عمالقةٌ بالون: 9- سوف ننشر أنفسنا على الكوكب حتى لا يتسنى لأحد أن يعتقل أفكارنا

انتقلت للعمل على الحقوق الرقمية في بداية سنة 2013. كان شريكي في العمل أحمد عزت، المحامي، وهو صديق قبل أن نعمل سويًا. عزت مؤمن بالحقوق الرقمية وقوة الإنترنت ومهتم بالدمج بين التكنولوجيا والقانون. عملنا على مجموعة من القضايا ذات الصلة بالمراقبة والتكنولوجيا والقانون قبل أن ينتقل لدراسة الماجستير في لندن.

تعرّفت لاحقًا على حسن الأزهري، المحامي، عن قرب. لم يكن مقتنعًا تمامًا بقناعتي تجاه التكنولوجيا وتأثيرها في التغيير، في حين كان مهتمًا بالجوانب القانونية المتعلقة بتداول المعلومات والحق في المعرفة. عملنا عن قرب على عدد من القضايا ذات الصلة بتداول المعلومات قبل أن يقتنع سريعًا بأهمية الإنترنت في حرية المعلومات والإعلام والتنظيم. كان لدى حسن خلفيات سياسية مختلفة عنّي، ففي حين أني متأثر بتجربة مركز هشام مبارك والنديم والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وطريقة أحمد سيف الإسلام في التعامل مع القانون وأميل لليسار، كانت خلفية حسن تميل أكثر لقناعات مختلفة وإن كانت في إطار حقوقي مستقيم.

يوم 24 مايو 2017، تلقيت من حسن اتصالًا ورسالة يخبرني بهما أن موقع مدى ومواقع أخرى حُجبت. كنت في طريقي للفيوم في رحلة عمل وقد سبقني حسن قبلها بيوم. الحقيقة أنّي وقتها لم أكن أتوقع أن يلجأ النظام إلى الحجب واسع النطاق، خاصة أن القبضة الأمنية لم تترك تنظيم يتحرك في الشارع أو إعلام غير مُسيطر عليه باستثناء بعض المواقع الاخبارية. قبل 24 مايو، كان موقع العربي الجديد وتطبيق سيجنال تعرّضا للحجب بالفعل.

خطاب موجة من قبل لجنة التحفظ على أموال جماعة الإخوان لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات

تناقشنا سريعًا حول الطريقة التي يمكن أن نتحرك من خلالها. اقترح حسن سيناريوهات قانونية يمكن أن يستند النظام عليها في تقنين الحجب. لم أكن مستعدًا تقنيًا لتقديم أي تحليل تقني عن الحجب، واضطررت خلال أيام أن أتعلم بعض المهارات التقنية التي تساعدني على إيجاد طريقة لرصد المواقع التي تُحجب في مصر. لاحقًا، تحرك حسن قانونيًا تجاه الحجب ورفع دعوتين في مجلس الدولة، الأولى تُركّز على حجب موقع مدى، والثانية تُركّز على الحجب بشكل عام. لا تزال القضيتان منظورتان أمام المحكمة حتى الآن.

قبل موضوع الحجب، كنت قد عملت مع حسن على قضايا أخرى تتعلق بحرية المعلومات وحرية الإنترنت. الفكرة بيننا بشكل عام كانت تتمحور حول كيفية الدمج بين التقنية والقانون. واحدة من قضايا كانت حجب خدمة سكايب على إنترنت الموبايل. أذكر وقتها أننا تناقشنا كثيرًا في كيفية تبسيط الأمور للقاضي. وبالفعل، دمجنا جزء تقني مبسط في عريضة الدعوى يحتوي على شرح مُصوّر.

بعد وقت من البحث والتحركات القانونية، لم نستطع الحصول على أي أسانيد قانونية ذات صلة بالحجب، حتى تلقيت اتصال من حسن يُخبرني أنه حصل على نسخة من أوراق قضية مرفوعة بخصوص حجب موقع قناة الشرق، والتي وجد بها قرار صادر عن لجنة إدارة أموال جماعة الإخوان المسلمين بحجب 33 رابطًا.

منذ عام 2015، هناك العديد من التحركات لإخراج قانون مكافحة جرائم الإنترنت. أظن أنه على الأقل كان هناك ثلاث مسودات ظهرت خلال عامي 2015 و2016 وجميعها كان متشابهًا جدًا، لكن أيّ منها لم يُقرّ حتى صدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في أغسطس 2018. وعمومًا منذ 2015، هناك تحركات عديدة لإصدار قوانين تتعلق بالرقابة على الإنترنت. بعض نواب البرلمان طالبوا بحبس مستخدمي فيسبوك ستة أشهر إن كان الاستخدام بدون تصريح، والبعض الآخر طالب بفرض اشتراك شهري على المستخدمين. كان قطار الهوس بالسيطرة على الإنترنت قد انطلق بالفعل.

عمالقةً بالون

لقطة من فيديو يُظهر جون پِري بارلو أثناء تسجيله إعلان استقلال للفضاء السبراني صوتيًا

في 1996، نشر جون پِري بارلو John Perry Barlow «إعلان استقلال للفضاء السبراني»، وبدأه بهذه الكلمات :

يا حكومات العالم الصناعي، يا عمالقةً بالينَ من لحم وفولاذ، آتي إليكم من الفضاء السِبرانيّ، الموطن الجديد للعقل. باسم المستقبل، أسألكم يا من تنتمون للماضي أن تدعونا لشأننا؛ لستم أهلًا ولا تحلِّون سهلًا؛ ولا سلطان لكم حيث نجتمع. ليست لنا حكومة منتخبة ولن تكون لنا على الأرجح حكومة؛ لذا فإني أخاطبكم بسلطة لا تزيد عن تلك التي طالما تحدثت بها الحرية نفسها لأعلن أن الفضاء الاجتماعي العالمي الذي ننشئه مستقل بطبيعته عن الطاغوت الذي تسعون لفرضه علينا؛ ليست لكم شرعية لتحكمونا ولا بيدكم وسيلة لقهرنا تستحق أن نخشاها.

تلعب الحكومات والشركات دورًا أساسيًا في تشغيل الإنترنت الذي نعرفه اليوم، سواء ما يتعلق بتوفير خدمة الإنترنت نفسها وخواديم التوجيه والخواديم المُعدّة لاستضافة المواقع والتطبيقات والخدمات. وبالتالي، يمكن التحكم بتطبيقاته ومحتواه من قبل الشركات والحكومات، ولا يمكن الحفاظ على خصوصية المستخدمين، فبياناتهم تخضع لسلطة مقدمي الخدمات ووسطاء الإنترنت.

بعض المهتمين بحرية الإنترنت والاتصالات اجتهدوا في إيجاد أدوات وشبكات غير مركزية وغير قابلة لسيطرة الحكومات والشركات. مشروع «صندوق الحرية» يسعى لبناء شبكات غير مركزية يتحكم فيها المستخدمون في بياناتهم بأنفسهم ولا يمكن للحكومات أن تسيطر عليها، وهو عبارة عن خادوم صغير، يحتاج لإعدادات بسيطة وسهلة لتشغيله، ورخيص الثمن، ويمكن لأي شخص الحصول عليه، وكل اتصالاته مُشفرة، ويوفّر كل ما يريده المستخدمون من إمكانيات. وهناك أيضًا مشروع مشروع تور «TOR» الذي يوفّر متصفح آمن للمستخدمين، عبر شبكة غير مركزية مؤلفة من آلاف الخواديم التي يديرها متطوعون. ويوفّر تصفح مواقع الإنترنت المختلفة في حالة تخفي، حيث يمر اتصال المستخدم عبر مجموعة من العقد من خلال مسارات معماة، موزّعة في أماكن جغرافية مختلفة، فلا يمكن الكشف عن هوية المتصفح ولا مكانه ولا يمكن حجب محتوى عنه. وأيضًا مشروع زيرو نت، وهو تجربة أخرى حديثة نسبيًا بدأت في عام 2015، تعمل كشبكة غير مركزية تُمكّن مستخدميها من استضافة المواقع الإلكترونية بشكل مشترك من خلال شبكة توزيع غير مركزية مُؤلفة من المستخدمين، بحيث يتشارك المستخدمون استضافة البيانات على حواسيبهم، وهي نفس الطريقة التي تعمل بها خدمات التورنت، كما تعتمد الشبكة أيضًا على تقنية التعمية المستخدمة في عملة بيتكوين الرقمية. الخدمات التي تتاح على زيرونت سواء كانت مواقع إلكترونية أو تطبيقات دردشة وشبكات اجتماعية لا يمكن التحكم فيها من قبل الحكومات أو الشركات التي تزود المستخدمين بخدمة الإنترنت، ولا يمكن حجب أو إزالة محتواها.

تجربة كوبا أيضًا في مشاركة البيانات والمعلومات الرقمية ملهمة للغاية، حيث نشأ حل بديل للحصول على المواد الرقمية، عبر استخدام ما أطلق عليه الكوبيون الباكت (Paquete) وهو حل مبتكر عبارة عن قرص تخزين يحتوي على مواد رقمية مُنوّعة كالمجلات والصحف والأفلام والمسلسلات والبرامج التلفزيونية ومواقع بأكملها يمكن تصفحها دون الحاجة للإنترنت، مثل نسخة اللغة الإسبانية من ويكيبيديا. هذا القرص يُحدّث محتواه أسبوعيًا (كل يوم ثلاثاء). مخترعو الباكت والقائمون على تحديث محتواه غير معروفين، إلا أن المواد الرقمية التي يُشاركوها عليه تصل أسبوعيًا لملايين المستخدمين.

يختم جون پِري بارلو (إعلان استقلال للفضاء السبراني) بجملة:

سوف نخلق حضارة للعقل في الفضاء السبراني. عسى أن تكون أكثر إنسانية وعدلًا من العالم الذي صنعته حكوماتكم من قبل.

اعلان
 
 
محمد الطاهر