3 تعليقات على 3 أفلام من برنامج «إحسان عبد القدوس»
 
 

 بمناسبة البرنامج الاستعادي الذي نظمته سينما زاوية للأفلام المأخوذة عن روايات وقصص الكاتب إحسان عبدالقدوس في مئوية ميلاده. نقدم هنا ثلاث مراجعات لثلاثة أفلام عُرضت في البرنامج.

م.ف.كلفت| «في بيتنا رجل» (1961): ميلودراما وطنية وقيم عائلية وقلق حداثي

البكاء طفلًا في المشاهد الأخيرة هي مدخلي لقراءة الفيلم الآن. وفي مصر هناك تضافر قد يكون فريدًا بين الوطنية والميلودراما، على الأقل في السينما والأدب بل والغناء، إن لم يكن أيضًا في الأداء العام. ويبدو لي ذلك الآن من خصائص طفولة الأمم الحديثة، حتى تنضج إذا نضجت.

بعد التعليق الافتتاحي، نرى جماهير تتحرك، كلها من الذكور الجامعيين، ثم يُمد الجسر (كوبري عباس) لخداعهم والإيقاع بهم بشكل دموي (في الواقعة التاريخية، فُتِح الكوبري، في 9 فبراير 1946). ثم نرى مأتمًا لشهيد، ودموع سلويت رجل بعيد في الخلفية، ويُتخذ قرار مرير هو قتل رئيس الوزراء. مرير لأنه مصري، أو بالأحرى لأنه أحد أفراد العائلة برغم خيانته، وقرار لا مفر منه، لأنه خائن برغم أنه من العائلة. مشهد الاغتيال لا يرينا عملية القتل، نحن في الخارج (خارج القصر) ونسمع الأصوات ونرى المطاردة السريعة بعد دخول إبراهيم حمدي بالكاميرا منتحلًا شخصية صحفي.

في نقاش مبكر لأخلاقيات الاغتيال يتضح أن المشكلة ليست القتل وإنما قتل فرد من العائلة، رئيس الوزراء. هذا فقط ما يجعل إبراهيم «واحد… واحد… [قاتل].» هذا التعفف في تصوير القتل (من بعيد على الجسر، ومن خارج القصر) يقابله مشهد متأخر عن قرب يُطعن فيه جندي إنجليزي من الخلف وتُدفع جثته بالقدم جانبًا. وحتى مشاهد التعذيب (تعذيب المصريين للمصريين) أشبه بخناقة شارع أو سهرة ملهى ليلي.

في المستشفى الذي يهرب منه المعتقل أثناء ساعة الإفطار الرمضاني، حيث المدينة خالية، لا نرى ممرضة واحدة. في الدقيقة 21 نرى أخيرًا امرأة، شابة صغيرة جميلة تفتح الباب لإبراهيم (بركات هو نفسه من سيخرج بعد عامين «الباب المفتوح»، عن رواية لطيفة الزيات هذه المرة). إبراهيم يطلب اللجوء لدى الأسرة، أسرة زميله وهذه التي ستكون حبيبته.

وبين نقطة البداية والنهاية الحبلى بالبداية (يختتم الفيلم بمشهد پانورامي للقاهرة يسبق لوحة النهاية المألوفة بخصوص أن «هذه كانت هي البداية») على متصَل هذا التاريخ الخطي بمآلاته المعلومة (انقلاب الضباط الأحرار الذي لا يمكن فهم سردية الفيلم بدون فهم التحية المبطنة إليه) -أي بين مشهد الجماهير في الفضاء العام ثم مشهد البيوت المغلقة على سكانها-، هناك تنويعات كثيرة على الظهور والاختفاء، والاتصال والانفصال، وأشكال الرؤية (المادية والمعنوية). وعلى الأخص فالرجال للمفارقة يتخفون بينما النساء يظهرن، وإن بشكل اضطراري يوتر الرجال الذين يراجعون اختياراتهم ورجولتهم في ضوء ذلك.

يعبر الفيلم عن قلق قضيبي حداثي يتوسل بطمأنينة الانتصار الحتمي، باعتبار ما كان، الآن، وبماضٍ يجب نسيانه (الاستعمار عار الأسرة، تاريخها السري الذي يجب ألا يبقى منه سوى المجد والخطوط العريضة)، فالوقت هو وقت الإنجاب والخصوبة وتعليم الأولاد. كان قد انتهى كل ما اضطر الأسرة عَرَضا للاشتغال بالسياسة والابن لحمل السلاح. في بيتنا الآن رجل آخر غير الذي كان لا بد أن يموت.

وهذا هو تحديدًا ما قلته لنفسي بصوت مسموع تحت الغطاء وأنا أبكي، إن مصر محتاجة لبطل جديد. هذه الميلودراما غير الواعية بذاتها لا تزال طفلة تبكي تحت الغطاء، حديثة لكن مستعمَرة، تحلم برجل.

منة| «دمي… ودموعي وابتسامتي» (1973)

الفيلم مقتبس عن قصة لإحسان عبدالقدوس بنفس الاسم، نشرت القصة من ضمن أربع قصص  في المجموعة التي تحمل الاسم الجذاب الميلودرامي، اثنان من قصص هذه المجموعة تحولت لأفلام. الفيلم الثاني هو الفيلم صاحب النجاح الجماهيري الساحق «أبي فوق الشجرة» ( 1969 ). والمشترك بين الفيلمين بجانب إحسان عبدالقدوس هو المخرج حسين كمال.

في «أبي فوق الشجرة» تعاون كمال مع سعد الدين وهبة ويوسف فرنسيس في السيناريو، في حين أن في الفيلم الذي يعرض ضمن عروض أفلام تحتفي بإحسان عبدالقدوس «دمي…دموعي وابتسامتي» كلف كل من كوثر هيكل ومحمد مصطفى سامي بكتابة السيناريو والحوار له. آخر المعلومات الدالة أن هذا الفيلم إنتاج 1973.

إحسان عبدالقدوس كان القديس الذى يكتب عن المرأة بشغف وتحرر، يرصد ما يدور بداخلها ومشاكلها المسكوت عنها، هو كاتب المراهقات المفضل، لأجيال، بداية المراهقة وأحلام الحب وأوجاع الحب اختبرتها أجيال من النساء المصرية والعربية على يد عبدالقدوس وكتابته، التي تتسم بطابع ميلودرامي، ولغة سهلة ولكنها جميلة ورشيقة تحافظ على توازن واضح بين الأدب والسينما، فالحقيقة أن إحسان عبدالقدوس كانت عينه دائمًا على السينما، يغازلها ويداعبها.

في «دمي…دموعي وابتسامتي»، ناهد (نجلاء فتحي) طالبة تنتمى لأسرة مثقفة ولكنها لأسباب لا نعرفها تحديدًا، أصبحوا فى حال من العوز والحاجة لا تتماشى مع أرستقراطيتهم البائدة. ولكن ناهد تحب، وهذا الحب يملأها بالأمل والتحمل لكل الصعاب، برغم أنها تحب عصام (نور الشريف) شاب طموح ولكنه بلا مستقبل واضح. وتأتي النجاة للأسرة فس وظيفة مشروطة، وعرض لا يرفض. سليم بيه (صلاح نظمي) رجل أعمال ناجح وذو سلطة ونفوذ يبدو أنه صمد من تغير الأوقات وتعاقب الحكومات، يأتي بعرض زواج لناهد من ابن أخيه، ووظيفة مرموقة للوالد. تجري ناهد على حبيبها أملًا في حل ولكن لا شيء بيديه، أول صدمة تضرب براءتها. تتزوج بتوكيل، لم تقابل عريسها، وتسافر إلى بيروت، لنصور الفيلم في لبنان، وهذا أسهل إنتاجيًا لأن البلد في حالة حرب وغير اللائق هذا التقشف المنخرط فيه البلد ككل يتم خرقه بجماليات السينما. في بيروت، زوج لا شخصية له، مجرد لعبة وحيلة ليصل سليم بيه لناهد، تهرب ناهد وتحاول الاستنجاد بالجالية المصرية في الغربة، في هذه الفترة تتخلص من زيجتها البشعة، تقابل ممدوح (حسين فهمى) على أمل أن ينقذها ولكنه يخذلها.

إذًا ناهد يخذلها رجل بعد رجل، وتفقد براءتها صدمة بعد صدمة، وتكتشف أن أملها أن ينقذها رجل أو يحبها رجل هو وهم. ويبدو الطرح نسوي وينتصر للمرأة، ولكن في الحقيقة ينتهي الفيلم بحنين لرجلها الأول البرىء، براءة أول مشاريع الثورة، رجال تتعاقب عليها، وهي لا تزال سيدة تنتظر رجل لدور البطولة.

هذا الفيلم كاشف لهذا الطرح الذي يبدو باطنه منحاز للمرأة، ولكن في صلبه رجل، رجل يحركها ويحدد كيف تتطور شخصيتها، والأهم أنه منطق قومي ما يحرك إحسان عبدالقدوس وكتابته، يشبه كثيرًا كيف تأسس لفكرة أن مصر هي بهية.

ليلى| الراقصة والسياسي (1990): آدم وتفاحته

يبني فيلم «الراقصة والسياسي» على ما هو أبعد مما يفترضه منطق الفيلم أنها مفارقة؛ اللقاء بين سياسي وراقصة، لما تحمله مدلولات المهنتين في وعي الثقافة المحافظة، فهو يحمل تلك الرغبة في تقديم معالجة تلخيصية لثنائية الأنثى/ الذكر، ليصبحا بطلي الفيلم، أكثر من مجرد ممثلين عن مهنتين، ولكن ممثلين عن جنسهما: حواء وآدم، بتثبيت الزمن في لحظة واحدة: لحظة إقناع حواء لآدم بأكل التفاحة. لكن حواء في الفيلم ليست حواء ولكن هي التفاحة شخصيًا، التي بسببها نزل آدم الأرض.

لا يعتمد الفيلم على حدث رئيسي كبير، بل إن التلاقي بينهما جاء عرَضيًا، ويعتمد ثقل السيناريو على تضخيم حساسية لقاءاتهما. تستثمر الدراما في حساسية ذلك الالتقاء، الكهرباء الاستاتيكية الكامنة في احتماليته، كأن هذا اللقاء سينتج عنه تصدّع في نظام الأشياء (نزل الأرض بالفعل). هما لا يتصلان إلا بمصادفة في بداية الفيلم، يستموت نصف السياسي وقتها، في جعلها لا تتعدى مصادفة؛ يقدم نفسه لها باسم مزيف ويعطيها كارتًا شخصيًا برقم تليفون هيئة الصرف الصحي. يقضي معها ليلة وفي الصباح تكتشف أنه تبخّر بلا خيط تتبعه. تراه بعد سنين في التلفزيون؛ سياسي مهم يؤخذ رأيه ويصرح ويقرر. يلتقيان ثانية لكن هذه المرة تنتهي بإن «أنا عارفة إن المسائل دي مش عاوزة واحد يكون بيفكر كتير». يخاف من وجودها في حياته حفاظًا على سمعته فيحاول الاختباء، ثم يلعب التدفق السينمائي على التوتر الكامن في مساحة: فكان قاب قوسين أو أدنى.

 تقرر سونيا بناء ملجأ أيتام لكن الشؤون الاجتماعية ترفض لأنها «رقاصة». تلجأ للسياسي فيتهرب منها، فتقرر الانتقام: فضح كل شيء وكتابة مذكراتها. هو بختبىء وهي تظهر، هي تعلن وهو يداري. يؤكد الحوار على هذه المعاني، يقول لها في مرتهما الثانية في شقتها: ما يبقاش وشك مكشوف كده. وعندما يقرر مساعدتها في بناء الملجأ ليخلص منها ينصحه مساعده: لو اتدخلنا في الموضوع يا فندم سعادتك مش هتخلص. وهيقولوا مسؤول كبير يساند راقصة و..و..و.. إحنا مش ناقصين يا فندم. إحنا داخلين على انتخابات ومش عايزين أي ثغرة. إحنا مش ناقصين إنهم يطلعوا على سعادتك إشاعة كده ولا كده.

سينمائيًا، يستلذ للجمهور بمتعة التلصص، في افتراض أنه يشاهد ما لا يمكن أن يشاهده، فالسياسي لا نعرفه إلا من تصريحاته التلفزيونية والصحفية عن الأوضاع العامة، أما الراقصة فنعرف عنها كل شيء، لأن أخبارها الشخصية هي الموضوع. نأتي بالسياسي إلى السرير والراقصة إلى قلب الأخبار.

جميع من الفيلم ينطق كلمة رقاصة بالضغط في النبرة، وبثانيتين سكوت بعدها، كأنهم يضعون تحتها خطين، سواء كانت سونيا سليم وهي تدافع عن نفسها «وإيه المشكلة إني رقاصة؟» أو موظف الشؤون الاجتماعية الذي يرفض طلبها لأنها «رقاصة.. أعوذ بالله». يُلقى على هذين الخطين مهمة استحضار مخزون الخيالات البدائية للتمثل الجامح والبري لمفهوم «الغازية»، لتأسيس أرضية الأحداث، لأن ما عدا هذه الهالة المحيطة بالكلمة، ففي واقع الفيلم نسخة الراقصة أقرب لسيدة أعمال منها لـ«غازية»، ما يجعل سونيا ليست حواء شريكة آدم، وإنما بخلاف أنها التفاحة، هي ألتر إيجو آدم الذي نزل للأرض دون أن يشعر بالخزي، هي شخص عملي وواقعي وأرضي، حين يُطلب منها إحياء سهرة لضيف سياسي مهم، تطلب أموالًا لقاء أتعابها:

«-خدي بالك يا مدام مش هو اللي هيدفع، الحكومة المصرية هي اللي هتحاسب.

-وماله؟ لو الحفلة معمولة لمناسبة وطنية أرقص لهم ببلاش، أو معمولة لصالح الاتحاد الاشتراكي أعملهم تخفيض، إنما لهيئة سياسية الأجرة لازم تندفع، وبالكامل.

-يعني الحكومة المصرية مالهاش خاطر عندك؟

-الحكومة ما بتعرفش خواطر، والضرايب بتحاسبني على كل هزة وسط، ده أنا كل يوم والتاني بيجي لي جواب أصفر يسد النفس».

الفيلم يجمل نبرة استهزاء بالسياسي في الفيلم كرجل بتاع أفكار ومثاليات، لذا تسير الدراما في سكة: عاوزين نجيب مناخير الراجل الأرض؟ كيف؟ بأن يأكل التفاحة.

في منطق الفيلم سونيا هي ألتر إيجو المجتمع المنافق الذي لا يريد مواجهة نفسه، لذا تقدّم نفسها بوصفها عقابًا له: ستفضحه. يتوسل إليها الكبار كي لا تأتي على ذكرهم في مذكراتها. من ناحيتها تخضع سونيا للعقاب الذي يتمناه المجتمع للأنثى التي لم تختر تكوين عائلة، وهي أن تشعر بالوحدة الشديدة ولا تجد من يسأل عليها عندما تدخل المستشفى. لكن هي بطلة الفيلم أيضًا، ولنتعاطف معها في تحديها للدولة، وفي العقاب الذي ستُنزله للمجتمع، سيكون نوع صراعها هو رغبتها في بناء ملجأ أيتام، لأنها في النهاية إنسانة نبيلة عندها غايات سامية، وأم.

فعلى خلاف «أنا حرة» و«دمي ودموعي وابتسامتي» حين تضبط المرأة بوصلتها على يد أحد الرجال، فسونيا سليم هي مركز الكون، يلف العالم حولها، لكنه يلف بمنطق أنها الأنا الأخرى للمجتمع، القطب السالب في معادلته، لكن الضروري في الوقت نفسه لاستمراره هو ذاته. هي ليست قصة آدم وحواء، ولكن قصة آدم والتفاحة.

اعلان