كتب للأطفال يقرأها الكبار| 4- مجلة ميكي
 
 

في عالم القراءة نحتاج أحيانًا إلى قراءة كتبٍ تطبطب على قلبك وتحتضن عقلك وتهدهده لكي ينام قليلًا وتصطحبه إلى رحلة في دروب الطفولة. ربما يحدث هذا مع رواية أو قصة أو ديوان شعر، لكن كتب الأطفال تؤدي هذه المهمة على أكمل وجه، نعم في كتب الأطفال أيضًا الملاذ من صخب الحياة وتقعرات بعض الكتب. ليس الأمر مجرد نوع من النوستالجيا، ولكنه رغبة كامنة في الحصول على وقت مُستقطع من الحياة، فقط لأخذ شهيق ثم العودة لمصارعةِ الأمواج مرة أخرى. فالطفولة عالمُها ساحرٌ وجذَّاب بكل ما فيه، وغالبًا ما نلجأ إلى اللعب مع الأطفال أو اللعب كما الأطفال لتصفية الذهن وإعادة الشحن.

لذلك -من خلال سلسلة المقالات هذه- سوف أستعرض وأقترح بعض الكتب التي كُتبَت للأطفال أو كتبها الأطفال ولكن يُقبِل على قراءتها الكبار. هذه هي الحلقة الرابعة، أما الحلقة الأولى فاقترحت ديوان «صديقي الله» لزياد رحباني، والحلقة الثانية رواية «الأمير الصغير» لأنطوان دون سات أكزوبيري، والحلقة الثالثة ديوان شعر «ليس كل الأحلام قصائد» والذي كتبه أطفال هولنديون، ونقله للعربية عبدالرحمن الماجدي.

4-مجلة ميكي

أقود دراجتي الصغيرة قاصدًا «عالم التسالي» لأسأل صاحبه بعد أن ألتقط أنفاسي: عَندك إيه يا عمو؟. منتظرًا أحد الإجابات التالية: ماجد، بلبل، العربي الصغير، علاء الدين، ميكي، سمير. أشتري الموجود أو ما تكفي نقودي لشرائه وأنطلق عائدًا للبيت. أفتح الغلاف الشفاف ونتسابق أنا وأخواتي في قراءة العدد وحل الألغاز والمتاهات والبحث عن «فضولي». ونتشارك المتعة في الضحك على «بطوط» أو على فشل «عصابة القناع الأسود»، وتأسر حواسنا المغامرات التي لا تنتهي، والحكايات التي تلف بنا العالم دون استئذان أهلنا.

أتذكر ذلك الطقس الدافئ والمشهد المتكرر في الإجازةِ الصيفيّةِ أواخر المرحلة الابتدائية وطوال الإعدادية، وتدمع عيني على أيامٍ لم أكن أحمل فيها همومًا كالتي تتراكم على كتفي الآن، أيامٌ قد تأتي السعادة فيها عندما أكتشف أن حَلّي للغز عدد من مجلة ميكي كان صحيحًا.

يشعر أغلبنا بالحنين لملمس صفحات تلك المجلات ذات الحكايات التي أدخلتنا في عوالم مدهشة، وأخذت بأيدينا إلى عالم القراءة، وأسهمت في تنمية وعينا وإثارة خيالنا، وهو ما يظهر في انتشار صفحات وجروبات تجمع أعداد كبيرة من عُشاق مجلة ميكي على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث يتبادلون  الذكريات والاقتباسات من المجلة.

بالطبع نجحت شخصية ميكي ماوس نجاحًا ساحقًا على مدى 90 عامًا تقريبًا، تحوَّل فيها الفأر الصغير إلى أيقونة سينمائية وثقافية. وعلى الرغم من البساطة الشديدة في تصميمه تعلّق به الأطفال والكبار، وأصبح وجوده في الألعاب وعلى الأدوات المدرسية وملابس الأطفال وحوائط الغرف أمرًا مألوفًا للعين. لكن لا تقتصر الحكايات في المجلةِ على شخصية ميكي ماوس، بل يوجد ميني، وبندق، وبطوط، وزيزي، ودنجل الشرير، وأبو طويلة، والجدة بطة، ومساعدها لوز، وعبقرينو، ومساعده زيزو، وعم دهب، وعصابة القناع الأسود التي تخطط دائمًا لسرقة أموال عم دهب، والساحرة الشريرة «سونيا»، التي تحاول الحصول على قِرش الحَظ، وأيضًا سوسو، وتوتو، ولولو، أطفال الكشافة وحكاياتهم مع عمهم بطوط، العديد من الشخصيات التي تحفل بقصصهم المجلة وكانوا أسبابًا لتميُزها وبقائها.

حينما سألت بعض مُحبي القراءة -في «جروب» يجمع العديد من القُراء على أحد مواقع التواصل الاجتماعي- إن كانوا لا يزالون يقرأون «ميكي» وما الأسباب التي تدفعهم إلى ذلك، جاءت الإجابات مختلطة بالنوستالجيا ورائحة الطفولة؛ فمنهم من أصبح شراؤها عادة لديه عند كل بداية سنة جديدة، أو من ينتظر صدورها أسبوعيًا، أو من يُهديها لأبنائه أو أبناء إخْوَته ويشاركهم قراءتها، أو ليتذكر أيامه الحلوة، أو يشتريها لأنه يشعر بالراحة أثناء قراءتها، ومنهم من يحاول استعادة ما فاته من الطفولة ويتعرف عليها لأول مرة كبيرًا.

 تقول فيبي صبري (في العقد الثالث من العمر) بشَجَن: «عشان العَالَم اللي لسه زي ما هو مافيش فيه حد كِبِر ولا تفاصيل اتغيرت من واحنا صغيرين» أما سامح خليل (في العقد الرابع من العمر) فقال: «عشان مفيش نهاية حزينة، كلها نهايات سعيدة حتى لعصابة القناع الأسود». كانت ميكي هي أول ما قرأته فَرَح أَبيّ  (21 عامًا) في حياتها، وتشتريها إلى الآن لأنها «ممتعة، وقصصها مش مكررة وملهاش سن معين؛ بابا لسه بيقراها لحد دلوقتي. ولإنها بتبقى فترة راحة لطيفة جدًا من الكتب التقيلة اللي طول الوقت شاغلين دماغنا بيها، القراءة بالنسبة لي تبدأ وتنتهي عند ميكي، وفيما بينهما تأتي أي كتب أخرى». ولكنها اشتكت من زيادة سِعرها إلى 10 جنيهات لـ «ميكي» و 12 جنيهًا لـ «سوبر ميكي».

ولأن اللغة هي الجسر الذي يربط بين القارئ والمقروء، كان لا بد من مراعاتها؛ فقد كانت بعض شخصيات المجلة في البداية بأسماءٍ أجنبية كـ «دونالد داك» بدلًا من «بطوط»، و«جوفي» بدلًا من «بندق» حتى العدد الرابع، لكن سرعان ما اكتست القصص بالطابع المصري، وكانت تترجم باللهجة العامية المصرية، إلى أن استقر الأمر على صدورها بالفصحى. وقد شَكَّل ذلك تحديًا كبيرًا للمسؤولين عن المجلة، إذ كان يجب أن تأتي اللغة بسيطة وقريبة من الألفاظ المستخدمَة في الحياة اليومية ليتقبلها الصغار. ولأن قراءة المجلة في مرحلةِ الطفولةِ قد تقود الطفل إلى الكِتاب فيما بعد، فلا بُدَّ أن يكون كل ما يقرأه الطفل من البداية بالفصحى، حتى لا نضع حاجزًا أمام قدرته على التفاعل مع الكِتاب في المستقبل.

ويعتبر ما يميز مجلة ميكي احترامها لعقلية الطفل في المحتوى المُقدَم له؛ فإلى جانب حكايات عالم ديزني وغيرها من الحكايات العالمية، توجد الألغاز، والكلمات المتقاطعة، والتسالي، واستقبال رسومات الأطفال أسبوعيًا لنشرها، والمعلومات التي في النهاية تقدم وجبة مفيدة لعقل الطفل دون سذاجة أو سطحية، وترسم ابتسامة على وجهه.

يختار محررو المجلة جاهدين ترجمة القصص الأقرب لثقافتنا العربية مع مراعاة تنوع الشخصيات، وتجنب الخوض في ما يتعلق بالسياسة أو الدين ليحافظوا على الضحك والكوميديا مع تقديم معلومات وقيمة أخلاقية ورسائل معينة بشكل غير مباشر، لأنه إن تحول الأمر إلى افعل ولا تفعل لن يتقبل الأطفال الأمر حينها ورُبما نَفَروا منها. الهدف هو بناء عقليات الغد، فلا مانع من بثِ الأفكارِ التي تَفْتَحُ للأطفالِ أُفُقِهم وتُوسِّع مداركهم، دون إقحام أيديولوجية معينة.

في حلقات «شباب دهب»، نتعرف على قصة «عم دهب» عندما هاجر إلى أمريكا، وكيف بنى إمبراطوريته، وما سر العداء القديم مع عصابة القناع الأسود، وياقوت، وغيرهم. وحكاية «قرش الحظ»، وقصة الخزينة العملاقة وسر حبه للغطس داخل العُملات، وغيرها من التفاصيل عن حياة عم دهب التي تقدم دراما شيقة بها صعودٌ وهبوط وصراعات نفسية وتحولات في شخصيته. ولا تخلو الحلقات من أفكارٍ عميقة كـ«صراع التمدن الحديث ضد الطبيعة والأرض»، و«جدلية أكون أو لا أكون» أثناء سعيه لجني ثمار الثروة دون الالتفات إلى الآخرين وابتعادهم عنه بل وخلق عداوات مع البعض، وغيرها من الإشكاليات الإنسانية.

هذا ما حدث أيضًا مع شخصيات أخرى مثل بطوط، فتستخدم المجلة أسلوب «الفلاش باك»، أحيانًا، لجذب عدد أكبر من الأطفال، حيث إن نشر حكايات قديمة تتعلق بذكريات عالم البط ومغامراتهم السابقة يمنح لكل شخصية تاريخًا وسيكولوجية ومنطِقًا للتفكير وفلسفة حياتية تخصها، ما يُشعرنا بأن تلك الشخصيات المرسومة على الورق مصنوعة من لحمٍ ودم، وتنتمي إلى عَالَمِ الواقع. ورُبما لذلك نجد أنفسنا وقعنا في غرام شخصيةٍ منهم، بعد أن عشنا معها كل تفاصيلها ومشكلاتها وسقطاتها وعرفنا عنها كل كبيرة وصغيرة، فأحببناها كما هي لأنها لم تعُد غامضة أو لأنها تشبهنا.

وأعتقد أن كثيرين مثلي تعلقوا بشخصية «بطوط» أكثر من «ميكي»، فهو يبدو شخصًا عاديًا قليل الموهبة وكسولًا وإمكانياته العملية محدودة في الحياة، ولكنه ظريف ومُحِب للتجربة ويحاول قدر استطاعته مساعدة الآخرين، ويتقبله الآخرون رغم مشاكله، لصدقِ مشاعره وإصراره الدائم على إسعادهم. كل هذا يضعه في مكانةٍ مميزة برغم عاديته، فهو حقيقي على عكس ميكي المثالي أكثر من اللازم ويتصرف على نحوٍ صائب متفاخرًا بنفسه دائمًا. حتى إنه كثرت رسائل القراء المطالبة بإلغاء «ميكي» فاضطرت المجلة مؤخرًا محاولة الموازنة بإظهاره مُرتكبًا لبعض الأخطاء ثم يعتذر عنها. وعند إعادة إطلاق مجلة ميكي في 2004، أجرت مؤسسة نهضة مصر استبيانًا عن أحب شخصيات ديزني للأطفال، واحتلت شخصية بطوط المركز الأول.

من المُفارقات اللطيفة، أنه حالفني الحظ بتجربة محاولة الانضمام إلى فريق ترجمة «ميكي» في «نهضة مصر»، طُلبَ مني ترجمة ورقة بها قصة لشخصية «عبقرينو»، تفحصّت الورقة بإعجابٍ وكانت سعادتي لا توصف. السحر يخرج من هُنا، سوف يتبدل دوري من قارئ إلى مُشاركٍ في الكواليس، وأختار ما سيقرؤه الأطفال وأهديهم ترجمتي التي قد يقرأها أحدهم ويبتسم. انتهت التجربة بـ 6.5 من 10 ولكن يكفيني ما شعُرت به.

وفقًا لرئيس تحرير المجلة، الأطفال ليسوا هم الفئة العمرية الوحيدة التي تخاطبها إصدارات ميكي، إذ تُخصص أربعة أعداد سنويًا لفئات عمرية أخرى. تزيد صفحات العدد عن 150 صفحة؛ تضم مغامرات يتعرض لها شخصيات المجلة بشكل يجذب الشباب في سن العشرين.

وحتى إن لم تصدر هذه الأعداد، يحرص العديد من الشباب والكبار -من بينهم مشاهير الأدباء والفنانين– على التفاخر باقتناء مجلة «ميكي» ونشر صورهم معها على مواقع التواصل الاجتماعي. لا أحدٌ يَكبُر على قراءتها، حتى إن تجاوز الـ 60 عامًا، فبداخل كل منّا طفلٌ نتمنى الآن لو كان العمر كله يشبهه وهو يعود من المدرسة، يفتح حقيبته ويخرج منها المجلة بصفحاتها الملساء، وألوانها المبهجة، يعرف منها أن العالم بخير في مدينة البَط، ليُكمل نهاره دون الخوض في معارك الحياة أو محاربة طواحين الهواء.

اعلان
 
 
محمد سمير مصباح 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن