ديتوكس| اسمع «تفنيطة» في الإجازة الطويلة
 
 

#جو عام 

أهلًا بكم في هذا الويك إند الطويل، نتمنى أن يكون فرصة للتخلص من أعباء الأسبوع. 

الخريف يستمر مشمسًا، هواة المغامرات والرحلات الطويلة يمكنهم زيارة البحر إذا أرادوا لا يزال ذلك ممكنًا، وإن كنا في نوفمبر.

ولمَن يفضلون الرحلات قصيرة النفس يمكنكم التوجه إلى قرية تونس بالفيوم لحضور مهرجانها السنوي للخزف والحرف اليدوية الذي ينطلق اليوم. أما مَن يفضلون البقاء داخل العاصمة، أو زيارتها في الويك إند، يمكنكم مشاهدة عروض الدورة الثانية عشرة من «بانوراما الفيلم الأوروبي»، وندعوكم لقراءة الترشيحات التي نشرها «مدى مصر» من أفلام البانوراما ستجدونها في #مشاهدة.

مؤخرًا، سمعنا من لبنان أصوات دقات على الطناجر [صحون] تصاعدت من فيديوهات صُورت بعدة مناطق في البلد الذي تستمر ثورته.

دقات الطناجر، سبقتها الـ Cacerolazo التشيلية، [كلمة إسبانية تُشير إلى الطرق على الأواني أيضًا]، وقد تسلل الصوت الأخير ضمن تراكات «تفنيطة» وهي القائمة الشهرية التي ينسقها أحمد الصباغ، وتتضمن كذلك توليفة منسقة بعناية من أحدث التراكات. 

كما دردشنا مع الروائي اللبناني هلال شومان.

#قراءة 

عن «انتفاضة تشرين» [شهر أكتوبر] العراقية يكتب سنان أنطون: 

«لقد أُقيم هذا النظام السياسي على أساس فاسد وباطل وحاول لسنين طوال أن يرسّخ الطائفية السياسيّة والمحاصصة البغيضة. لكن جيلًا جديدًا قاد شعبنا لينفضها ويرفضها أخيرًا. لا بد من الحذر في خضم هذه الأجواء الاحتفالية. نتمنى أن يستمر الزخم الجماهيري والتظاهرات والاعتصامات في سوح العراق وميادينه. لكن إدامة الزخم لفترة طويلة أمر صعب. تتربص القوى المهيمنة الشرسة وميليشياتها وأذرعها، ومن وراءها حلفاؤها في دول الجوار، والتي ستخسر نفوذها ورأسمالها إذا حققت الانتفاضة مطالبها، تتربص وتتهيأ للانقضاض بأقنعة وشعارات الحفاظ على الأمن، وإنهاء الفوضى، أو الدفاع عن هذا المقدس أو ذاك. حتى بعد أن أعلن الشعب أن المقدّس الوحيد هو الوطن».

المصدر: Arabic typography on insatgram

«طبعًا يجب ألا نتجاهل الذكورية الكامنة في أكثريّة الشتائم. غير أنّ مقاربة الصوابية السياسية هنا قد تنقلب رجعيّة، إذ إنّ قلّة حياء السباب وإكثار اللبنانيين منه يوصمهم ولهجة/اتهم بوصمة سلبيّة، كونه كلامًا خارجا عمّا يُعدّ لائقًا. أمّا أنا، فأرى في هذا الخروج الكثير من إبداع لطالما ظلّ محجوبًا عن التجلّي في اللهجات الأخرى (مع الإقرار بوجوده!) بسبب تلك النزعة الفكتورية السالفة الذكر والسائدة في قاعات التدريس والإذاعات والمنصّات العامّة.

وهذا ما أتوخّى تغيّره عبر السخرية اللاذعة من الذل بفعل «عاميّة تشرين» التي عمّمت تلك السخريةونشرتها. وعلى إثر احتلال العامّيات المناطقيّة مساحتها المستحقّة في الفضاءات العامّة، فإنّها ستستحضر معها إلى المتن الشتائمي شتائمها الطرفيّة (والطريفة) فتُشنّف آذاننا ومخزون إبداعنا الشفهي بقوّة الشتيمة الزحلاويةالمقذعة والخلّاقة على سبيل المثال (لا الحصر!)».

من مقال سونيلا موباي «دفاعًا عن الشتيمة» المنشور على «ميغافون».

«فيما يلي، قصة اعتقالي لدى تنظيم داعش، وتنقّلي بين أكثر من خمسة سجون، في كلٍّ من دير الزور والرقة والميادين، وما تخلّل ذلك من قصص مرت معي وأثرّت بي، لأناسٍ بعضهم تمكن من العودة لأهله فيما بعد، والبعض الآخر لم تُكتب لهم العودة حتى اليوم»، بهذه الفقرة يبدأ حذيفة محمد مقاله الغنّي «مرتدون في سجون الخليفة»، المنشور في «الجمهورية»: 

«مضت السيّارة بنا ونحن ملقيَّيْن على بطوننا، ليلتفت الملثّم نحونا ويبدأ ضربنا، بشكلٍ هيستيري، بخرطومٍ كان يحمله؛ بغرض معرفة مكان جهاز الإنترنت الفضائي الذي ادّعى أننا أخرجناه معنا من المعبر العسكري! في الحقيقة كنت قد أخرجت معي بضعة هارداتٍ فقط، ولم يكن بحوزتي جهاز إنترنت، والذي كانت حيازته كفيلةً باعتبارنا «مرتدّين» مصيرنا القتل، كحال الكثيرين الذي قُتلوا بهذه التهمة بعد أن أعلن التنظيم منع اقتنائه».

هُنا ترجمة حوار أُجري مع الكاتبة البولندية أولجا توكارتشوك (نوبل الأدب 2018):

وتقول صاحبة النوبل البولندية: «أمي كانت أستاذة للأدب البولندي، وكان مخططًا لي أنا الأخرى، بطريقة ما، أن أدرس الأدب مثلها. لكن من حسن حظي أن خضت معها معركة مراهقة، كانت بمثابة تمرد كبير على أبويّ، وهذه حالة صحية تمامًا للعقل. فقررت أنني لن أدرس الأدب ولن تكون لي علاقة بالأدب. كان علم النفس مجالي، بغاية العمق، واقتنعت بأن أدرسه. لكن عليك أن تراعي أن ذلك كان في مطلع الثمانينات في بولندا، وكان وقتًا مقبضًا إلى أبعد حد. قانون مارشال Marshall Law ، المتاجر الخاوية، حالة الكآبة العامة في بلدنا. فكان علم النفس أيضا مهربًا من الواقع ولو بدرجة قليلة. وبالطبع كنت قد قرأت سيجموند فرويد في المدرسة الثانوية فكان صاحب أول أثر عليّ من علم النفس. فبغاية السذاجة فكرت أن كل دراستي في علم النفس سوف تقتصر على سيجموند فرويد. وبالطبع لا، فقد كنا في ظل حكم الشيوعيين، والوسط الأكاديمي، العالم الجامعي، كان يفضل التركيز على الفهوم السلوكية للبشر. لكن في ثنايا دراستي لعلم النفس سرعان ما بدأت العمل على حالات، مع مرضى. تطوعت منذ البداية الأولى. ثم اكتشفت أول اكتشافاتي الضخمة: أن الواقع قد يُرى من وجهات نظر شديدة الكثرة.

قد يبدو هذا تافهًا الآن، في القرن الحادي والعشرين، لكنه، قبل سنين كثيرة، كان ثورة بالنسبة لي. هذا معناه أنه ما من موضوعية، ولكن حسبنا أن نرى الواقع من وجهات النظر هذه. وأتذكر إحدى حالاتي الأولى ـ حالة أسرة وشقيقان يحكيان لي قصة تلك الأسرة. فجاءا بقصتين مختلفتين كل الاختلاف عن الأسرة الواحدة. ثم قلت «تمام. ما معنى هذا؟» أعتقد أنها كانت خطوتي الأولى إلى الكتابة لأنني مصرة على أن الكتابة هي البحث عن وجهة نظر معينة ومحددة في واقع واضح للكثيرين».

الحوار أجراه جون فريمان محرر موقع «ليت هب»، ونشر بالإنجليزية في أعقاب ترجمة روايتها «flights»، للإنجليزية وصدورها بالولايات المتحدة الأمريكية، وترجمه إلى العربية أحمد شافعي.  

#مشاهدة

«في أيام بانوراما الفيلم الأوروبي، عادة ما تقابل ذلك الشخص المنهمك في قراءة جدول في يده، يتأمله بعناية، ثم يدخل على الموبايل يبحث عن شيء ما، قبل أن يعود ليرسم دوائر وخطوط على ذلك المنشور، كأن لجنة الامتحان، نقصد شباك الحجز، سيغلق بعد خمس دقائق ولا سبيل للمراجعة.

لأننا نعرف أن الإبحار في جدول البانوراما، وسط كل هذه الأفلام الواعدة، ليس بالأمر السهل أبدًا، نقدم إليكم هذا الموضوع من أجل تقليل معاناة لحظات الحيرة، ليساعدكم على اتخاذ قرار في أي الأفلام ستضيفونها إلى جدولكم، إليكم المراجعة النهائية للدورة الثانية عشرة من فعالية بانوراما الفيلم الأوروبي».

الترشيحات نشرها «مدى مصر» بالتزامن مع افتتاح البرنامج، الأربعاء الماضي، وقدمها لكم شريف زهيري، وليلى أرمن، ومحمد أمين، ومحمد الحاج، ونور الملاح، ويارا شاهين، وياسمين زهدي.

أحمد وائل يرشح للمشاهدة «dancing with the birds»:

كيف تكون المواعدة عند الطيور، سلسلة الوثائقي «dancing with the birds» أُعدت حتى نتعرف على قصص المواعدة، الأداءات أكثر تعقيدًا من الرقص، لكن أغلب ذكور الطيور يرقصون للإناث حتى يحدث استلطاف. بعض الرقصات معقدة، وتتطلب جهد عضلي عظيم، لتكون الرقصة استعراضًا مبهرًا. 

dancing with the dirds

يوظف الذكر الرقص وحركات الريش، الذي يتشكل بطرق غاية في الجمال. المشاهدة تقدّم لنا مستويات من المواعدة، فمنها ما يتلخص في الرقص، أما بعض الأنواع الأخرى فعليها أن تبني عشًا، والمسألة ليست مجرد جمع لأغصان ومراكمتها فوق بعضها، وإنما بعض نماذج الأعشاش التي ستشاهدونها معقدة من حيث البناء الهندسي، وهناك مِن الطيور مَنْ يسعي لتأسيس عش شاهق الارتفاع، لأنه لو كان قصيرًا كبناء فلن يلفت انتباه الوليفة المأمولة. وفي مرات تكون تحرك الغيرة طير لتدمير عش الآخر، حتى يضمن أن تعجب الطائرة بعشه حينما لا تلمح عشًا منافسًا. مشاهدة هذا الوثائقي تخبرنا بالكثير عن حياة الطيور، والأهم مدى ما تبذله صغار الطيور من مجهود قد لا يبذله البشر إلا نادرًا.

الوثائقي مُتاح على منصة نتفلِكس، ومن إنتاجها هذا العام.

#سماع 

يقدّم لكم أحمد الصباغ «تفنيطة»، وهي قائمة شهرية ينسقها من أحدث التراكات التي يراها مناسبة للويك إند الطويل، نتمنى لكم الاستمتاع بتفنيطة الصباغ.

على سبوتيفاي، ويوتيوب.

نصيحة: يفضل سماع «تفنيطة» بالترتيب الذي تحب.. فنطها براحتك.


Cacerolazo للتشيلية الفرنسية آنا تيجو، والكلمة الإسبانية تشير إلى طريقة الاحتجاج بالطَرق على الأواني في المنازل والتي استخدمت خلال الأسابيع الماضية في تشيلي بعد فرض حظر التجوال في سانتياجو ومدن أخرى عقب مظاهرات ضخمة، وهو مستوحى من الاحتجاجات ضد نظام بينوشيه العسكري.

 -في الراب ولا سيما السياسي، لدينا إصداران جديدان لمازن السيد -أو الراس- من طرابلس اللبنانية. في «شوف» يوجه التحية إلى الثوار في لبنان، وفي «مارادونا» يترك لنا ملاحظة: «تراك مسجل من أشهر قبل الثورة، نزلته اليوم ميشان مع التراك الجديد نقيس الفرق».  

-«ياما» من ألبوم جديد لمشروع كاميليا جبران وفيرنر هاسلر، الأغنية تعتمد على أداء كاميليا الاستثنائي والجديد على الأغنية العربية، وعلى سينثات فيرنر المتقطعة وإيقاع ثابت وبسيط مع مؤثرات تشويش.

-«فري» أغنية جديدة لمروان بابلو والمنتج مولوتوف، تتصدر تريند الموسيقى بمشاهدات تجاوزت التسعمائة ألف مشاهدة حتى الآن، تظل «الجميزة»، وبعدها الأغنية الجديدة، وكلتاهما لبابلو، من أفضل إصدارات العام ويبدو أنه نجح بتحقيق قوله «السنة دي هاخدها ليا».

بالعودة لجديد بابلو، فإنه استخدم أسلوب جديد غير مكرر وفلوهات أسرع في النصف الأخير من الأغنية الذي جاء بعد غياب ثلاثة أشهر وحفلة مع كايروكي. أما المنتج مولوتوف فاستخدم سنثاته المتعاقبة والمميزة مع إيقاع بطيء، لكّنه يختلف هذه المرة عن «الجميزة» و«جيب فلوس».

-«جوانا» للسوري بوكلثوم بأسلوبه الإسثنائي، فينتقل بوكلثوم بين الراب والغناء ويمزج بين الراب والبلوز لكن بطريقته الخاصة الأقرب إلي الموال الشامي، ويبدو ذلك في ختم كلمات الراب بالنبرة الحزينة كما في «شوقي» – «توبي» و«فيني»- «يرويني؟»، وأيضًا أسلوب الغناء في جمل مثل «حجر قاسي» و«زارعين ورد حالي»، وفي الجمل الرئيسية في الغناء أيضًا مثل «لا تنسوها» و«لا تسقوها‎».

ألبوم جديد للدنماركية «MØ» وللجامايكي الأمريكي «Walshy Fire» وهو أحد أعضاء فريق «Major Lazer»، يمزج الألبوم بين أغاني جديدة وقديمة، ومنه اخترنا لكم هذه الأغنية.

وتعود الأغنية الأصلية لفريق الروك التسعينياتي The Smashing Pumpkins

#دردشة 

ضيفنا في دردشة هلال شومان، وهو روائي لبناني صدرت له أربعة أعمال، أحدثها «كان غدًا» (2016، دار الساقي).

 -نبدأ بالكلام عن الكتابة.. بتكتب إيه؟ ولمين؟ 

يبدو لي سؤال «لمن نكتب» مرافقًا للكتابات الأولى التي تستكشف وقد لا تصل. ورغم كونها مثل غاب متوحش ينبت فيه كل شيء بلا تشذيب، فإن هذه الكتابات تحوي دائمًا لفحة من الأصالة قد تختفي في كتابات لاحقة. بعد النشر الأول، أو النجاح غير المتوقع لكتابات تالية، يلحُّ سؤال المكتوب والقارئ أكثر. ومن السهل أن يقع الكاتب تحت ضغط السؤالين، ومعهما تحضر منظومة ثقافية كاملة من الكتاب المكرسين والنقاد والجوائز ودور النشر. في العالم العربي، لسنا أمام فعل قراءة غير كمالي. القدرة الشرائية معدومة، النظام التربوي في أسوأ حالاته، ومَن يقرأ روايات بالعربية ينتقي القليل الذي يقدر على شرائه وتسهل عليه قراءته. فعل قراءة المنشور الورقي والإلكتروني فعل كمالي وأحيانًا طبقي. في المقابل، وأمام هذه المحدودية في الطلب، ماذا يفعل الكاتب الذي يعتاش من الكتابة؟ يحاول التموضع، أم يبقى شريدًا، أم يزن الأمر؟ هل يعتاش من النشر في صحافة عربية ميتة، أم يترجم تقارير، أم يعمل في الترجمة أم؟ لا ألوم أحدًا هنا ولا أسائل. فبخلاف نماذج تفرضها المنظومة الثقافية بشكل مباشر أو بالتواتر، تبقى الخلاصات هنا شخصية للغاية. الوضع بالغ السوء، ومعه تصير القدرة على عدم التفرغ للكتابة، وعدم الاضطرار للكتابة بوتيرة منتظمة، أو في الكتابة عن مواضيع معينة، امتيازًا. سألتُ السؤال (لمن أكتب؟) وحاولتُ أن أفهم كيف تلقى القراء الروايات الأربع التي نشرتها، ولم أصل لنتيجة. وعندما تحدثتُ في الأمر مع صديق يعمل في النشر ناقشنا كل التفاصيل. حجم الرواية؟ مضمونها؟ لغتها؟ تضمنها لرسوم؟ هيكلها؟ وصلنا نهايةً إلى خلاصة: الموضوع اعتباطي للغاية وأمام محدودية فعل شراء الكتب العربية وقراءتها، لا يمكن تجاوز هذا الاعتباط. وعليه تركتُ سؤال القارئ بلا إجابة، ولا أعود إليه إلا في لحظات الإحباط (وما أكثرها). 

أما عن ماذا أكتب؟ فيقال لي إني أكتب رواية ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية بإضافات «سينمائية». للأمانة، لا يروقني التعليق. فأولًا، هل تفرض فترة النشر الزمنية مثل هذا التصنيف الحاد (رواية حرب قبالة رواية ما بعد رواية حرب)؟ وانطلاقًا من التقسيم ذاته، ألا يمكن أن تُنشَر روايات الآن بمضمون ومقاربات روايات الحرب الأهلية؟ أما عن كون الروايات التي أكتبها سينمائية، فأظن الإشارة خاطئة ويراد منها القول إنّ الروايات التي نشرتُها ترتكز على المشهدية أكثر منها اللغة. أحاول أن أفهم هالتوصيف، وإن كنتُ لا أتفق معه ومع خلاصته: مشهد أكثر من لغة. صورة أكثر من عبارة. أظن أن الملاحظة هذه تقول الكثير عن توقعات معتمديها لما يمكن أن تحتويه أي رواية مكتوبة بالعربية، وبعلاقتهم باللغة بشكل عام. نحن أمام إرث لغوي ثقيل. الشعر العربي سبق الروايات المكتوبة بالعربية (أحاول أن أتفادى هنا استخدام عبارة «الرواية العربية») إلى هذه المعركة. شخصيًا، وبالابتعاد عن الناتج النهائي، الذي بالمناسبة لا أعود لقراءته كاملًا بعد نشره، أستطيع القول إنَّ ما نشرتُه اعتمد على اشتغال هيكلي وإيقاعي في المستوى الأول، واللغة تُقاد ضمن هذين الهيكل والإيقاع. أما عن مضمون الروايات، فالأمر بسيط للغاية وغير مخطط له على النحو الذي يظنه كثيرون. أبدأ من عبارة واحدة تصف فكرة أو هيكلًا. 

مثلًا، في «ما رواه النوم»، كانت الصورة: رواية متقطعة عن رواية تدور في رأس شاب معتزل في غرفته، وكلما تقدَّم في روايته نزف دمًا. التقطع هو في شكل الفصول ومضمونها وإيقاع كتابتها والأمر تحايل على تجربة كتابة الرواية للمرة الأولى وطريقة كي لا ينقطع النفس في كتابة طويلة لن تكتمل، بحكم انعدام الخبرة وقلة صبر البدايات. 

في «نابوليتانا»، كان المشهد: رواية مكتوبة بالتتابع عن شاب لا يفهم لِمَ تركته حبيبته يعود ليراها صدفة مع زوجها بعد سنة وطفلها الرضيع من وراء واجهة زجاجية لمطعم. 

في «ليمبو بيروت»، كنت عازماً كتابة خمس فصول عن خمس مدن عربية مع رساميها، وكان الأمر ذريعة لتجريب أنواع خمسة من الكتابات. لكن الناتج النهائي كان خمسة فصول منفصلة متصلة يجمعها حدث واحد وتوابع المشهد الرئيسي، لتصبح الشخصيات الرئيسية في فصل أول ثانوية في فصول أخرى. 

في «كان غدًا»، حرك مشهد في رأسي الفكرة برمَّتها: موت جماعي يتكرر في شوارع لبنان بلا سبب، فكيف سيتصرف النظام، وما الذي يحدث عندما يجبَر الناس على مغادرة فقاعاتهم التي جهدوا في ملازمتها طيلة سنين سابقة؟ وكيف يتصرف مجتمع الإعلام والفن والسياسة إزاء مثل هذا الهلع؟

اللغة لا تطاوعك أحيانًا؟

كلّما سئلتُ عن اللغة، أحاول العودة للمرات الأولى التي تعرضتُ فيها إليها. اللغة عندي ملازمة لفعل الحكاية، وللعلاقة مع الكبار في السن. أتذكرني جالسًا في حجر جدي الذي كان يروي لي قصص الأنبياء بلهجة بيروتية محببة، وأتذكر تعرضي لعبارات ذات أصل تركي كانت تستخدمها عمة أمي. أعود إلى سورة «العاديات» بقلقلة حروف كلماتها الوسطى التي كانت تعاظم من جهد تلاوتي لها. تعرُّضي الأول للغة العربية هو تعرُّض قرآني واجتماعي، وظل كذلك خلال دراستي في مدرسة مشهورة بإيلائها اللغة العربية أهمية قصوى في بيروت. علينا أن لا ننسى هنا أنَّ الاهتمام باللغة العربية هو فعل سياسي بالمقام الأول في لبنان، الذي غادره هذا الاهتمام كنتيجة ربما لفشل المشروع العروبي فيه. كنتُ محظوظًا في كوني حظيتُ بمثل هذه الفرصة التي أتت مع ثقل وتوقعات. والخروج من هذا الالتزام اللغوي بمعناه المتحجر وعدم التحديثي لم يكن سهلًا. التوقف لفترة طويلة عن استخدام العربية والتركيز على التعامل والتواصل باللغة الإنجليزية ساعد أيضًا. هناك شيء ما يتغيّر في استقبالك للغة، لتراكيبها وإيقاعها، عندما تبتعد عنها وتتعرض للغات أخرى. للهجة العامية أيضًا تراكيبها وألفاظها وعباراتها وكل هذا، أظنه، يلعب في الرأس بلا تخطيط. خلال عملي، بعيدًا عن الثقافة، ومع استخدامي اللغة الإنجليزية في تعاملي مع زملاء عمل أجانب، سرعان ما انتبهتُ أني أحور وأدور حول الإجابة ولا استخدم تعابير مباشرة، وكان الأمر ينتهي دومًا بإعادة السؤال نفسه من قِبلهم. هذا الأمر دفعني للتفكير أكثر، وبالأخص خلال العملية التحريرية: كيف يسهم الاستخدام الحالي للغة العربية في إرساء شكل وإيقاع للسرد الروائي العربي؟ وكيف يمكن تغييره؟ وهذه أسئلة لاحقة للكتابة طبعًا، وغالبًا ما تبرز عند الابتعاد عن النص وإطالة مدة العملية التحريرية. 

– الكتابة كوسيط كاف؟ فكرت تستخدم رسوم مثلًا (بعد ليمبو) أو وسيط آخر؟

أعتقد أننا عندما نسائل الجدوى من النشر بالعربية (ولا أقول الكتابة)، فإنَّ سؤال الوسيط يبدو غير ذي جدوى. المشكلة ليست في الوسيط. المشكلة في انعدام وجود قارئ عربي. وهذه المشكلة عابرة للوسائط، لذا فإنَّ التنقل بين الوسائط لا يحل المشكلة. تجربة «ليمبو بيروت» كانت منهكة. أخذنا عنها منحة، ودفعت 20% من جيبي الخاص لنصل للناتج للنهائي الذي وصل للقارئ منشورًا. عندما أنجزنا الملف، وذهبنا به للنشر الأخير بعد المرور بلجنة القراءة، (كل كتاب أكتبه يمر بلجنة قراءة لتحديد القرار من النشر)،  كان تعليق الناشر الأول: هذه لن تبيع في الخليج، فيها صور لنساء عاريات. وعليك أن تساهم معنا بدفع المال لنشرها. فورًا سحبتُ الرواية من الدار وذهبتُ بها إلى دار التنوير التي نشرت الرواية مشكورة. لماذا أتشارك هذه التفاصيل؟ لأقول إن عملية النشر بالعربية عملية منهكة شخصيًا لي. في كل مرة أكتب فيها رواية، أحملها وأدور بها على دور النشر. وفي كل مرة أسائل الجدوى من النشر، ثمَّ أعود للنشر. أمام عملية كهذه، يبدو سؤال توسيع الاشتغال الكتابي نحو وسائط أخرى سؤالًا رفاهيًا، لذا لا أظنني سأجرب بعيدًا عن الكتابة النصية لفترة طويلة مقبلة.

ككاتب بتحس إنك منتمي لجيل أو مزاج أدبي، تلاقي مع فئة محددة من الكُتّاب؟ 

في لبنان المشكلة مضاعفة وتتخطى سؤال الجيل والأمزجة إلى سؤال اتجاهات اللغة. قراء العربية أقل تاريخيًا ومحدودون بمجموعات بعينها وبطبقات اجتماعية قادرة على شراء الكتاب. اللغة العربية، رغم كونها اللغة الرسمية، هي في النهاية موقف سياسي، وهذا يعاظم من مشكلتنا ككتاب. العين على المكتوب من منظور سياسي وقومي تحديدًا. الكتابة اللبنانية تحاول أن تثبت دومًا أنها عربية أكثر، لذا ترى هذه الاختلافات في التراكيب والصياغات اللبنانية في الصحافة والأدب. هذا ثقل مضاعف علينا عندما نكتب وعندما نذهب للنشر. في لبنان، تتنازع نظرتان، نظرة المبالغة بحماية العربية، ونظرة المبالغة بالارتداد عن هذه الحماية من منطلق جلد الذات «اللبنانوي»٠ لذا، عندما تكون ابن بيئة عروبية، وعندما يكون سوق النشر ابن هذه البيئة، هناك مَن يتوقَّع منك لغة بعينها. مثلًا، دائمًا ما أُجابَه بسؤال يتكرر من ناشر إلى آخر: «هل تكتب نصك بالإنجليزية وتترجمه؟» السؤال على استفزاز تكراره، يقول الكثير عن الموقف من اللغة، واختلاف استخدامها. هل الأمر جيلي؟ لا أعرف. لستُ من محبذي التحليل الجيلي. أعتقد أن واقع الجمهورية الثانية الذي بدأ مع إعلان نهاية الحرب الأهلية اللبنانية لا يمكن إلا أن يأتي إلا بهذا التنازع والاشتغال اللغوي. وقد يكون مملًا للغاية أن ينحصر موقف الكاتب بكونه واجهة للدفاع عن لغة ما. اللغة بدورها تفرض موضوعاتها والعكس صحيح. كيف تعبِّر عن موضوع خارج المواضيع من مثل الواقع اللبناني بعد انتهاء الاحتراب العسكري الأهلي. وهل من واقع وحيد؟ وهل فعلًا طريقة التعبير عن هذا الواقع تتصل حكمًا برؤية جيلية؟ لا أظن الأمر يحدث على هذا النحو. هناك روايات لشباب أعادت تصدير كتابات بعينها عن الحرب الأهلية أو العلاقات بين الطوائف أو نظرة القضية لبدايات الحرب الأهلية. هؤلاء كتاب لم يعيشوا الحرب فاستسهلوا مثلًا النسخ بلا أصالة، فأين يصير تعريف الكتابة الجيلية هنا؟

-الكلام في السياسة في الكتابة؟

الكتابة هي فعل سياسي. لا أضيِّع وقتًا في قراءة من يقول إن كتاباته كتابات إنسانية. أستطيع فورًا افتراض ما ستتضمنه هذه الكتابات. القول بإنَّ لكل طرف سرديته هو قول يختلف عن تصدير خطاب ما بعد الحدث الكسول وإعلامنا عبر الرواية أن الفتنة الطائفية ممكن أن تؤدي لكذا وكذا، وأن الحرب الأهلية قذرة فاجتنبوها. الخلط دائم في مثل هذه الكتابات التبسيطية. هذه ليست كتابات سياسية، هذه كتابات مسخ عن كتابات القضية، ولو اختبأت وراء خطاب تحطيم التابوهات. وإذا كانت كتابات القضية قد أنتجها سياق ما واتسمت بأصالة عصرها ومحاولة نقد ذاتي، فإنَّ الكتابات الإنسانية وكتابات البوح والهمس و.. أنتجتها محاولة تأطير وحجز اللا معنى الذي تسبب به انعدام المجال السياسي. وعوضًا عن الخوض لفتح هذا المجال، تأتي هذه الكتابات لتكون ضد -سياسية، وتلاقي اتجاهات عامة في الاجتماع والحكم لمحاولة تبسيط الأمور وحلها عبر خطابات تقنية. هذه كتابات تقنية بالمعنى السلبي للكلمة. هذه أيضًا كتابات «وطنية». وإذا عدنا إلى بيانات الإعلان عن جوائز الرواية، فسنجد هذه الإشارات عن «الوطنية» و«الإنسانية» و«المجتمعات» تتكرر من دورة إلى أخرى. أجد أن أي كتابة لا تحمل ملمحًا سياسيًا ولا تتجنب الخطابات الآمنة هي وليدة انعدام المجال السياسي ولا تقدم جديدًا يُذكَر، بل قد تكون ربما كتابات رجعية. لا يتعلق الأمر بمضمون الكتابات فحسب بل يتعداه للغة والفنيات و و و..

-يعني إيه كلمة وطن؟ 

أجبتُ عن هذا في السؤال في نص نشرته مجلة «The Outpost»، والخلاصة كانت أنّ الإجابة تمر عبر أشخاص حميمين نشاركهم لحظات بعينها هي مجاز عن العمر بأكمله. المكان بهذا المعنى غير ذي أهمية في الإجابة. والآن عندما أفكر بإجابتي التي وصلتُ إليها بعد مقاطع مطولة من الخطو خطوة إلى الأمام وعشرة إلى الوراء، أجدها متصلة بالفكرة اللبنانية. سعيد عقل يقول في قصيدته «لبنان»: «ومن الموطن الصغير نرودُ الأرضَ / نذري في كل شطٍ قرانا / نتحدى الدنيا شعوبًا وأمصارًا / ونبني أنّا نشأُ لبنانًا». وهذه هي الحمولة التي نقارعها، فكرة كيانية فوقية تلتصق بنا مثل علقة، لا نستطيع الفكاك منها فنحاول أن نهشمها من داخلها. النظام الحالي بشخص وزير الخارجية روَّج لعبارة «انتشار». صرنا «منتشرين» وصار الوطن حقيبة، أو ربما نحن مَن يتواجد في حقيبة الوطن. الأمر متعب، وهو رحلة لا تنتهي داخل البلد حتى تبدأ من جديد عند مغادرته. ما هو الوطن اللبناني، وكيف يمكن إعادة تشكيله؟ دون هذه المحاولات لإعادة التشكيل قهر دائم لجنسيات وأقليات يضطلع الوطن في تعذيبها المنتظم يوميًا، وهذا كله يبدو متصلًا بك رغمًا عنك، ولا يكفي الاعتذار عنه. الوطن بهذا المعنى يبدو أقرب للتهمة من الفكرة النوستالجية المعهودة.

-المستقبل شايفه إزاي؟ والماضي انتهي لما إيه اللي حصل؟

أجيب عن هذه الأسئلة على وقع يوميات الانتفاضة اللبنانية، التي عزمتُ استخدام لفظ «ثورة» للإشارة إليها نكاية بالإعلام اللبناني الذي يشير إلى الحاصل بكونه «حراكًا». ما يحدث مهول، ورغم أن التحركات تكررت حتى الآن بفارق ثلاث سنوات، فهذه هي المرة الأولى التي نشهد فيها تحركات أصيلة في انعدام مركزيتها البيروتية. هذه ثورة المحرومين بحق. هذه ثورة ضد الحكام السفلة معدومي الخبرة والحياء معًا. ولافت هذا الانحدار العالمي والإقليمي من كاريزما طاغية لديكتاتوريين إلى انعدام كاريزما قاتل. هذه ثورة ضد هذا النظام الذي قام بطوريه (مع الجيش السوري ودونه) على طمر السرديات مجازًا وماديًا. عندما يقطع الناس الطرقات الآن فهم يقطعونها عند خط تماس سابق، وعند خط تماس حالي. وإذا كان الخط السابق محددًا بخطوط القنص، فالخطوط الحالية يحددها التوحش المعماري لرجال الأعمال والمصارف اللبنانية الذي أتى على الباقي من الملمح المعماري والسكني لبيروت ولفظ أهلها خارجها. الثورة تسترد هذا المعنى وتسائل هذا التوحش المعماري والأعمالي والمصرفي و و.. لا يمكن فهم هذا الكم من الكتابات على الجدران في وسط المدينة الفارغ ليلًا إلا عبر انفلات المطمور. هناك لغة مكتومة وجدت طريقها للعيان على الجدران والألسن، وفي الأجساد والهتافات. أقرأ كتابات كثيرة عن «انتهاء الحرب الأهلية»، و«انتهاء الطائفية»، وعلى احترام الحماسة فإني أميل لوصف ما يحدث على كونه «انتهاء صلاحية الجمهورية الثانية»، ومحاولة لبحث في منحى التشكل الشعبي الأصيل الذي صنع الإفقار المتمادي خروجه العظيم هذا. أعتقد أن الماضي (سواءً سميناه حربًا أو سلمًا أهليين) لن ينتهي إلا عند إسقاط الجمهورية الثانية، حامية السردية الرسمية للحرب الأهلية وقاتلة مفقودي ومخطوفي الحرب .وبعدها، بعدها فقط، يمكننا التحدث عن المستقبل.  وحتى ذلك الحين ينبغي لنا حماية هذا الخروج الكبير، وتشكيله، ودعمه، والتواضع والإنصات، والتعلم من زخم اليوميات، والعمل على أنفسنا أكثر كي لا نحجز المعنى من جديد.

#سلام 

وفي النهاية نتمنى لكم إجازة سعيدة خلال الويك إند الطويل.

اعلان