العقاد وطنطاوي و«سحق أكبر رأس في البلاد»

قبل نحو تسعة عقود تقريبًا، وفي جلسة صباحية لمجلس النواب المصري، طلب الأديب عباس محمود العقاد، وكان حينها نائبًا بالبرلمان، الكلمة من رئيس المجلس ويصا واصف باشا، ليعلق على استقالة الحكومة التي تقدم بها رئيس الوزراء مصطفى باشا النحاس.

منح واصف باشا الكلمة للعقاد، فوقف يخطب ي زملائه قائلًا: «حضرات النواب، أرى أن مجلسنا لا بد أن يكون له موقف حازم وواضح من هذا العبث السياسي، لأن الأزمة ليست أزمة مجلس الوزراء فحسب، بل هي أزمة مجلس النواب نفسه، بل أزمة الدستور المصري… وليعلم الجميع أن هذا المجلس مستعد لأن يسحق أكبر رأس في البلاد في سبيل صيانة الدستور وحمايته».

كان البرلمان قد خصص جلسة 17 يونيو من عام 1930 لمناقشة استقالة حكومة النحاس احتجاجًا على رفض الملك فؤاد التصديق على قانون يقضي بمحاكمة الوزراء الذين ينقلبون على الدستور، أو يقومون بحذف حكم من أحكامه أو تعديله بغير الطريق الذي نص عليه الدستور.

حضر النحاس باشا وأعضاء حكومته إلى مجلس النواب، وطلبوا من البرلمان إما التصديق على القانون الذي كان يهدف إلى صيانة الدستور، أو قبول استقالة الحكومة، فأعلنت أغلبية النواب تأييدهم لموقف الحكومة، وفي تلك الأثناء فجّر العقاد قنبلته، فعلا الصياح في المجلس بين استحسان واستنكار.

بعد كلمة العقاد أدرك واصف باشا رئيس المجلس أن الأمور قد تتعقد بسبب جواسيس الملك داخل القاعة، فدق منضدة رئاسة البرلمان دقًا عنيفًا وصاح: «لا.. لا.. لا.. أنا لا أسمح بهذا»، وأمر سكرتارية المجلس بحذف كلمة العقاد من المضبطة، ثم رفع الجلسة، وفقًا لما ذكره الأستاذ محمد التابعي في سلسلة مقالات «ذكريات من سجن مصر» التي نشرها في مجلة «آخر ساعة» منتصف ستينيات القرن الماضي.

نُقلت وقائع الجلسة إلى الملك الذي كان قد بيت النية لإلغاء دستور 1923 وتعطيل الحياة النيابية، فاشتعل غضبًا، وتصاعد الغضب عقب تصدر كلمة العقاد عناوين صحف اليوم التالي، لم يتوقف العقاد عند هذا الحد بل استأنف نشر سلسلة مقالاته في جريدة «المؤيد الجديد» والتي تضمنت تحريضًا مباشرًا على الملك وحاشيته وعلى أسرة محمد علي.

تقدم رجال الحاشية بعدد من البلاغات ضد العقاد، وتم استدعاؤه للتحقيق معه في النيابة، ووجهت له تهمة «العيب في الذات الملكية والطعن في صاحب العرش»، وتم حبسه احتياطيًا على ذمة التحقيقات التي انتهت بإحالته إلى محكمة الجنايات.

ورغم نفي هيئة، الدفاع التي ترأسها مكرم عبيد باشا، التهمة وتوضيحه أنه كان يقصد بـ«سحق أكبر رأس فى البلد» رئيس الوزراء باعتباره المسؤول أمام البرلمان، إلا أن المحكمة قضت بحبس العقاد تسعة شهور حبسًا بسيطًا في سجن مصر، قضاها معززًا مكرمًا يستقبل في زنزانته وزراءً وكتابًا، ويُسمَح له بدخول خادمه بالطعام والعلاج والكتب والصحف وأوراق وأقلام للكتابة، وخرج بعدها بطلًا مناضلًا في سبيل الدفاع عن الحرية والدستور، لتفتح له الصحف ودور النشر أبوابها وتخرج إلى النور سلاسل العقاد في الفكر والأدب والتاريخ الإسلامي.

لم يفعل النائب البرلماني والصحفي أحمد طنطاوي ما فعله زميله النائب والصحفي عباس محمود العقاد قبل تسعة عقود، فلم يطالب بـ«سحق» أحد لصيانة الدستور وحمايته، ولم يُحرض على رئيس الدولة وأسرته، بل بالعكس صدق كلام أكبر رأس في الدولة وتقدم بمبادرة للإصلاح بصفته النيابية تنفيذًا لدعوة رئيس الجمهورية.

خلال افتتاحه أحد المشروعات قبل أيام دعا الرئيس عبدالفتاح السيسى نواب الشعب إلى التعامل مع «كل أمر محل تشكك وأن يتصدوا له عبر تشكيل اللجان والتفتيش والخروج بتقارير للشعب»، وطالبهم بعدم الالتفات إلى «زعله أو زعل الحكومة وأن يتحدثوا عما يرونه من قصور وأخطاء»، وقال: «أقول هذا الكلام علشان مؤسسات الدولة لا تتألم من هذا الاستجواب بالبرلمان، ولا يجب أن يتعامل أي مسؤول مع استجوابه أو سؤاله في البرلمان عن أوجه القصور بحساسية.. نحن نتعامل في إطار الدولة، نخطئ ونصيب، وما يجراش حاجة إننا نوضح بموضوعية وحقائق».

صدق النائب أحمد طنطاوي كلام الرئيس، فطرح على الشعب ما اعتبره مبادرة لمواجهة ما يراه نقاط قصور سياسية واقتصادية وقال: «لذلك، وبناءً على دعوة رئيس الجمهورية لنواب البرلمان بتشكيل لجان حيال شكوكهم في أي دعاوى فساد؛ فأنا بصفتي مواطن ونائب برلماني سعيد أن أؤدي هذا الدور».

كان قد سبق لطنطاوي أن شارك في محاولة تشكيل تحالف انتخابي يضم أحزابًا وقوى وشخصيات معارضة ومستقلة لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة باسم «تحالف اﻷمل»، والذي ألقي القبض على عدد من أعضائه قبل أيام من الإعلان الرسمي عنه، وأودعوا سجن «ليمان طرة» بتهمة مشاركة جماعة إرهابية تحقيق أهدافها ونشر أخبار كاذبة، وُئد الأمل في أي مشاركة سياسية أو تغيير عبر صناديق الاقتراع، وتوقف الأمل فقط عند الإفراج عن شباب الأحزاب المحبوسين منذ أكثر من أربعة شهور، أو تحسين شروط حبسهم مع عدد آخر ممن ألقي القبض عليهم بعد هوجة فيديوهات المقاول محمد علي.

لم ييأس طنطاوي وصدق حديث البعض عن وجود نوايا إصلاح لدى السلطة، وتفاعل مع كلام الرئيس الذي طالب النواب بالتعامل مع كل أمر محل تشكك، وقدم مبادرة من جزءين، الجزء الأول خطة تشمل 12 محورًا للإصلاح، والثاني خريطة لفترة حكم الرئيس السيسي، طالب فيها بإجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2022 وفقًا لدستور 2014 قبل تعديله في أبريل الماضي.

وشمل الجزء الأول من المبادرة عدة محاور بدأها بالتراجع عن التعديلات الدستورية التي جرت في أبريل الماضي، ومحور آخر للإصلاح الاقتصادي يشمل تشكيل لجان لمعالجة قضايا الفقر والبطالة وارتفاع الدين العام، وخصص محورًا لإصلاح الموازنة العامة للدولة، ورابعًا لمكافحة الفساد، وخامسًا للإصلاح السياسي، وسادسًا لمكافحة الإرهاب، وسابعًا لحقوق الإنسان والحريات، وثامنًا لمراجعة التشريعات المثيرة للجدل، وتاسعًا لمتابعة تنفيذ القوانين السارية.

وتضمن المحور العاشر مراجعة الاتفاقيات المثيرة للجدل وعلى رأسها اتفاق مبادئ سد النهضة مع السودان وإثيوبيا، واتفاقية الحدود البحرية مع السعودية، والتي تنازلت مصر بموجبها عن جزيرتي تيران وصنافير، واتفاقيات غاز المتوسط مع اليونان وقبرص، والتي تنازلت فيها مصر عن حقول غاز لصالح إسرائيل مقابل الحصول على حصة مشتركة من الغاز بالتعاون مع باقي الدول المذكورة.

أما المحور الحادي عشر من المبادرة فتضمن تشكيل لجنة مختصة بالإصلاح الإداري والمؤسسي حتى نتحول إلى دولة مؤسسات. وخصص طنطاوي المحور الثاني عشر لإصلاح الإعلام ورفع يد الدولة عن المؤسسات الإعلامية وفتح المجال العام أمام حرية الرأي والتعبير.

لم يدع طنطاوي إلى ثورة ولم يطالب الجماهير بالنزول إلى الشارع، ولم يهاجم رئيس الدولة أو يدعو إلى الانقلاب عليه، فقط استخدم حقه الدستوري في طرح ملاحظات وخطط للإصلاح، ولبى نداء الرئيس وتقدم بمحاوره الإصلاحية، فما كان من نواب المجلس الموقر إلا التصويت على إحالته إلى لجنة القيم.

عندما طرح الأمر على رئيس مجلس النواب الأسبوع الماضى كان تعليقه الأول على مبادرة طنطاوي: «ما عنديش مبادرات… واللي يعلن يعلن زي ما هو عايز في الجرائد.. ولا ألتفت إلى مثل هذا الكلام»، وذلك ردًا على كلام النائب محمود بدر الذي هاجم فيه زميله باعتبار مبادرته «انتهاك صريح للدستور ودهس إرادة ملايين المصريين التي وافقت على التعديلات الدستورية باسم الديمقراطية».

ولم تمر سوى دقائق معدودة على تصريح رئيس البرلمان الذي قال فيه «لا ألتفت إلى مثل هذا الكلام»، حتى تغير موقفه تمامًا واعتبر ما قاله النائب طنطاوي خروجًا عن الضوابط القانونية والدستورية لحرية التعبير والرأي، وأحال طلب إحالة النائب إلى لجنة القيم لمكتب المجلس، وقال إن «من يشكك في هذا الاستفتاء وهذه التعديلات الدستورية وفي شرعية المسؤولين ومن يتناول هذا الوطن بالسلب أو القيادة السياسية، فلا مكان له في مصر عمومًا، فعليه أن يذهب إلى بلد آخر».

رئيس المجلس الموقر الذي غيّر موقفه وكلامه في أقل من 30 دقيقة، اعتبر أن انتقاد القيادة السياسية جريمة، ومراجعة قراراتها وسياساتها طعن في الوطن، يستدعي نفي أصحابها إلى بلد آخر، وتناسى أنه رئيس لبرلمان من المفترض أن يوفر الحصانة لأعضائه حتى يتمكنوا من طرح آرائهم ومبادرتهم تحت القبة دون ملاحقة أو حساب.

إذا لم تكن الحصانة البرلمانية ستحمي نائبًا يطرح أفكارًا، ويتحدث بلغة خالية من ابتذال أو دعوة إلى العنف، فلمن تكون الحصانة إذن؟ وإذا كان البرلمان به 95 عضوًا انتفضوا وطالبوا بمعاقبة نائب طرح أفكارًا حتى لو انطوت على «انتهاك صريح للدستور ودهس إرادة ملايين المصريين» كما قال أحدهم، فلماذا لم ينتفضوا في مواجهة نواب اعتادوا السب والقذف لكل من يختلف معهم حتى لو كان الشعب المصري نفسه؟

بعد جلسة إحالة طنطاوي إلى لجنة القيم بالبرلمان، انطلقت حملة للتشهير به في وسائل إعلام السلطة، طعنت في ذمته الوطنية واتهمته بالتآمر على الدولة واستهداف استقرارها، والهدف هو هز النائب وجعله في موقف المدافع عن نفسه وليس عن الأفكار التي طرحها من خلال مبادرته، لتضيع المبادرة بما جاء فيها من محاور.

ما يجرى مع طنطاوي وجرى مع أعضاء تحالف الأمل، يثبت أن دعاوى الإصلاح التي انطلقت قبل أسابيع ودعوة الرئيس للنواب بـ«التصدي لكل أمر محل تشكك»، ليست سوى كلام في كلام، فالسلطة ليست جادة في دعواها، ولا حتى تخطط لإعادة إخراج سيناريو مبارك؛ بترك هامش للحركة والكلام من باب التنفيس، «بعد أن مرت جمعة 20 سبتمبر وعاد الهدوء إلى الشارع شعرت السلطة بالاطمئنان وأُغلق باب الحديث عن الإصلاح السياسي الذي طرقه البعض قبل شهرين»، يقول أحد المقربين من دوائر اتخاذ القرار.

لا تدرك السلطة أن الحصار الذي تفرضه على أي محاولة أو مبادرة للإصلاح سيرتد عليها، ولا تعي أن إماتة السياسة وإغلاق المجال العام وكتم أنفاس الناس يدفع في النهاية إلى الانفجار، وأن الهدوء الذي خيم على البلد هو هدوء ما قبل العاصفة، ساعتها لن ينفعها أي حديث عن إعادة النظر في ما ورطت فيه نفسها وبَلَت به الدولة، ولن تقبل الجماهير اعتذارات أو كلمات من عينة «فهمتكم» أو «لم أكن أنتوي».

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن