«مراجعة حقوق الإنسان»: تفاصيل الحشد المصري لمواجهة «هجمة» متوقعة في جنيف
 
 

«مصر مستعدة تمامًا» لمواجهة كل الاتهامات التي تتوقع أن توجه لها في اجتماع آلية المراجعة الدورية الشاملة لحقوق الإنسان، المقرر انعقاده اﻷربعاء المقبل بمقر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، يقول مسؤول حكومي في القاهرة. 

يتوقع المصدر ذاته «هجمة» على سجل مصر في ما يتعلق بأوضاع الحريات والمجتمع المدني بشكل عام، والانتهاكات التي ترتكبها قوات إنفاذ القانون بحق الموقوفين أو الجاري التحقيق معهم، بالإضافة إلى الحبس الاحتياطي وعقوبة الإعدام بشكل خاص. غير أنه يضيف: «هذه ليست بالأمور الجديدة وليست بالأمور التي سيكون على الوفد المصري في جنيف التعامل معها وتفنيدها».

وبينما تستعد مصر لحضور اجتماع آلية المراجعة الدورية الشاملة للمرة الثالثة، منذ تأسيسها سنة 2006، حشدت القاهرة الدول الصديقة لها للتعليق بشكل إيجابي على سجل مصر الحقوقي، بحسب ما قاله مصدران حقوقيان، غير أن ذلك لن يمنع دولًا أخرى من توجيه انتقادات وتوصيات إلى مصر.

تلتزم مصر بالمثول للمراجعة الدورية كل خمس سنوات، كجزء من الآلية الدورية الشاملة لمراجعة أوضاع حقوق الإنسان في العالم، والتي تتيح لحكومة كل دولة تقديم تقرير رسمي عمّا تم في الملف الحقوقي لديها. كما يُستعرض تقرير آخر من المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مُعتمد على تقارير المنظمات الحقوقية المحلية والإقليمية والدولية، ويُتاح للدول المختلفة توجيه أسئلة أو تعليقات أو توصيات لأي دولة تخضع للمراجعة الدورية.

ويعمل على إعداد الملف الرسمي المصري لجنة مشكلة من وزارات: الخارجية والعدل والداخلية والتضامن الاجتماعي، وممثلين عن النيابة العامة والمخابرات العامة والأمن الوطني، والمجالس القومية للمرأة، وحقوق الإنسان، والطفولة والأمومة. ومن المقرر أن يرأس عمر مروان، وزير شؤون مجلس النواب، الوفد المصري في الاجتماع، والذي يضم إلى جانبه السفير علاء يوسف، رئيس البعثة المصرية لدى المقر الأوروبي للأمم المتحدة، بالإضافة إلى مندوبين عن وزارات الخارجية والعدل والداخلية.

تأتي المراجعة الدورية هذا العام بعد أسابيع من أوسع حملة اعتقالات أمنية شهدها عصر الرئيس عبد الفتاح السيسي، تجاوز عدد المحتجزين فيها 4000 شخصًا، أخلي سبيل المئات منهم لاحقًا. كما لا يزال نحو 31 من المدافعين عن حقوق الإنسان ممنوعين من السفر بموجب قرارات من قاضي التحقيقات في قضية منظمات المجتمع المدني التي لم تُغلق حتى الآن. بينما يستمر القبض على قيادات حزبية وسياسية وحقوقية، من بينها محمد الباقر، مدير مركز عدالة للحقوق والحريات وأحد من ساهموا في إعداد تقرير المنظمات الحقوقية المصرية المفترض مناقشته أمام آلية المراجعة الدورية الشاملة نفسها. وسُئل الباقر عن الجانب الذي أعدته منظمته في التقرير خلال جلسة التحقيق معه أمام نيابة أمن الدولة، بحسب مصادر حقوقية.

وبحسب معلومات حصل عليها «مدى مصر» من مصدر رسمي في جنيف، فإن الوفد المصري يبذل جهودًا مكثفة لمطالبة عدد من الدول بتخفيف لهجتها في الانتقادات التي ستوجه للقاهرة، وذلك في إطار تفاهمات سياسية وتبادل مصالح «سياسية وغيرها». في الوقت نفسه، سعت البعثات الدبلوماسية المصرية خلال الأسابيع القليلة الماضية لنقل وجهة نظر القاهرة إلى الدول المتوقع أن تكون لها تعليقات قاسية بحق أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وهو السعي الذي تكلل بالحصول على بعض التطمينات من عدد من الدول، ليس من بينها بريطانيا، على سبيل المثال، والتي ستكون واحدة من مقرري جلسة مناقشة التقرير المصري، أو ألمانيا، التي أعرب وزير خارجيتها هايكو ماس خلال زيارة أخيرة له للقاهرة، التقى فيها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عن أمله في أن تسعى السلطات المصرية للعمل على تحسين أوضاع حقوق الإنسان في مصر، بحسب مصدر جنيف.

بخلاف تلك الجهود الخارجية، وتزامنًا مع شكاوى متكررة من سوء أوضاع الاحتجاز داخل السجون المصرية، شهدت اﻷسابيع الثلاثة الماضية تنظيم عدد من الجهات الحكومية زيارات لعدد من السجون، انتهت جميعها ببيانات تشيد باﻷحوال داخل السجون؛ فزار وفد من نيابة أمن الدولة العليا سجن طرة في 23 أكتوبر الماضي، وهي الزيارة التي نشرت الهيئة العامة للاستعلامات فيديو عنها يوم الأحد الماضي، يُظهر الناشط السياسي المحبوس حازم عبد العظيم أثناء حديثه مع أعضاء النيابة بشكل إيجابي عن ظروف احتجازه. كما زار المجلس القومي لحقوق الإنسان سجن بورسعيد في 2 نوفمبر الماضي. ونظمت «هيئة الاستعلامات» بالتعاون مع وزارة الداخلية زيارة اليوم، الإثنين، لمجمع سجون طرة، ضمت مراسلين لوسائل إعلامية محلية وأجنبية، بالإضافة إلى برلمانيين وشخصيات عامة، إلا أن المراسلين لم يُسمح لهم بالحديث مباشرة إلى أيٍ من السجناء، كما لم يزوروا أي من أماكن الاحتجاز الفعلية، وكذلك لم تُتح لهم فرصة طرح أسئلة خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب الزيارة.

غير أن الانتقاد الدائم لهذه الزيارات هي الترتيبات التي تسبقها، حيث لا يملك المجلس القومي لحقوق الإنسان السلطة لإجراء زيارات مفاجئة لمقار الاحتجاز، كما أن زيارات النيابة غالبًا ما تكون مُرتب لها بشكل مُسبق مع إدارة السجن. ولا تتوجه الزيارات للسجناء الذين تقدموا بشكاوى مُسبقة تجاه ظروف احتجازهم.

بالعودة لاجتماع جنيف، قال المصدر الحكومي الموجود في القاهرة إن دولًا عديدة طلبت الحديث للتعقيب على التقرير المصري، مضيفًا: «بالطبع أتوقع أن يكون هناك كثير من النقد من الدول الغربية، وخاصة بعض الدول الأوروبية التي لا يتوقف المسؤولون فيها عن الانسياق وراء ما تروج له جمعيات حقوقية، دون السعي إلى التحقق من اتهامات تلك الجمعيات والانتهاكات التي تشير إليها».

واستكمل: «هناك عملية شحن لا يستهان بها تقوم بها منظمات وشخصيات حقوقية في مصر وخارجها، لتسليط ضوء بصورة مبالغ فيها على انتهاكات لا ننفي أن بعضها يقع، ولكن نقول -وهذا ما سنبلغ به المجلس- إنها ليست بالصورة التي يروج لها البعض».

في الوقت نفسه، توقع المصدر أن تكون هناك دول «داعمة لمصر» ولـ«حربها على الإرهاب» ستتحدث بصراحة عن أهمية «الاستقرار في مصر والتبعات المحتملة لعرقلة هذا الاستقرار على الوضع في الإقليم».

من جانبه، توقع حقوقي يعمل بإحدى المنظمات الدولية، تحدث لـ«مدى مصر»، أن يطرح عدد من الدول توصيات نقدية لمصر خلال جلسة المراجعة، أو على الأقل ستوجه أسئلة. بعض هذه الدول كان دائم الانتقاد لسجل حقوق الإنسان المصري، خاصة مع الهجوم الأخير على الحريات المدنية والسياسية، مثل السويد وبلجيكا وألمانيا وفرنسا وهولندا والمملكة المتحدة. غير أن بعض الدول غير المعروفة بانتقادها لمصر مثل جمهورية التشيك من المتوقع أن تقدم انتقادات أيضًا، بحسب المصدر.

فيما توقع جيريمي سميث، مدير مكتب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في جنيف، أن يكون هناك تنوع في التعليقات بين دول تنتقد وأخرى تحتفي بسجل مصر الحقوقي. وأضاف سميث أنه عكس مزاعم مصر من أن المدافعين عن حقوق الإنسان يضغطون من أجل تسليط الأضواء على الانتهاكات، فإن جلسة المراجعة تحدث بينما هناك أكثر من 30 حقوقيًا ممنوعين من السفر ويتعرض عمل المجموعات الحقوقية المحلية للضغط. 

وفقًا لسميث، فإن مصر لا تستعد فقط لجلسة المراجعة عبر العمل الدبلوماسي التقليدي بحشد الدول التي لها سجل حقوقي مشابه، خاصة الدول العربية والإفريقية، للتعليق بشكل إيجابي على مكافحة مصر للإرهاب والجهود التنموية (في مقابل القيام بالأمر نفسه في جلسات المراجعة الخاصة بهذه الدول)، بل تمنع القاهرة المجموعات المستقلة من إلقاء الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في هذه الدول وغيرها. وفقًا للمدافع عن حقوق الإنسان الذي يعمل لدى المنظمة الدولية، فإن حظر السفر والضغط على المنظمات المحلية والمدافعين عن حقوق الإنسان أعاق عملهم قبل الاستعراض الدوري الشامل.

وقال سميث إن المشكلات الأساسية التي ستتصدر التعليقات والأسئلة خلال جلسة المراجعة تتضمن: أحكام الإعدام والاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب والمحاكمات غير العادلة وإساءة استغلال قانون مكافحة الإرهاب.

من ناحيته، وصف عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، حافظ أبو سعدة، الوضع الحقوقي في مصر بقوله: «هناك بعض الجوانب حدث بها تقدم إيجابي، وهناك جوانب أخرى تحتاج إعادة نظر سواء بالتعديل القانوني أو التدريب أو التأهيل».

وعدد أبو سعدة الجوانب التي يرى بها تقدمًا، فقال: «تعديل قانون الجمعيات الأهلية يشكل تقدمًا إيجابيًا لأن القانون الصادر في 2017 كان سيئًا جدًا، وكذلك ارتفاع المشاركة السياسية للمرأة لتصل إلى 90 عضوة في البرلمان وضمان أنها تشكل نحو 25% من مجلس النواب، هناك تقدم في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، مثل حملة العلاج من فيروس سي وباقي الحملات الصحية وغيرها».

إلا أنه عاد للإشارة إلى قضايا مثل التعذيب والتوسع في استخدام الحبس الاحتياطي والتأخر في إنشاء مفوضية لمكافحة التمييز على أساس الدين أو النوع الاجتماعي أو العرق، باعتبارها ملفات ما زالت عالقة.

وقد أتى تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي تقدم به لآلية المراجعة الدورية الشاملة، أخف حدة من تقرير المنظمات الحقوقية المستقلة، غير أنه تضمن بعض الانتقادات والتوصيات، من ضمنها توصية بتعديل تعريف جريمة التعذيب في قانون العقوبات؛ لتتوافق مع التعريف الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب التي وقعت عليها مصر، وإعطاء الحق للأفراد في الادعاء المدني المباشر في وقائع التعذيب أمام المحاكم دون أن يقتصر ذلك على النيابة العامة فقط.

كما أوصى تقرير المجلس القومي بإلغاء إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية، ووصف القوانين الصادرة بخصوص تنظيم الصحافة والإعلام، واللائحة التنفيذية للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بأنها تستمر في «تقييد حرية التعبير»، كما وصف الحبس الاحتياطي بأنه أصبح «ممارسة شائعة باتت تشكل الأصل وليس الاستثناء»، ودعا إلى تعديل قانون الإجراءات الجنائية.

من ناحيته، قال المصدر الحكومي إن الوفد المصري في جنيف سيكون لديه ردودًا واضحة حول ما يتوقع الإشارة إليه «مما يسمى القتل خارج نطاق القانون» -في إشارة إلى التصفيات المتكررة التي تقوم بها السلطات المصرية بحق أعداد من المواطنين لا يتم الإعلان عن أسمائهم ولكن يشار إليهم فقط في بيانات وزارة الداخلية وبيانات رسمية أخرى بالأعداد.

وأضاف المصدر أن الموقف المصري واضح في ما يتعلق بمواجهة الإرهاب، وأن مصر ليست في وضع يسمح لها بالتساهل مع جماعات إرهابية.

وبالنظر للتقرير المرفوع من الحكومة، قال محمد زارع، مدير مكتب مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في مصر، إن استراتيجية الحكومة في الدفاع عن ملفها هي اللجوء «للعموميات»، وهو ما أعطى عليه مثالًا بقوله إن الحكومة في ردها على توصية بضرورة اتخاذها إجراءات لمكافحة التعذيب في أماكن الاحتجاز ردت بأن «المواد 51 و52 من الدستور تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن التعذيب بجميع صوره وأشكاله جريمة لا تسقط بالتقادم، وهو ما تناوله قانون العقوبات ووضع أوصافًا وعقوبات متعددة حتى تتناسب العقوبة وجسامة كل اعتداء على حق المستهدف بالحماية».

ينتقد زارع ذلك الرد قائلًا إنه يأتي دون النظر إلى مواد القوانين نفسها، وتعريف جريمة التعذيب، ودون النظر إلى الممارسات الفعلية لممثلي الدولة، مضيفًا: «الموضوع تعدى أن يكون التعذيب منهجيًا، وأصبح سياسة دولة. هناك ضوء أخضر وحماية من المحاسبة خاصة في القضايا ذات الطابع السياسي».

وضرب زارع مثالًا بوقائع تعذيب تعرض لها نشطاء سياسيين مؤخرًا، من بينهم إسراء عبد الفتاح وعلاء عبد الفتاح ومحمد الباقر ومحمد وليد. كما ذكر إحالة المستشارين عاصم عبد الجبار وهشام رؤوف لمجلس الصلاحية بسبب اشتراكهما في إعداد مشروع قانون لمكافحة التعذيب، وهي الدعوى التي استغرقت أربع سنوات قبل رفضها وتبرئة ساحتيهما.

فيما تضمن التقرير المشترك الذي أصدرته 11 منظمة حقوقية مصرية مستقلة إحصائية مفادها أن من بين 212 متهمًا أبلغوا النيابة أنهم تعرضوا للتعذيب في مقار الاحتجاز الشرطي، تم إحالة 88 حالة فقط للطب الشرعي لبيان الإصابات وما إذا كانت ناتجة عن تعذيب. وفي حالات عديدة جرت الإحالة بعد فترة من الزمن تضمن زوال أثار التعذيب والجروح.

وضمّنت الحكومة في تقريرها أرقامًا رسمية تخص قضايا التعذيب بين مارس 2013 وأبريل 2019، تشير إلى أنه في تلك الفترة جرت تحقيقات ومحاكمات جنائية لأفراد من الشرطة في 30 واقعة تعذيب، و66 حالة استعمال قسوة، و215 حالة إساءة معاملة، وصدرت أحكام بالإدانة في 70 منها، وحُفظت التحقيقات في 156 حالة، بينما لا تزال 85 قضية منها متداولة، هذا بالإضافة إلى صدور 207 إدانات تأديبية ضمن 344 محاكمة تأديبية أجرتها وزارة الداخلية.

مثال آخر لـ«اللجوء للعموميات» ذكره زارع: «للتدليل على توافق القوانين المصرية مع المعايير الدولية ضربت الحكومة مثالًا بقانون مكافحة الإرهاب، وهو القانون الذي يُحاكَم الجميع بسببه، بداية من الصحفيين والسياسيين والحقوقيين وصولًا إلى متهمين بالانتماء إلى داعش».

وكانت الدولة ذكرت في تقريرها أن قانون مكافحة الإرهاب أتى «كافلًا ضمان حقوق الإنسان المنصوص عليها دستوريًا وقانونًا دون تعطيل». بينما ذكر تقرير المنظمات الحقوقية المصرية أن المادة 40 من القانون تسمح لقوات الأمن باحتجاز الأشخاص المقبوض عليهم باتهامات متعلقة بالإرهاب مدة تصل إلى سبعة أيام قبل بدء تحقيق النيابة معهم، كما أتاحت المادة 41 من القانون «عزل المتهم عن العالم الخارجي»، بحسب التقرير الحقوقي، بعدما رهنت حق المتهم في الاتصال بمحاميه أو أسرته بألا يخل ذلك بـ«مصلحة الاستدلال والتحقيق».

من ناحيته، استبعد المسؤول في القاهرة أن تكون هناك أية إشارة لـ «حالات بعينها» خلال الجلسة المقررة لمناقشة التقرير المصري، سواء فيما يتعلق بحالات نشطاء معروفين على المستوى الدولي مثل علاء عبد الفتاح وإسراء عبد الفتاح، أو شخصيات سياسية مثل الرئيس اﻷسبق محمد مرسي الذي توفي في وقت سابق من العام الجاري أثناء محاكمته في إحدى القضايا المحبوس على ذمتها منذ عزله في يوليو 2013.

كانت المقررة الخاصة للأمم المتحدة، أجنس كالامارد، المعنية بالإعدامات التعسفية والمنفذة خارج نطاق القضاء، قد كتبت على حسابها على تويتر قبل أيام قليلة أن ظروف احتجاز مرسي يمكن وصفها بالـ«وحشية» على أقل تقدير. وأضافت أن هناك آلاف آخرين من المعتقلين يمكن أن يكونوا معرضين لظروف بشعة قد تهدد حياتهم.

جاء تعليق كالامارد ضمن تقرير عن وفاة مرسي نشره مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، شمل إشارات إلى أن مرسى كان محبوس انفراديًا لمدة 23 ساعة يوميًا، وأنه كان محرومًا من الحصول على الأدوية أو الرعاية الطبية المناسبة، وأن السلطات المصرية تجاهلت تحذيرات متكررة حول هذه الأوضاع وتأثيرها المحتمل على حياته، دون أن تتحرك نحو تغييرها.

«هذا الكلام مردود عليه ببساطة بأن المقررة تجاوزت الصلاحيات الخاصة بعملها من حيث إصدار اتهامات كتلك التي وجهتها لمصر دون السعي للتحقق بما يكفي من خلال أخذ وجهة نظر الدولة صاحبة الشأن»، يقول المصدر الحكومي، مضيفًا أن مصر لن تقبل أي شيء تراه ماسًا بسيادة الدولة بأية حال، ولكن هناك استعدادًا لقبول الحديث عن «المزيد من التفنيد للادعاءات بالانتهاكات» والعمل على «تحسين القوانين والأجواء الداعمة لحقوق الإنسان ودعم فرص المجتمع المدني في المساهمة في التنمية المجتمعية».

من جانبه، يرى زارع أن موقف الدولة حتى الآن دال على أنها ما زالت تولي أهمية لآليات مثل المراجعة الدورية الشاملة، فـ«مصر عمومًا تهتم برأي الدول الغربية في مسألة حقوق الإنسان، حتى وإن كان معظم ردودها على الانتقادات يتسم بالعنف والوقاحة في بعض الأحيان»، إلا أنه يرى أيضًا أن الدولة ليست لديها رغبة سوى في تقديم «أقل القليل»، على حد قوله، وتحت ضغط شديد.

يُرجع زارع ذلك إلى ما يصفه بسياسة «جبر الخواطر» التي تتبعها الدول الغربية عمومًا في الفترة الحالية مع مصر، حيث تحتل القضايا الحقوقية مساحة محدودة من أجندة المباحثات السياسية بين مصر وأي بلد آخر، فقط لإرضاء الصحف وجماعات الضغط والمنظمات الحقوقية في تلك الدول الغربية. يضيف زارع أن القضايا الحقوقية أصبحت «بندًا يتم مناقشته، للانتقال سريعًا للحديث عن صفقة سلاح أو اتفاقية اقتصادية».

ويعتقد أن الحكومة المصرية «ترى ذلك، ويصل إليها، وتتعامل وفقه». بينما يرى هو أن الحفاظ على حقوق الإنسان «مرتبط بترسيخ الاستقرار السياسي في البلد وفي المنطقة ككل».

من جانبه، يشير أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، مصطفى كامل السيد، إلى ما وصفه بتدهور غير مسبوق بين مصر والمفوضية السامية لحقوق الإنسان باﻷمم المتحدة. كانت الحكومة المصرية قد ردت بلهجة حادة على انتقادات وجهتها لها المفوضية في أكثر من مناسبة في الفترة الأخيرة، تعلق آخرها بحملة اعتقالات سبتمبر الماضي.

 يقول السيد: «لم نر في العهود السابقة بيانات تصدر من الحكومة تحمل اتهامات لهذه الجهات بالتحيز ضد مصر أو العمل وفق أجندات سياسية»، متوقعًا أن ينعكس ذلك التدهور في العلاقات على جلسة مراجعة أوضاع حقوق الإنسان في مصر.

إلا أنه ما زال يرى أن «مصر مهتمة بصورتها الدولية في ما يخص حقوق الإنسان، لكنها في النهاية تُسلم بأن الانتقادات تأتي من جهات مُغرضة. بالتالي هي مهتمة ولكن ليس بالدرجة الكافية لتغيير سياساتها».

ويطرح السيد رؤية أكثر ارتباطًا بالوضع الإقليمي والعالمي، فيقول إن «تراجع الديمقراطية على مستوى العالم في مقابل صعود قوى غير ديمقراطية مثل روسيا والصين وإيران له أثر بالطبع على مسألة الالتزام بحقوق الإنسان عمومًا»، بالإضافة إلى تغير موقف الإدارة الأمريكية تجاه مصر بين إدارتي أوباما وترامب، والتي مثلت دعمًا لإدارة السيسي.

في النهاية، يرى جيريمي سميث أن آلية المراجعة الدورية الشاملة تمثل منافسة بين السرديات بين الدولة من جانب، ومنظمات حقوق الإنسان من جانب آخر. وبينما من المحتمل أن تروج مصر للثناء الذي ستحصل عليه خلال جلسة المراجعة، سيظل ممكنًا أن نتوقع «إدانات قوية وتوصيات موجهة».

اعلان
 
 
أسمهان سليمان 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن