حوار| مُخرج «الحديث عن الأشجار»: أردت أن يرى الناس أفعال المقاومة للقبح
 
 

صهيب قسم الباري(1979)، مخرج سوداني شاب بدأ حياته العملية صحفيًا ثم باحثًا ليأخذه الطريق إلى عالم السينما الواسع، فيقتنص فيلمه التسجيلي الطويل الأول «الحديث عن الأشجار» جائزتين بالدورة الـ 69 بمهرجان برلين السينمائي الدولي (فبراير 2019) [جائزة أفضل فيلم وثائقي وجائزة اختيار الجمهور] قبل أن يشهد عرضه العربي الأول بمهرجان الجونة السينمائي (سبتمبر 2019) الذي حصل الفيلم من خلاله على النجمة الذهبية لأفضل فيلم تسجيلي، كما حصل مخرجه على جائزة مجلة «فاريتي» لأفضل موهبة بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 لاحقًا حصد الفيلم على جائزة التحكيم الكبرى بمهرجان مومباي السينمائي في دورته الحادية والعشرين (أكتوبر 2019)، كما توج بالتانيت الذهبي لأفضل فيلم وثائقي بمهرجان قرطاج السينمائي بتونس في دورته الثلاثين (نوفمبر 2019). ومؤخرًا التلقى الجمهور المصري بـ«الحديث عن الأشجار» خلال فعاليات الدورة الـ12 لبانوراما الفيلم الأوروبي برعاية سينما زاوية ضمن قسم «من هنا وهناك».

ويأتي «الحديث عن الأشجار» كامتداد للفيلم القصير «أفلام السودان المنسية» الذي أنجزه قسم الباري في العام 2017 ويروي حكاية عوض وبنيامين المنتميين لشمال وجنوب السودان يجمعهما هدف واحد خلال 40 عامًا، وهو الحفاظ على الذاكرة البصرية للبلاد من خلال إدارتهما للأرشيف الوطني للسينما السودانية. بينما في فيلمه الأخير «الحديث عن الأشجار» (2019) يصحبنا الباري في رحلة مع أربعة من رواد السينما السودانية بكل ما تحمله تجاربهم من انتصارات صغيرة وهزائم في محاولة لاستعادة حق الناس في مشاهدة الأفلام في الفضاء العام، من خلال معركة لإحياء سينما قديمة تحولت إلى أطلال بفعل المحاولات الدؤوبة من قبل السلطة لمحو الذاكرة.

صهيب قسم الباري أثناء إلقاء كلمته في ختام الدورة ال69 لمهرجان برلين الدولي،

والفيلم واحد من ثلاثة أفلام سودانية [ستموت في العشرين (2019) لأمجد أبو العلاء، وأوفسايد الخرطوم (2019) لمروة زين] تجوب مهرجانات العالم مؤخرًا كانعكاس لنجاح جهود جيل جديد من صناع الأفلام السودانيين، في محاولاته لإحياء المشهد السينمائي هناك، بعد موات متعمد استمر 30 عامًا، والتي تزامنت وتوجت بإحداث تغيير شامل في البلاد لا شك في أن الإرهاصات السينمائية الجديدة هي جزء مما مهد الطريق إليه وكذلك جزء من مستقبله. في هذا الحوار مع الباري نستكشف ذلك، بخلاف تجربته الشخصية في صناعة الفيلم وانتقاله من الصحافة للسينما، وهجرته خارج السودان والعودة إليه، ورأيه في ظرو ف الصناعة الحالية والسياسات التي تحكم المشهد الثقافي ببلاده.

رحلتك وصولًا إلى «حديث عن الأشجار» بدأت بمغامرة صحفية لتتبع مصير أرشيف السينما السودانية تمخضت عن فيلمك القصير «أفلام السودان المنسية»، ثم الآن هذا الفيلم الذي اقتنص أول جوائزه ببرلين ليطير حول العالم. حدثنا عن هذه الرحلة.

رحلتي مع «الحديث عن الأشجار» ابتدت قبل رحلتي مع أرشيف السينما السودانية. كنت قد عدت إلى  السودان أثناء دراستي للسينما للتجهيز لفيلم روائي طويل. واجه المشروع الكثير من العقبات المتعلقة بالوضع في السودان. كان درسًا قاسيًا، أفهمني أن القيام بعمل فيلم روائي في السودان الذي تسيطر عليه القبضة الأمنية يتطلب تقديم تنازلات أخلاقية مكلفة والتقرب من السلطات الفاسدة وامتلاك مهارات اجتماعية لتسهيل الأمور، مهارات لا أملكها ولا أندم لعدم امتلاكي لها. ففضلت أن أضحى بالمشروع نفسه.

لحسن الحظ لم ينته الأمر بتلك التجربة السيئة، فقد أتاحت لي تلك الزيارة أن أقابل أبطال «الحديث عن الأشجار». فتحوا لي أذرعهم واستقبلوني بحفاوة ووفروا لي أفلامهم وإصداراتهم عن السينما. بهرت بالعمق الجمالي والفكري في أفلامهم، هي أفلام شخصية وباحثة عن صوت خاص وأعجبت جدًا بكتاباتهم النقدية. وهكذا ابتدأت المغامرة ورافقتهم إلى عروض متجولة يقومون بها. حرصهم على مشاركة الأفلام مع الجماهير متحدين الظرف العام والتضييق والعواصف الترابية كان جميلًا وملحميًا بالنسبة لي وكان سببًا أساسيًا في خلق فكرة الفيلم.

أما عن أفلام السودان المنسية، فعملي البحثي عن أرشيف السينما السودانية، كان جزءًا من عمل بحثي أكبر حول الذاكرة البصرية عمومًا، وكنت أجوب الأرشيف الصحفي والفوتوغرافي للسودان، وعرفت بأمر الأرشيف السينمائي، وتتبعت قصته وزرته لأكتشف حجم الخراب المتعمد الذي حاق به في ظل حكم «الإنقاذ»، وهناك قابلت آخر حارسين للأرشيف بنجامين وعوض، وكان توحدهما وكفاحهما لحفظ الأرشيف السينمائي لبلد منقسم ملهمًا وهكذا كان «أفلام السودان المنسية».

وماذا عن اختيار الفيلم لمهرجان برلين؟ 

اختيار الفيلم لمهرجان برلين كان لحظة مهمة، جاءت كتتويج لفترة عمل شاقة بها الكثير من الصعوبات والشكوك والصراع مع الوضع العام والخاص. حين بدأت العمل بالفيلم، كنت أتوقع أن يتوقف في أي لحظة، بفعل السلطات اوالميزانية أو حادث أو شيء ما. كان في خاطري مشروع الفيلم الروائي الذي توقف وكنت أظن أن ذات المصير سيحيق بـ«الحديث عن الأشجار». ولم أصدق كليًا أن الفيلم شارف على الاكتمال إلا يوم جاءني خبر اختياره في برلين بداية يناير 2019، وبدأ السباق مع الزمن لإكمال نسخته التي ستعرض ووضع اللمسات الأخيرة من ترجمة ومواد للصحافة. كان الشهر الأخير من العمل قبل العرض هو الأكثر إرهاقًا ذهنيًا، حيث إنه كان يعني وضع الفيلم في قالبه النهائي تمامًا، وهو أمر صعب، شبيه بأن يكون لك طفل وتكتشف بأنه فجأة قد كبر وعليك أن تقبل بأنه سيغادر المنزل العائلي إلى حياته الخاصة.

مهرجان برلين كان تجربة مهمة، اتخذ الفيلم مكانه ضمن مجموعة كبيرة من الأفلام الوثائقية الإبداعية من أرجاء العالم في مهرجان يضع اعتبارًا كبيرًا للسينما الوثائقية الإبداعية. كذلك كانت تجربة ثرية كون المهرجان مفتوحًا للجمهور، ويمكن أن نحس من خلال أسئلة الجمهور بأننا نقف أمام جمهور مثقف سينمائيًا ومتطلب. ظننت حين أعلن فوز الفيلم بجائزة الجمهور بأنه لن يفوز بجائزة الفيلم الوثائقي كذلك، كنت أعتقد أن اختيارات الجمهور واللجان عادة ما تأتي متعارضة، لكن الفيلم انتصر على توقعاتي الخاطئة وفاز بالجائزتين.

عملت صحفيًا قبل أن تغويك كاميرا السينما، كيف جرت هذه النقلة بين عالم الصحافة والسينما، ما الذي يربط بين العالمين بالنسبة لصانع أفلام؟

عملي الصحفي جاء لاحقًا لدراستي للسينما، وكان في معظمه مرتبط بمشاريع قصيرة المدى، تنوعت بين الجانب التحريري والجانب التقني كالتصوير والمونتاج، استفدت منه كثيرًا، فيما أتاحه لي من تدريب على الاستقصاء والتساؤل وبناء القصة بشكل سريع والتعامل مع الكاميرا تحت ظروف غير مرتبة دائمًا. لكن اليوم، أظن أني غير صالح للعمل الصحافي، فأنا بطيء وأحب أن تأخذ الأشياء زمنها وأن تمنح المواضيع حقها في التحليل. قررت التوقف عن الصحافة التلفزيونية لأنها عجلة ضخمة تعنى كثيرًا بإنتاج أكبر كم من المادة دون تساؤلات كثيرة حول ضرورتها الحقيقية لحياة البشر. أقرأ الجرائد والصحافة النقدية والتحليلية، لكني لا أشاهد التلفزيون، الصحافة الورقية الجيدة هي أقرب عندي للسينما من قرب التلفزيون للسينما، لكني لا أمارسها. هناك بالطبع استثناءات في التلفزيون وبرامج بها تطلّب فني وفكري وإنساني وتتيح مساحة للسينما، لكنها الأقل.

فيلمان في أقل من ثلاثة أعوام يوثقان لتاريخ السينما السودانية المجهول للكثيرين، ألا تخشى أن يحبسك هذا العالم فلا تستطيع الفكاك منه، أم أنك قلت كل ما تريد بفيلمك الطويل «الحديث عن الأشجار». وتتأمل خطوة جديدة في موضوع آخر؟

لم يكن في نيتي عمل فيلمين في موضوعين متقاربين، لكن الأمر كان ضروريًا. ما يهم فعلًا هو أن تنطلق الأفلام من إحساس حقيقي بالضرورة. أنا ليست لدى رغبة في عمل أفلام كثيرة، بل أرغب في عمل أفلام قليلة وشخصية، أحس في قرارة نفسي بأنها ضرورية ولا مفر من عملها. هذا ما دفعني لعمل الفيلمين.

«الحديث عن الأشجار» ليس فيلمًا تاريخيًا عن السينما السودانية، هو لا يتناول إلا مجموعة من السينمائيين فقط. لم يكن في نيتي التنقيب في تاريخ السينما السودانية من خلال الفيلم، هذا الأمر متعلق أكثر باهتماماتي البحثية الأخرى. كنت حريصًا ألا أحصر شخوص الفيلم في الماضي، وقد جاء انفعالي بهم مما يقدمونه اليوم في نظري كنموذج في المكافحة وتجديد الأمل، إضافة إلى أعمالهم الفنية التي أحبها. كذلك، ليس فيلمي عن الأفلام التي صنعوها فقط، بل أيضًا عن الصور الغائبة التي لم تتحقق أو منعت من أن توجد. هو فيلم عما تحقق، وأيضًا عن الرغبة الباقية. أبطال فيلمي يفعلون ما هو أكبر من السينما في نظري، هم يعيدون أداة تعريف فكرة النجاح: ليس النجاح هو دائمًا ما يظهر للناس ويبهرهم بالأضواء والنجومية.

أما عن فيلم «أفلام السودان المنسية»، فإن مقابلة بنجامين ومعرفته عن قرب جعلتني أحس بضرورة أن أعمل فيلمًا عنه. وبعد موته صار الأمر دينًا علي. محركي الأول كان الأرشيف السينمائي ثم صار رغبة عارمة أن أعيد إلى بنجامين ولو شيئًا من العدالة الرمزية تعويضًا عن الظلم البغيض الذي حاق به، والاستهتار بمجهوده العظيم لحفظ جزء مهم من الذاكرة البصرية لبلد رغم حبه العميق له؛ لفظه وجعله أجنبيًا بين ليلة وضحاها بفعل ساسة لا يعني الإنسان لهم شيئا.

مشاريعي التي أعمل عليها الآن لا علاقة لها بتاريخ السينما، وإن كان لها علاقة بالذاكرة ودروسها، والمشروع الأساسي روائي.

الخوف على ضياع الذاكرة، أم الرغبة في أن يتلمس صناع الأفلام السودانيون الجدد تراث الرواد فلا يشعرون أنهم كورد النيل بلا جذور. أم إعادة النظر في تاريخ السودان من خلال تاريخ السينما.. أي من هذه الدوافع كان الأقوى في نفسك بينما تنجز فيلمًا طويلًا عن الأشجار/الجذور؟ لماذا يشغلك تاريخ السينما السودانية؟

كل تلك الأسباب صحيحة. كنت أريد بشكل ما أن أعكس أثر آلة المحو والإقصاء التي أطبقت على السودان منذ وصول الجبهة الإسلامية إلى السلطة. السلطة في السودان كان لديها مشروعًا واضحًا لإزاحة معارضيها جسديًا، وكذلك لمحو الذاكرة والتاريخ والفنون ومكتسبات السودانيين من نضالاتهم المدنية كلها. على مدار الثلاثين سنة من حكم البشير، أطبقت على حياة السودانيين مجموعة أرادت أن تفرض بالعنف ثقافة واحدة طفيلية غير مبدعة، وأن تمحو كل محاولة جميلة للسودانيين في جعل الحياة أقل قسوة. لم أرد بعملي أن أقول إن الماضي جميل والحاضر قبيح، هذا التبسيط غير صادق لكن كنت أريد أن يرى الناس أفعال المقاومة لهذا القبح، حتى الصغيرة منها.. حتى تلك التي هزمت إلى حين.

 أهمية إنقاذ الأرشيف السينمائي الضخم للسودانيين كبيرة لبناء السودان، أنا لا أنظر للأمر بشاعرية كما كان يفعل بنجامين شكوان حارس الأرشيف الأخير بطل فيلمي «أفلام السودان المنسية». أنا أرى الأرشيف كمادة خام عظيمة يجب أن تدرس وتحلل وتنتقد ويحتفى ببعضها كذلك. جزء كبير من الأرشيف الفيلمي الضخم أنتج في ظل حكومات كانت تفرض سيناريو رسمي لأغراض الترويج لأنشطة وسياسات، ولهذا فالأرشيف السوداني يحمل كمًا هائلًا من مواد البروباجاندا. لكنها مع ذلك مادة عظيمة ومهمة، يجب أن تنقذ وتصبح في متناول الناس، وتخضع للبحث، وتتحرر من قالب البروباجاندا، ففيها ذاكرة بصرية نادرة تفلت من السيناريو الرسمي في كثير من الأحيان. نحن في السودان نحتاج للعمل على الذاكرة الجمعية وفهم إخفاقاتنا ونجاحاتنا لبناء سودان عدالة حقيقية.

صنعت الفيلم في ظل ظروف ضاغطة، لكنك واصلت صنعه. حدثني عن أبرز الصعوبات التي واجهتك أنت وأبطال الفيلم خلال التصوير، وكذلك عن رحلة الإنتاج وكيف تجاوزتها؟ ما الذي تعلمته من التجربة؟

تعلمت الكثير، أن تصنع فيلمًا في السودان دون فريق كاف، يحتاج أن تعمل على كل الجبهات. بدأتُ التجربة وحيدًا: مصورًا ومخرجًا ومونتيرًا للنسخ الأولى لتقديمها لطلب التمويل ومديرًا للإنتاج وسائقًا. وكان الأبطال الأربعة يدعمونني بمحبة وبالتندر اللطيف مرات على أنني كالجوكر في لعبة الورق. بعد أشهر من العمل وحيدًا، تكوَّن فريق صغير في السودان، لولاه لما استطعت أن أكمل العمل دون أن أنهار صحيًا ونفسيًا. أنا مدين في إكمال هذا العمل لهذا الفريق الصغير الذي تفانى تحت ضغط عصيب، ومع تأخر الأجور وضعفها وصبرهم على ذلك وعلى صعوبة التصوير دون تصريحات. ظروف العمل في السودان دون تصريح من الجهات المسؤولة يجعل خياراتك ضيقة جدًا، لكنه يجبرك على ابتكار حلول لن تفكر فيها أبدًا إن كنت من المرضي عنهم. لعب الأربعة دورًا مهمًا في جعل التجربة الصعبة تتحول إلى ذكرى جميلة رغم كل ما سلف ذكره، برفقتهم ضحكنا بذكاء من كل الصعوبات، وتعلمت أن أواصل السير رغم كل شيء.

في البداية كان الفيلم بعنوان «مقعد الانتظار» ثم تحول إلى «الحديث عن الأشجار» حدثنا عن اختيار العنوان؟

اخترت اسم الفيلم مستلهمًا عبارة من قصيدة للمسرحي والشاعر الألماني بريخت بعنوان «إلي الذين يأتون من بعدنا». تقول العبارة في ترجمتها العربية «أي زمن هذا الذي يكاد الحديث فيه عن الأشجار أن يكون جريمة، لأنه يعني الصمت عن جرائم أكبر». بالنسبة لي العبارة تلخص عمق تساؤل الفنان ومسؤوليته الأخلاقية في أزمان الفاشية، أتحدث هنا عن الفنان المتعمق مع نفسه والعالم والذي يطرح مثل تلك الأسئلة على نفسه، فكثير من الفنانين يتجنبون طرح هذا النوع من الأسئلة وهمهم هو الإنتاج بكثرة للظهور أكثر. هذا النزاع الداخلي للفنان بين فنه والموقف الذي من الممكن أن يكلفه نفسه.. أن يقعده عن تحقيق فنه هو موضوع الفيلم نفسه. يطرح هنا بريخت التساؤل في زمن النازية، هل يصح أخلاقيا أن نتحدث عن الجمال والأشجار والفنون فيما يقتل الناس فيها ويسجنون ويجوعون؟ ويجيب على حسب فهمي بأن نعم وأن يكون حديثنا عن الأشجار كذلك حديثًا ضد الجرائم. وهو سؤال مؤرق لي كما ظل مؤرقًا لتلك المجموعة التي أصورها. هذه العبارة كنت أسمعها على لسان والدي كثيرًا وجاءت في الفيلم على لسان منار، أحد شخصيات الفيلم، وهي في نظري تقول ما يريد الفيلم قوله.

 تنتمي إلى أم درمان، وكذلك أبطال فيلمك وأحداثه. هل يمثل الفيلم أيضًا احتفاء بمدينتك؟ ما الذي قدمته لك أم درمان، فتحاول رده إليها، حدثني عن بدايات كل شيء طفلًا في هذه المدينة السعيدة بوجود شباب مثلك؟

قضيت سنينًا كثيرة في الغربة، وكانت عودتي إلى السودان هاجسًا يوميًا منذ رحيلي منه. الفيلم صار طريقي لتلك العودة والاستقرار بشكل أكبر في السودان. قبل رحيلي من السودان كنت لا أعرف منها سوى أم درمان وكسلا، كنت أضيع إذا عبرت الجسر المؤدي للخرطوم، أم درمان كانت بلدي الصغير فيها أصبت بجرثومة الأمل ووجدت طريقي بصعوبة لقراءاتي الأولى في ظل سنين التسعينات الغارقة في الظلم والظلام الثقافي الذي فرضه النظام السابق على السودانيين، واضطرت عائلتي كملايين السودانيين إلى تركها في تلك الظروف العجيبة وهو قرار ظل يؤرقني فصرنا منبتين في الأرض دون اختيارنا. أم درمان ظلت هي الأقرب إلى قلبي من مدن العالم لأني أجد نفسي فيها في حالة انتباه للحياة ورغبة في معرفة الناس والحكايات رغم كوني انعزالي قليلًا، أعرف فيها أناس أحس معهم بالطمأنينة والمعنى. هي مدينة في حالة سرد دائم لنفسها، سرد مبدع ولا يخلو من المبالغات المحببة. تخلق أبطالًا وحبكات وتضحك من العالم بذكاء. الجميل في أم درمان لدي أنها ملك للجميع، ولا يعجبني تعصب بعض الأم درمانيين الأعمى لأم درمان.

أصاب أم درمان ما أصابها في الثلاثين سنة الماضية من إفقار لكل مناحي الحياة وصارت باهتة، لكن المحاولات لم تتوقف فيها كما في السودان عن إيقاف آلة المحو التي أطلقتها السلطة لتمحو ذاكرة السودانيين وتصادر حياتهم. كانت محاولات استعادة صالة سينما في حي من أحياء أم درمان الشعبية محاولة لإضاءة ما حاق بالسودان عمومًا من تدهور، لكنها أيضًا محاولة للإشادة بالرغبة في الحياة والثقافة والكرامة الإنسانية لدى السودانيين التي لم تهزم أبدا وانتصرت أخيرًا وما زالت تنتصر كل يوم.

عندما تشاهد الأفلام السودانية الجديدة هل تشعر أن روحًا مستقلة للسينما السودانية تشكلت بداخلها تجمع بين القديم والجديد؟ أم كيف تبدو لك باعتبارك صرت واحدًا من أكثر المطلعين على تراث السينما السودانية؟

 عام 2019 هو عام مهم بالنسبة للسودان في كل النواحي كما هو للسينما في السودان. خروج ثلاثة أفلام سودانية طويلة في عام واحد يعد أمرًا استثنائيًا، وقبلها فيلمين للمخرج حجوج كوكا، كل ذلك مفرح. لكن الوقت ما زال مبكرًا للحديث عن سينما سودانية أو عن حركة سينمائية سودانية ذات روح متقاربة ومستقلة. حتى الآن الأمر لا يعدو أعمالًا لأفراد لهم رؤى مختلفة ويعملون بطرق مختلفة. وقد صنعت الأفلام الثلاثة في ظروف إنتاجية مختلفة اختلافًا كاملًا عن بعضها. أهمية هذه التجارب هي كونها وسعت من رقعة الممكن عمله في أذهان الناس، ولاقى خروجها احتفاء من السودانيين بعد سنين من العزل المقصود والتدمير الذي حاق بمجالات الفن كلها. حتى وقت قريب كان الأمل في سينما سودانية هو عبء تحمله مجموعة صغيرة فقط، وقد تسبب الانقطاع الكبير في المشاهدة السينمائية في إبعاد الناس وتجهيلهم عما أنتجه بعض المخرجين السودانيين في الماضي من أفلام متطلبة فكريًا وفنيًا كأفلام أبطال «الحديث عن الأشجار». قبل عام مثلًا كنت حين أقول لأي شخص بأني أعمل كمخرج سينمائي كان يأتيني الرد ضاحكًا بسخرية: وهل هناك سينما سودانية؟ اليوم أختلف الأمر وثمة فخر ما من وجود سينما سودانية. من المبكر الحديث عن روح سينمائية سودانية جديدة، لا بد من أفلام أكثر وحوار فكري ونقدي، ومن أن تصير ظروف الإنتاج متاحة للكثيرين ممن أقعدهم المنع الحكومي وقلة الإمكانيات عن إنتاج أفلامهم. لا بد أن يتغير الوضع بالكامل كي يكون من الممكن اعتبار أن هناك حركة سينمائية، أن تتاح جل الحريات لعمل الأفلام للجميع، وأن يتمكن الناس من مهن متعلقة بهذا الفن وأن يصبح مجالًا يمكن تعلمه وكسب العيش منه.

 كيف تقيم الاعتماد على المنح الخارجية في صناعة الأفلام؟

المخرج في كل الأحوال لا يتعامل مع المانحين بشكل مباشر، بل يدافع عن وجهة نظرة وعن فيلمه أمام المنتجين والموزعين، وهو صراع صعب ومنهك في الغالب تتخلله بعض فترات التفاهم. تطلب الأمر للحصول على المنح الكثير من الكتابة، ورغم كوني محب للكتابة أصلًا، فكتابة وثائقي كانت أصعب بكثير من تأليف روائي، لكني في الحقيقة لم أحس بأن هناك ضغط علي لكي أكتب بطريقة معينة لإرضاء المانحين. أهمية المنح ببساطة أنها من دونها لم أكن لأستطيع تفريغ نفسي للعمل في الفيلم، وبالطبع لم يكن المنتج ليخاطر بوضع قرش من شركة الإنتاج في إنتاج الفيلم إن لم يحصل المشروع على منح عالمية. برغم ذلك لم يتوقف تصوير الفيلم على انتظار المنح، كنت قد بدأت التصوير والعمل أصلًا بميزانية شحيحة ودون فريق وكثير من مشاهد الفيلم تنتمي لتلك الفترة، لكن بعد ان أنجزت المونتاج الأول لـ20 دقيقة من الفيلم صارت المنح تأتي إلينا. من ناحية التصوير في السودان، كانت الأمور تمر دائمًا عبر سقف مادي أضيق بكثير من احتياجات الفيلم، لكننا عبرنا تحته بالدعم العظيم الذي تلقيته من أصدقائي وأهلي وبصبر الفريق السوداني الصغير.

خرجت من التجربة سعيدًا بأن الفيلم قد اكتمل، لكن أيضًا ببعض المرارات والاندهاش السلبي حول كيف تدار الأمور في عالم صناعة الأفلام. لن أدخل في التفاصيل هنا، لكن ما أستطيع أن أقوله إنني سأحرص في المستقبل أكون منتجًا مشاركًا في أي عمل أقوم به، وسأحرص أكثر أن أستطيع تأمين مشاركة مادية وإنتاجية سودانية تستطيع أن تكون ندًا للإنتاج العالمي.

وكيف يمكن في هذه اللحظة التاريخية خلق مصادر محلية للإنتاج السينمائي في السودان؟

لا بد من سياسات ثقافية جديدة. المشكلة أن الرأسمالية السودانية هي إما مجموعة طفيلية عاطلة عن الإبداع ولا يعنيها الفن في شيء أو مجموعة تحب أن تبدو بمظهر أكثر حداثية وتنظر منذ سنين للمجال الثقافي كمجال ترمي له بالقليل من الفتات من باب ما يسمى «بالمسؤولية الاجتماعية»، وتشتري بذلك الفتات لنفسها صورة داعم للفنون. تعتقد الشركات الكبرى في السودان بأنه يكفي مثلًا أن تمنح كراسي بلاستيك لجهة ثقافية أو أن تستضيف منشطًا في مقرها لتشتري لنفسها قناع داعم الفن البريء المتجرد. اللحظة التاريخية الآن في السودان قد تسهل الأمور وتعقدها،  فإذا حدث إطلاق حقيقي للحريات قد يجعل ذلك مجال الاستثمار في السينما مغريًا وقد تخلق مصادر خاصة للتمويل المحلي للسينما، لكن سيتوجب أولًا محاربة هذه العقلية الطفيلية وضبطها. يجب أولًا أن تخرج هذه العلاقة بين المال والفن في السودان من ثقافة الصدقة بالفتات وتنتظم في شكل أكثر رسمية واحترامًا للفن واستقلاليته، وألا تحتكر المجالات الفنية من قبل الشلليات. أعتقد أن تجربة الثورة وشهري اعتصام القيادة قد رفعا من سقف توقعات الناس وتعززت لدى الشعب السوداني معرفته بقدراته الذاتية والإبداعية فصار لا يرضى بالفتات. أما بالنسبة للدعم الحكومي للسينما فيحتاج الأمر وقتًا طويلًا في ظل المهام الجسيمة لإنقاذ الاقتصاد المنهوب والمنهار الذي خلفه النظام السابق، فلا يمكن أن تقوم صناعة وتمويل حكومي للسينما من دون نهضة للمجالات الإنتاجية والخدمية كلها من زراعة وصناعة وتعليم وصحة.

كيف ترى العلاقة بين الجمهور السوداني والسينما بعد سنوات طويلة من التجريف والإجهاز على صناعة السينما في مهدها؟

حين أغلقت السينمات كانت السينما هي الفن الأكثر جماهيرية في السودان، وكان الإقبال على مشاهدة الأفلام أكثر من الإقبال على حضور مباريات كرة القدم. في الثلاثين عامًا الماضية صودرت السينما وحلت أجهزتها وفصل العاملين فيها، مما خلق هوة عميقة بين السودانيين والسينما. لكن في السنين الأخيرة كان من الواضح تجاوب الناس مع أي عرض ولو صغير، هناك تعطش عظيم للسينما وللفن وللحياة. تعددت المحاولات في السنوات الأخيرة لتحقيق هدف استعادة السينما للاهتمام الجماهيري. لكن كانت العروض السينمائية الجماهيرية والشعبية تواجه صعوبات كثيرة من المنع والمراقبة وقلة الإمكانيات، وكانت الحكومة تتيح فرص محدودة للأنشطة التي ترتبط في معظمها بالمراكز الثقافية الأوروبية، وتكون في نطاق ومدة زمنية محدودة. فبالرغم من أهمية الجهود وأنها أثمرت في كثير من المناحي ظلت الأنشطة  محصورة في الخرطوم ومتاحة لفئات محدودة. حاولت مجموعات منها جماعة الفيلم السوداني ونادي السينما السوداني وجماعات أخرى في شرق وغرب السودان استعادة الاهتمام الشعبي بالسينما من خلال السينما المتجولة والعروض في الأحياء لكن كثرة العراقيل لم يتيحا الفرصة للاستمرارية.

اليوم في السودان عطش عظيم للعدالة والسلام والحرية، وللفن بكل أشكاله. والهدف هو استعادة دور العرض والسينما المتجولة كي تصير السينما متاحة للجميع.

ما هو حلمك؛ لصهيب قسم الباري؟ وللسينما السودانية؟

أعمل على إكمال كتابة عمل روائي كان مؤجلًا لصالح «الحديث عن الأشجار»، فترة كتابة السيناريو هي الفترة التي أحب فلا أستعجلها وأتركها تأخذ وقتها. وأعمل في ذات الوقت مع جماعة الفيلم السوداني وجماعة عمل الثقافية للمساهمة في انتزاع الحياة الثقافية في السودان لشروط الحرية الحقيقية الضرورية لكل فن. لا بد للسينما السودانية كي توجد من حرية حقيقية، وأن تتسع دائرة العاملين فيها والمحبين لها، وتتعدد منابرها ويصير تعليمها متاحًا في السودان، دون أن يكون ذلك محصورًا على فئة معينة. هو مجال يتخلق في السودان بعد سنين من الغياب، ويجب أن ينمو بشكل حر وصحي، وأن لا تحتكر الحديث باسمه شخصيات بعينها وألا يكون التقدم فيه مشروطًا بالعلاقات العامة.

حلمي للسودان فيما يخص السينما أن نستعيد دور العرض التي التهمها رأس المال الطفيلي، كسينما كلوزيوم التي كانت الأولى في السودان والتي تحولت لموقف سيارات، وأن نجد الطرق الجديدة لكي تحتل المشاهدة السينمائية مكانها في السودان من جديد وأن تكون في متناول الجميع دون تمييز. والأهم أن تنشأ سينما متجولة ذات استمرارية تجوب السودان دون خوف ودون منع ودون حاجة لمصادقة المسؤولين لإرضائهم ومدحهم لا بالحق ولا بالباطل.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن