كتب للأطفال يقرأها الكبار| 5- «أغنيات إلى الأشياء الجميلة»
 
 

على غير عادته، أصدر المفكر الإسلامي وعالم الاجتماع عبد الوهاب المسيري ديوانًا، من الشعر الحر للأطفال بعنوان «أغنيات إلى الأشياء الجميلة»، دار الشروق، (عام 2002). يتناول فيه موضوعات مختلفة في الحياة، أهداه لطفلته ربما بغرض تربيتها أو مؤانستها بشيء مفيد في أوقات لعبها أو ربما لتتذكره دائمًا بتلك الهدية المميزة.

يُلخِّص عنوان الكتاب المحتوى دون فلسفة أو التفاف، فالكاتب يُغنّي بالفعل للأشياء الجميلة غناءً لطيفًا هادئًا، لتتلقاه روح أميرته الصغيرة التي يراها تستحق الغناء لها. وتصاحب كلمات الديوان رسومات معبرة للرسامة صفاء نبعة، نالت عنها جائزة التميز في الرَّسم لأدب الطِّفل عام 2002، كما حصل الديوان على جائزة منظمة IBBY العالمية عام 2004. وبحق، يمكن اعتبار الرسوم قصائد والقصائد لوحات. 

يقول المسيري في قصيدة «النجمةُ والنغمة والزهرة»: 

إن استيقظتِ يومًا عند الفجر يا فتاتي
وسقطت من السماء نجمة،
وأمسكتِ بها في يديكِ،
فلتسألي نفسك إذن:
هل أمسك بالنجمة،
أم أعيدها إلى قبة السماء
تسبح بالقرب من القمر،
ثم أجلس أنا على قمة تل صغير
بجوار زهرة،
أنظر إليها
وأسمع غناء الطير وصوت الريح؟

قد تجد اللغة بسيطة، ولكن ما وراء اللغة يشفع لها. وربما لا تتسم الصور البلاغية في القصائد بالدقة وكثرة التشبيهات العميقة، ولكنها تؤدي دورها الوظيفي باقتدار. لا يستخدم المسيري ديوانه ليبث أفكارًا كبيرة في وعاء صغير، ولكنه فقط يحتفي بالجَمال؛ الألوان والنجوم والأزهار والموسيقى وشم النسيم وطقوس رمضان وابنة سلطان الأساطير والبيوت الدافئة. كما تَنقَل الكاتب بين أفكار القصائد في انسيابية، تنقُل الفراشات بين الزهور. 

ليست هذه هي التجربة الأولى للمسيري في أدب الأطفال، فقد سبق وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان الأميرة والشاعر (عام 1993)، وسبع قصص في إطار سلسلة تسمَّى حكايات هذا الزمان (عام 2000)، لبس فيها رداء الحكَّاء ليقدم العديد من الأفكار والقيم التربوية للأطفال، ويمهد لهم طريق القراءة في المستقبل. 

في تمهيده للقصائد، يقول المسيري: «ضحكت نور ثم أمسكت بكتابِ القصائد وقالت: يا ظريفُ، القصائدُ ليست صعبة، بل هي سهلةٌ وجميلةٌ مثل الأغاني. هذه القصائد كتبها لي أبي في عيد ميلادي، اسمها: أغنيات إلى الأشياء الجميلة». لعله في يومٍ من الأيام تكبُر نور وتُمسِكُ بكتاب القصائد وتحكي لأبنائها أن هذه الأغنيات أهداها لها والدها في عيد ميلاها، وتحاول إقناعهم بسهولة وجمال القصائد. وفي رأيي، هذه المقدمة هدية أخرى داخل الهدية. 

لا يستورد الديوان أشخاص وأماكن وتراكيب غريبة عن الثقافة المحلية أو عن واقع الأطفال العرب. ففي البداية تأخذنا نور إلى جزيرة الدويشة، وتتحدث مع أصدقائها ياسر ونورا ونديم، والديك حسن والجَمَل ظريف. 

ينقسم الديوان إلى قسمين؛ الأول بعنوان «الطفولة» يبدأ فيها المسيري بالألوان حيث الأخضر والأزرق، وهما من الألوان المهدئة للأعصاب، والأكثر استخدامًا في غرف الأطفال، خاصةً الأخضر الذي يساعد على سرعة الاستيعاب والقدرة على التركيز. ولم يتطرق إلى الألوان الداكنة ليفتح شهية ابنته على العالَم المُهدَى إليها. ثم يقطف من كل بستان زهرة ويكشف لها جمال الكون ببساطة فهذه نجمة تلمع في قبة السماء، وهذا تغريد طائر ونغمة رياح، وينصحها ألا تقطف الزهرة ولكن حين تراها تقول: «سبحان الله، جميلٌ يحب الجمال». يكمل جولته مع طفلته فيُطلعها على طقوس شم النسيم من تلوينٍ للبيض واحتفاء بالطبيعة في مشاهد التحام البشر بالورود والشجر. ويُنبئها أنه في يومٍ ما ستودع «لهو الأطفال وألعابهم، والنوم في الظهيرة مع الملائكة، والأحلام الملونة.. ».

أما القسم الثاني «بعد الطفولة» فقد جاء متماشيًا مع توجهات المسيري الدينية، حيث يُعلِّم ابنته طقوس شهر رمضان من صيامٍ وصلاة وسحورٍ وإفطار وفوانيس وتجمع العائلة. بعد تغنيه بجمال هذه الشعائر والطقوس، تمر السنين وتكبر ابنته وتتذكر أحلام الطفولة الملونة وتلعب مع أطفالها بعد عودتهم من الحديقة وتحكي لهم الحكايات.

في الديوان ككل يحاول المسيري أن يُصور حياة كاملة، ولكن خالية من الكدر والحزن، وكأنها أمنيته لابنته أو حتى لا يصدمها بالواقع ومدى فوضويته. لم ينس أن يُعرفها بالموت، ولكن بتجميل هيئته وتسميته بدار العودة. واستخدم هنا لغة تراثية في بداية النَص بقوله «كل من عليها سيذهب إلى دار العودة»، فالتفاحة تسقط من الشجرة، والشمس تغرب خلف الجبال، والنجوم تودعنا عند مجيء الصباح.

من المُلاحَظ أن قُراء الكتاب على موقع جود ريدز الذين منحوا تقييماتهم، من فئة الشباب، وأكدوا في شِبه إجماع أن تلك المجموعة الشعرية قد مست روحهم وأعادتهم ولو لدقائق إلى عهد الطفولة. البعض جذبه اسم المؤلف، والبعض دفعه الفضول لمعرفة ما الذي قد يكتبه صاحب «موسوعة اليهود واليهودية» للأطفال بهذه العقلية، ليظهر لهم بقلبِ أبٍ لا عقل باحثٍ ومفكر. جاءت تقييماتهم ما بين ثلاث نجمات إلى خمس نجوم. 

فبعد أن منحته يارا عبد الكريم (27 سنة) خمس نجمات قالت: «أغنيات للأشياء الجميلة أو للمعاني الجميلة المليانة طيبة وونس. ممكن ميكنش أحلى كتاب أطفال قرأته، بس أكتر كتاب أطفال حبيته». وتقول إسراء (22 سنة): «الكثير من اللُّطف والجمال والصفاء هنا، يجعلك تأخذ هُدنة مع الحياة وكل مؤرقاتها لترتاح ويهدأ عقلك». وكان رأيّ محمود حسني، الكاتب والمترجم المصري، أن تلك الأشعار «ليس بها شيء مختلف اختلاف مدهش، ولكنها هادئة بها بعض الدفء، تليق بباحث كعبد الوهاب المسيري». 

وستجد أن بعض الشباب يتداولون اقتباسات وصورٍ من الكتاب على موقع Facebook، معبرين عن تجربتهم اللطيفة في قراءته. 

قرأتُ الديوان تقريبًا في ربع ساعة، ثم أعدت قراءته ولكن بطريقةٍ مختلفة، حيث تراءى لي في الخلفية ذكرى مشهد من مشاهد الطفولة وأنا أحاول النوم وأمي جالسة بجواري تحكي لي حكايات عن الثعلب المكَّار، والأسد والأرنب، والأرنب والسلحفاة، وأبو الحسين الماكر الذي كانت نهايته أن ابتلع الصابونة أو سقط في تُرعة، لا أتذكر جيدًا الآن، ولكن أظن أن هذه القصة بالتحديد من خيال أمي حيث لم أجد قط مَن يرويها غيرها. فاعتبرت أني -مثل نور- حصلت على هديةٍ من أمي، عدة قصص أخصبت خيالي وأدفأت برد لياليَّ، وساعدتني في الحصول على نومٍ هانئ. 

اعلان
 
 
محمد سمير مصباح 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن