انتفاضة لبنان جنوبية أيضًا
 
 
الصورة: لينا عطاالله
 

المشاعر التي صاحبت انفجار الانتفاضة في لبنان عديدة. لكن شعور الصدمة أتى من الجنوب وحده. صدمة من كل شيء. من ارتفاع حدة الاحتجاج في الأيام الأولى، من تعامل حزب الله، الفاعل السياسي الأقوى في الجنوب، مع فعل الاحتجاج وملابساته، من الدعاية والدعاية المضادة، وحتى من المشهد العام بعد مرور أكثر من أسبوعين على بداية الانتفاضة. 

الصدمة جاءت كذلك من إنهاء حالة الاستثناء التي فرضها حزب الله منذ دخوله المعترك السياسي اللبناني، فلم يعد الحزب بعيدًا عن حراك الناس ومطالبهم، إذ أنهم حمّلوه مسؤولية المشاركة في فساد السلطة السياسية والتغطية عليها، وإن كان ذلك يأتي في سياق يحفظ لحزب الله دوره في مواجهة إسرائيل.

بداية المشهد في الجنوب، والذي يسيطر عليه حزب الله وحركة أمل، تنطلق من مدينة صور. تلك المدينة التي سطا على مقدراتها رئيس حركة أمل، نبيه بري، وزوجته راندا ودائرته الضيقة. وفي السنوات الأخيرة شكّلت حالة خاصة للمدينة التي تجمع بين حزب الله وحركة أمل، إلى جانب وجود العديد من المنظمات غير الحكومية، كما أن معظم ضباط القوات الأجنبية «يونيفيل»، وهي قوات عسكرية متعددة الجنسية تنتشر على طول الحدود بين لبنان وفلسطين المحتلة، تتمركز هناك. 

«صور» هي أيضًا مدينة أكثر انفتاحًا وقبولًا للآخرين مقارنة بغيرها من الجنوب، يتعايش فيها سكان من مذاهب وطوائف متعددة، ويبقى شاطئها من أبرز شواطئ الترفيه في لبنان كله. 

زيارة صور بعد أيام عدة من بدء الانتفاضة لم تعوّض عن المشهد في بدايته. كان التحرك في المدينة ضد السياسيين واضحًا ولا لبس فيه. تمّ إحراق وتمزيق صور نبيه بري في أكثر من مكان، وتم اقتحام «الريست هاوس» وإحراقه وهي استراحة مملوكة لزوجة بري، وحطموا لافتة مكتب النائب عن الحركة علي بزي.

رمزية اقتحام الاستراحة وإحراق صور بري أكثر من مجرد فكرة كسر صورة الزعيم الحامي. الأمر أصلًا ليس رمزيًا. هو فعل مباشر يتناسب مع مطلب استعادة الأملاك البحرية المنهوبة، واستراحة راندا، لا طالما كانت رمزًَا لتلك الأملاك العامة المنهوبة.

في ساعات الليل اللاحقة لتلك المشاهد، نزل عشرات المسلحين المحسوبين على الحركة مكشوفين الوجه ومعروفين الهوية بالسلاح الحي لإشاعة أجواء الترهيب بين المعتصمين. أطلقوا الرصاص الحي بالقرب من أماكن الاعتصام، هجموا عليهم، طاردوهم حتى خلت الشوارع والساحات. 

في الصباح، عاد المتظاهرون للاعتصام لكن بأعداد أقل، مصدومين من نشاط حركة أمل في تعليق المزيد من صور بري في شوارع المدينة.

بعد بضعة أيام من هذا الهجوم، وفي اعتصام مقابل لشاطئ البحر يقيمه عدد ليس كبيرًا من أبناء المدينة، قال لنا أحد المعتصمين: «لا نريد الآن الهتاف ضد نبيه بري بشكل مباشر، لا لأننا نريده، لكن لأن أنصاره بلطجية».

وقالت فتاة أخرى من المعتصمين: «حركة أمل ضربوا علينا الرصاص الحي، وحزب الله يتحدث مع أهلنا ليمنعونا من النزول للتظاهر. بنات عمومتي جميعهن كانوا في التظاهرات، لكن والدهن المنتسب لحزب الله منعهن من ترك المنزل».

أصر الاعتصام على الاستمرار بصورته الأولى. الهتافات لا تنقطع، بعدها الاقتصادي والطبقي طغى على الآخر السياسي: هتافات ضد الفقر وحكم المصارف وغيرها. وكذلك استمرت موسيقى الشيخ إمام ومارسيل خليفة وغيرهم. 

بعد صور، تأتي النبطية وكفر رمان. الأولى مدينة يسيطر عليها حزب الله بشكل كبير، والثانية قرية تم تسميتها «كفر موسكو» إذ يعيش فيها غالبية شيوعية، منتمية للحزب الشيوعي اللبناني أو ليست منظمة حزبيًا.

من المعروف لبنانيًا أن العلاقات بين حزب الله وحركة أمل ليست كما الظاهر، وأن ذلك التحالف الشيعي- الشيعي يخفي تحته تاريخًا من العداء شمل القتال المسلح لسنوات بين التنظيمين خلال الحرب الأهلية، ففي الوقت الذي دافع فيه حزب الله عن المخيمات الفلسطينية في لبنان عقب انسحاب مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية، كانت حركة أمل تنفذ المخطط السوري الرامي لاستئصال بقايا المقاتلين الفلسطينيين في لبنان، وقاتلت المخيمات نفسها لسنوات. وفي ذلك السياق، العداء للحزب في النبطية لا يقتصر على حركة أمل فقط، بل يمتد أيضًا إلى الشيوعيين.

مع نهاية الحرب الأهلية وسقوط الحليف الأساسي للشيوعيين، الاتحاد السوفيتي، تأثرت قوة الشيوعيين بشدة، وبعد سنوات من ذلك كان المنفذ الوحيد للشيوعيين لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي هو عن طريق العمل المشترك مع حزب الله تحت راية ما عرف بـ«سرايا المقاومة اللبنانية». غير أن العمل المشترك هذا يخفي تحته كذلك توترات قديمة، تتجدد أحيانًا. 

من جهة حزب الله، كان هناك تعمد لتجاهل دور الشيوعيين في مقاومة الاحتلال قبل سنوات طويلة من ظهور حزب الله أصلًا، حتى أن الحزب يفضّل التذكير بـ«الدور المقاوم» لحركة أمل، التي قاتلت المخيمات الفلسطينية بتحريض من نظام حافظ الأسد، لكنه يتعمد تناسي دور الشيوعيين.

على الجهة الأخرى، فإن الشيوعيين لا ينسوا أن الحزب ملأ كل مساحة المقاومة، ولم يسمح لغيره بالتحرك فيها إلا بقرار منه، ويذهب بعضهم إلى أن الحزب اغتال شيوعيين مقاتلين ليتمكن من السيطرة الكاملة على موقع المقاوم.

بين هذا الإدعاء وذلك، حدثت احتقانات اجتماعية كثيفة بين الطرفين المتناقضين. كانت هذه الاحتقانات على قاعدة الحريات الخاصة والقيم الاجتماعية في الجنوب اللبناني. كما كانت تلك المنطقة هي الأكثر خرقًا لقاعدة «ألا نواجه حزب الله في الانتخابات البلدية والنيابية»، فقد واجهته بقائمة منافسة، وحصلت على أصوات كبيرة، لكنها لم تصل لدرجة هزيمة الحزب.

ثم جاءت انتفاضة لبنان من شمالها لجنوبها. في الطريق إلى النبطية، بدأت حسابات إلكترونية مناصرة لحزب الله في نشر معلومات عن المعتصمين هناك. نشروا صورًا لأشخاص قالوا إنهم نظموا التظاهرات، وقالوا إنهم إما عملاء سابقين لإسرائيل، أو «حاقدين على حزب الله». شاعت أيضًا أخبارًا أن صحفية إسرائيلية وصلت إلى بيروت وصورت نفسها في التظاهرات، ونشرت تقريرًا في «يديعوت أحرونوت». بالطبع كانت إشاعة أخرى بهدف شيطنة الانتفاضة، الصحفية كانت إيطالية، والجريدة الإسرائيلية نقلت تقريرها عن الجريدة الإيطالية. 

عند وصولنا إلى مكان الاعتصام، لم نجد «عملاء»، بل وجدنا أناسًا حملت السلاح ضد الجيش الإسرائيلي، ومنهم مَن كان أسيرًا لدى الاحتلال لمدة قاربت العشرين سنة.

ولكن انعكست اتهامات الحزب على أجواء الاعتصام. منذ الوصول إلى دوار قرية كفر رمان، بدأ الشك في الزائرين في الظهور. الاعتصام لا يشبه أي اعتصام آخر. اعتصام صامت داخل حديقة مستديرة، في منتصفها صورة ضخمة لرئيس حركة أمل نبيه بري، صورة سالمة لا يعتدي عليها أحد. لا يقطع الصمت سوى بعض الموسيقى الثورية، لا سيما موسيقى زياد رحباني والشيخ إمام ومارسيل خليفة. 

منذ اللحظة الأولى للدخول إلى مكان الاعتصام بدأ المعتصمون في النظر إلينا. بعد تبادل نظرات الشك، تحدث إلينا أحدهم، وبدا أن له دورًا تنظيميًا. طلب الاطلاع على بطاقة الصحافة، طلب أن يصورها، طلب أن يصورنا. فعل كل ذلك، معتذرًا، لكنه لم يطمئن في النهاية. 

«ما تواخذونا، بس ما بدنا حدا يقول إجت صحافة إسرائيلية». 

استرجاع ذكريات مصر الناصرية مع الرجل الذي طلب هوياتنا، لم يساعد كذلك. أسمعنا قصيدة كتبها عن مصر إبان ثورة يناير، أخبرنا عن ذكريات قريته مع زيارات أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، لكنه بقي متشككًا.

لم نشعر أن ثمّة مَن يريد التحدث معنا دون تكليف الشك. وجدنا الأسير المُحَرر والمقاتل أنور ياسين، فتحدثنا معه.

ياسين كان مقاتلًا شيوعيًا. قاتل الاحتلال وتمّ أسره في جبل الشيخ عام 1987، وحكم في دولة الاحتلال بالسجن 30 عامًا، بقي منهم هناك 17 سنة، قبل أن يتحرر في صفقة تبادل أسرى هندسها حزب الله عام 2004.

قال لنا: «ما يحدث الآن كان لا بد أن يحدث. سواءً الانتفاضة نفسها أو الصدمة من موقف حزب الله (المتحيز للسلطة)».

على خلفية صوت ياسين، كانت أصوات تأتي من الخلفية. «بيقولوا إننا ضد المقاومة؟ مين؟ نحن أهل الجنوب؟ نحن المقاومة نفسها».

شرح ياسين: «عندما نقول نحن مع المقاومة، فنحن نقصد أمرين اثنين. المقاومة من أجل التحرر الوطني، والمقاومة من أجل التحرر الاقتصادي والاجتماعي. بعد تحرر الجنوب عام 2000، وبعد انتهاء حرب العام 2006، بدأ الناس في التفكير لما بعد مقاومة التحرر الوطني. بتنا أمام مهام التحرر من سلطة السياسيين وسياستهم الاقتصادية، وهنا اختلف الموقف مع حزب الله».

كان الحديث مع ياسين فرصة جيدة، هو رجل لا يستطيع أحد المزايدة عليه أو التشكيك في موقفه المقاوم للاحتلال. لكن الحديث انقطع، جاء الرجل المتشكك، وابتعدا عنّا بعد تهامس قصير بينهما.

كان الأفضل هو الانسحاب من المشهد، ليس مطلوبًا أن نكون عوامل توتر، والمعتصمين لديهم ما يكفي من هذه العوامل.

تفسير المشهد الأقرب لحالة البارانويا يأتي من الهجوم الواسع في الليلة السابقة لتلك الزيارة ضد المعتصمين. وإن كان حزب الله يجادل في أن الذين هاجموا الاعتصام في بيروت، ثلاث مرات في ثلاثة أيام مختلفة، ليسوا من أنصاره وإنما من أنصار حركة أمل وحدها، فإن هذا الجدال يسقط في النبطية. هناك، الحزب هو من تحرك ضد المعتصمين، هو من ضربهم وهددهم وخونهم. وهنا من الجدير بالتذكير أن ستة من أعضاء المجلس البلدي في النبطية استقالوا بعد الاعتداء على المعتصمين، ومنهم مَن وجه استقالته هذه لأمين عام حزب الله حسن نصر الله.

قال لنا أحد الأكاديميين من الجنوب اللبناني والحساس للعلاقة الوثيقة بين نصرالله وجمهوره في الجنوب أن الحزب وضع نفسه في مقدمة المستهدفين السياسيين من الثوار عندما ظهر في أكثر من حديث متلفز ملوحًا بأصبعه ومدافعًا عن الحكومة ضد سقوطها. وضع هذا الأداء ولا سيما الهجوم المتكرر على جموع الثوار في أكثر من مكان جمهور الجنوب في مأزق، حيث باتت ثورتهم ضده كما هي ضد غيره من السياسيين.

الرحلة إلى الجنوب تبدو مربكة، لولا أنها تنتهي بزيارة مدينة صيدا، والتي تعود بمشاهد احتجاجية قوية، لم يغب عنها تاريخ الحراك النقابي والاجتماعي للصيادين. صيدا ذات الأغلبية السنية، والمعروفة بعاصمة الجنوب، لا تشبه الجنوب.

في الجنوب إجمالًا، لا تعم الحالة الاحتفالية التي ملأت ساحات وسط بيروت، حيث يهتف ثوارها غير مبالين بسلطة أي سياسي كان. «كلن يعني كلن»، هكذا يقولون. الجملة التالية تحمل أي اسم أي سياسي يخطر على بال بما فيهم نصرالله. «نصرالله واحد منن». ولكن الجنوب هذا يمثل اليوم إحدى الساحات الحاضنة للانتفاضة اللبنانية بهتافات ضد الفساد وضد الإفقار، ولكن أيضًا ضد الطائفية ومع سقوط النظام وإن كانت أكثر حرصًا.

الرحلة إلى الجنوب تعود بالأسئلة التأسيسية للمشهد الحالي في لبنان إلى الواجهة، وفي القلب منها السؤال الخاص بمستقبل حزب الله سواء في علاقاته بأنصاره أو علاقته بجماهير الانتفاضة اللبنانية.

يقول الصحفي محمود مروة، وهو من جنوب لبنان: «أزمة الانتفاضة الشعبية بالنسبة إلى الحزبين الكبيرين في الجنوب، أنّها شكلت مفاجئة شديدة من ناحية الأطروحات وسقف المطالب، ولا قدرة لحزب الله تحديدًا على تبنيها نظرًا لحساباته ضمن النظام السياسي اللبناني. هنا تحديدًا نتحدث عن حزب الله وليس حركة أمل. كما أنّ الانتفاضة تحمل بذور تعرية حالة السلم الكاذب المفروضة على اللبنانيين، ومن شأنها قلب الصورة، بحيث يستطيع مثلًا الحزب الشيوعي أن يحضر في الشارع عبر طروحات اقتصادية ومطلبية، كما فعل في عدد من تظاهرات مدن الجنوب وبفعالية، في وقت أنّ الثنائي يقف موقف المدافع المرتبك».  

ويضيف: «حزب الله تحديدًا مطالب بإعادة تحديد تصوراته وتعريف نفسه من جديد ضمن بيئة متغيّرة تواجه شبح الانهيار الاقتصادي. ولكن هل هذا يعني أنّ صورته كحزب مقاوم مهددة في الجنوب؟ لا، ربما يكون ذلك على المدى البعيد إذا لم يحسن التدبير والتصرف وساء الوضع الاقتصادي أكثر. على المدى القصير قد يواجه سأمًا شعبيًا متزايدًا، ولكن ليس إلى درجة خروج بيئته الحاضنة عنه بشكل دراماتيكي كما يتخيّل البعض… لا ننسى أنّ أمينه العام بمثابة الأب لدى شرائح واسعة في الجنوب، وأنّ حزب الله بنى خلال السنوات الماضية شبكات هيمنة معقدة جدًا. فضلًا عن القاعدة الذهبية الخفية في الجنوب منذ أيام حركة فتح وياسر عرفات، وهي: مَن يحمي الجنوب في وجه إسرائيل، يحكمه».

الرحلة إلى الجنوب تبدو مربكة، لكنها تبلور سؤال المعركة الأساسي لثوار لبنان: هل هي ثورة على السياسات الاقتصادية والاجتماعية للنظام أم أنها فعليًا ثورة على النظام نفسه على اختلاف مكوناته؟

اعلان