كتب للأطفال يقرأها الكبار| 3- «ليس كل الأحلام قصائد»
 
 

في عالم القراءة نحتاج أحيانًا إلى قراءة كتبٍ تطبطب على قلبك وتحتضن عقلك وتهدهده لكي ينام قليلًا وتصطحبه إلى رحلة في دروب الطفولة. ربما يحدث هذا مع رواية أو قصة أو ديوان شعر، لكن كتب الأطفال تؤدي هذه المهمة على أكمل وجه، نعم في كتب الأطفال أيضًا الملاذ من صخب الحياة وتقعرات بعض الكتب. ليس الأمر مجرد نوع من النوستالجيا، ولكنه رغبة كامنة في الحصول على وقت مُستقطع من الحياة، فقط لأخذ شهيق ثم العودة لمصارعةِ الأمواج مرة أخرى. فالطفولة عالمُها ساحرٌ وجذَّاب بكل ما فيه، وغالبًا ما نلجأ إلى اللعب مع الأطفال أو اللعب كما الأطفال لتصفية الذهن وإعادة الشحن.

لذلك -من خلال سلسلة المقالات هذه- سوف أستعرض وأقترح بعض الكتب التي كُتبَت للأطفال أو كتبها الأطفال ولكن يُقبِل على قراءتها الكبار. هذه هي الحلقة الثالثة، أما الحلقة الأولى فاقترحت ديوان «صديقي الله» لزياد رحباني، والحلقة الثانية رواية «الأمير الصغير» لأنطوان دون سات أكزوبيري.

3- ليس كل الأحلام قصائد

في أواخر عام 1992 دقت أجراس منازل بعض الأطفال في هولندا، فوجد الآباء على الأبوابِ طرودًا من مؤسسة «اليوم العالمي من أجل الأطفال والشعر»، كان يومًا مترقبًا من قِبَلِ الأطفالِ فقد انتظروا طويلًا ليحصلوا على «أحلام» أو «Dromen» باللغة الهولندية. أمسك دينيس بيريس نسخته من الكتاب وصاح فَرِحًا: «لقد فزت بالجائزة الرئيسية يا أمي».

بعد ذلك بأحد عشر عامًا، أثناء زيارة عبدالرحمن الماجدي (شاعر ومترجم عراقي يعيش في هولندا) لأحد أصدقائه الهولنديين لمح كتابًا يبدو من غلافه أنه للأطفال، فسأل صديقه عن سبب وضعه في مكتبته، وليس في مكتبة أبنائه، فأجاب: «إنه شِعر، تصفحه سيعجبك». أخذ الماجدي يقرأ كتاب «Dromen» بالهولندية فانبهر، وأحس سحرًا يجتاحه وهو يترجم النصوص إلى العربية في ذهنه، شَعَر بأنه بتلك القصائد يحمل رسالة هامة ولابد أن يوصلها إلى القارئ العربي.

أثار الديوان حنين الماجدي إلى أيامٍ مضت، وتذكر فراره -في نفس العام الذي صدر فيه الكتاب- من نظام صدام حسين القمعي إلى سوريا، حيث كتب الشعر وعمل في الصحافة، وتفكيره في الهجرة بسبب ما تعرض له من ضغوط، وبالفعل غادر دمشق إلى هولندا نهاية عام 1996 لاجئًا سياسيًا بدعوة من وزارة الهجرة الهولندية. كوَّن صداقات وتأقلم على الحياة الجديدة ولكن لم ينس الشِعر.

وفي 2009، صدرت الترجمة عن سلسلة الشعر في المركز القومي للترجمة، بعنوان «ليس كل الأحلام قصائد» بعد أن اختار الماجدي 70 قصيدة من بين الـ 150 التي ضمها كتاب «أحلام» الصادر عن مؤسسة «اليوم العالمي من أجل الأطفال والشعر» برعاية «يونيسيف».

بدأت قصة الكتاب عندما طلبت تلك المؤسسة من أطفال تتراوح أعمارهم من السادسة إلى الثانية عشر عامًا كتابة قصائد عن أحلامهم وإرسالها عبر المدارس أو المكتبات العامة أو الأهل لعرضها على لجنة تحكيم من أدباء ونقاد ومربين قرؤوا بإمعان نحو عشرة آلاف قصيدة واختاروا منها 150 قصيدة طُبعَت في كتابٍ خاص بعد استبعاد القصائد المكتوبة بطريقةِ الوزن أو القافية أو بكلا النمطين الدالين على الافتعال، لتخرج القصائد تلقائية كأنها فضفضة خالية من الاصطناع، وخيرًا فعلت اللجنة في ذلك الاستبعاد.

تلقى القراء العرب هذا الكتاب بكثيرٍ من الحفاوة كما فعل القراء الهولنديين بالكتاب الأصلي، وكتبت عنه العديد من الصحف لافتة الأنظار إلى تجربةٍ شعريةٍ مهمة. لم يَقصِد الأطفال الكتابة لنا، ولكن أصبحنا قراءهم، هم فقط كتبوا أحلامهم معبرين عن ذواتهم وعن عوالمهم الصغيرة، من خلال ما كونوه من حصيلة لغوية. ما دفع المؤسسة التي طلبت منهم ذلك إلى نشر قصائد أحلامهم والاحتفاء بها بل وإعادة إنتاج التجربة في السنوات التالية مع أطفالٍ آخرين.

يحكي المترجم  في مقدمته أنه بدأ بنشر عشر قصائد في صحيفة إيلاف الإلكترونية، فلاقت ترحيبًا من القراء مما دفعه لترجمة باقي النصوص ومحاولة إعادة ذات التجربة في بلده العراق. ليقوم المركز القومي للترجمة بنشره في سلسلةٍ قراؤها من المهتمين بالشعر وينتمون في الغالب إلى فئة الشباب أو كبار السن، وهذا ما لمسته يوم أن اشتريت نسختي من الكتاب، وأيضًا أكد لي المحيطين بي على اختلاف التجربة وجودتها.

وهذا ما ستلمسه بنفسك عند دخولك على صفحة الكتاب على موقع جود ريدز، حيثُ مَنَحَ القراء تقييماتٌ عالية وتعليقاتٌ دافئة، كلها تؤكد على صدق وتلقائية القصائد وعلى الاستمتاع بالنصوص. وأكاد أجزم أن كل من أعطى تقييمًا أو كتب انطباعًا ومراجعة من الشباب الذين تعدى عمرهم العشرين عامًا، أي تخطوا مرحلة الطفولة.

قيل قديمًا «أعذبُ الشِعر أكذبه»، ربما لما يلتصق بالشِعرِ من مبالغاتٍ في التراكيب والصور البلاغية، والتي قد تخلق الدهشة من روعة البِناء ومهارة الشاعر، فوضع تلك المبالغات -كأن يصور الشاعر نفسه ممسكًا بسحابة ويغطسها في قاع النهر- جنبًا إلى جنبٍ مع محدودية قدرات الإنسان الطبيعي تخلق تضاد بشكل غير مباشر يضفي الكثير من الجمالِ على النَص وقد يدعو إلى الإبهار. وأيضًا لا خلاف على أن الصدق أقصر طريق للوصول إلى القلب، فالشعر النابع من معاناةٍ حقيقية ومشاعرٍ صادقةٍ تلبست الشاعر، هو بالطبع محبب إلى القلب وأقرب. وكم من قصيدةٍ صادقةٍ في معانيها ومعاناتها خلَّدت صاحبها، على عكس قصائد بناءها مُحكمٌ ولكن مشاعرها مصطنعة كالورود البلاستيكية، تشبه الحقيقية وتبدو جميلة ولكنها في النهاية بدون رائحةٍ وروح.

ومن الطبيعي أن تهتز قلوبنا لصدق الأطفال وأحلامهم، وفي كتاب «ليس كل الأحلام قصائد» اجتمعت البراءة مع الخيال وكثير من الأحلام التي ما أن أعطوها مجالًا للخروج طارت وحلقت. فلو طلبت من طفلٍ تَعلَّم الكلام من وقت قريب أن يروي لك أول أيامه الدراسية أو يُحدثك عن أصدقائه الجدد، ستفاجأ بحكاياتٍ مدهشة في بنائها وطريقة الحكي، ولن تُعقِّب إلا بابتسامة عريضة يتبعها «ياه كل ده حصل؟!». ولو طلبت منه أن يرسم معلمته أو والده ووالدته أو طيور مثلًا، سيخرج الرسم حاملًا إبداعًا فطريًا دون قواعد أو قيود معبرًا عما بداخله من مشاعر تجاه الشخص أو الشيء المرسوم، وتعكس فيه الألوان البهجة أو الحزن أو الغضب، أشبه برسم سيريالي تكبر فيه الرؤوس وتصغر الأجسام كما يراها. لذلك أهم ما يميّز تلك القصائد هو طزاجة خيال الأطفال وصدقهم في وصف مشاعرهم وأحلامهم، فهنا الخيال البِكر الذي لم تَحدُه عقلانية ما، أو قُمِع بأولوياتٍ معرفية تُملى عليه من الكِبار.

يقول «دينيس بيريس، الصف السادس»، في قصيدته «وردة»:

لو كنتُ وردةً

لو قُطِفْتُ

لو وُضِعْتُ في مزهريةٍ

حينذاك

سأشعر بالماء من حولي

سأشعر بدوخة

سأشعر بأني موشكٌ على الموت.

وفي هذا النص الصغير الذي نال الجائزة الرئيسية، دلالة على وعي مؤلفه -ربما دون قصد- بتلازم الحياة والموت، فهو حَلمَ بكونه وردة، قطفها أحدٌ ما لكي تُزين مزهريته، ولكن رغم نية قاطفها في الاحتفاء بالجمال، لم يكن هناك سبيل لها خارج بستانها وتغمرها المياه إلا الغرق. وذلك الخيال الواعي يُذكّرنا بقصيدة «زهور» للشاعر أمل دنقل، نذكر منها:

كلُّ باقةْ.. 

بينَ إغماءة وإفاقةْ 

تتنفسُ مِثلِىَ -بالكادِ- ثانيةً.. ثانيةْ 

وعلى صدرِها حمَلتْ – راضيةْ.. 

اسمَ قاتِلها في بطاقة!

تنوعت أحلام الأطفال في موضوعاتها أو لنسميها في حالاتها النفسية؛ الوحدة، الحب، الأنانية، النرجسية، الانطوائية، الحيرة وغير ذلك من المشاعر، ومنهم حلم بحقوق إنسانية كالعدالة والمساواة والسلام. ومع تَنوُّعِ الأفكار تَنوَّع بِناء القصائد رغم ما يبدو عليها من عفوية. ولم يحاول المترجم اتباع ترتيبًا معين للقصائد، فخلق هذا الاختلاف حالة من التناغم بين النصوص.

فعلى سبيل المثال يرى «جون فان يوخن، الصف الثامن» أنه من الحربِ تأتي العنصرية، والكثير من الهواءِ القذر والفقر، ويحلم «بأن يأتي من الحرب السلام». بينما حلمت «ليلى سوسي، الصف الخامس» بأنها لعبة فقط لكي تقدر أن تلعب مع الأطفال وتشعر بالحرية بالقفز في الهواء وتذهب مع الجميع إلى المنزل لكي تستمر في اللعب. وحلم «ميشيل سيمان، الصف الرابع» أنه رجل إطفاء لكي يساعد الناس ويأتوا لتقبيله من السعادة. وبنرجسيةٍ يرى «جيمي كال، الصف السادس» أن «الشمس جميلة، والقمر جميل، لكن الأجمل هو جيمي، بملابسه اللافتة».

تعتبر ترجمة الشعر من المهام التي تُشكّل تحديًا للمترجم، ولكن الماجدي في هذا الكتاب حافظ على صيغة وبنية النصوص الأصلية، ونجح في نقل روح كل نص بمهارة، والأهم أنه أقدم على خطوة ترجمة ذلك العمل البديع، لينقل تجربةٍ مهمة وحالة إبداعية في بلدٍ مهتمة بالإبداع.

غالبًا ما أن يتدخل الكبار في عالم الصغار محاولين التوجيه والتعديل -رغم صحية ذلك وربما جودة النتائج- تخلو الأفعال من العفوية وروح الطفولة، لذلك لابد من ترك مساحة للأطفال للتعبير والإبداع دون تضييق أو تحجيم لخيالهم. وتجربة الكتاب محل المراجعة خير دليل، فهي فريدة ومميزة وأتمنى أن تتكرر في عالمنا العربي ولو على نطاقٍ ضيق، فلا شك في إنتاجِ إبداعٍ ساحر إذا أعطينا الأطفال أقلامًا وأوراقًا وطلبنا منهم التعبير عن أحلامهم، من خلال الرسم سواء بالقلم والفرشاة أو الكلمات. 

اعلان
 
 
محمد سمير مصباح