًا النواب عن حزبه «يا نواب اللقاء الديموقراطي (اسم الكتلة البرلمانية) عودوا إلى رشدكم… عودوا إلى الشعب».

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن