ذهب مع الريح.. أثر التعويم على الصادرات
 
 

«الزراير نستوردها، السوسّت نستوردها، وفي النهاية نهلل لتصدير القميص جاهز» – هكذا رد رئيس المجلس التصديري للجلود على سؤال حول مساهمة التعويم في زيادة الصادرات.

قبل ثلاث سنوات، في الثالث من نوفمبر 2016، أعلن طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري، تحرير سعر صرف الجنيه. القرار كان متوقعًا، وذلك بعد توسع حجم تداول الدولار في السوق غير الرسمي. وأيضا لأنه كان ضمن حزمة إجراءات في خطة للإصلاح الاقتصادي شملت عددًا من الخطوات التقشفية اﻷخرى، في إطار اتفاق بين الحكومة وصندوق النقد الدولي.

إحدى أهم المزايا التي ساقتها الحكومة آنذاك للقرار هو أنه سيعطي دفعة كبيرة للصادرات. المنطق كان مباشرًا: خفض سعر الجنيه أمام الدولار يعني أن كل دولار أصبح يساوي جنيهات أكثر، وبالتالي سينخفض سعر المنتجات المصرية في اﻷسواق اﻷجنبية ما يكسبها ميزة تنافسية أفضل.

المنطق صحيح إلى حد ما. قدمت دراسة لصندوق النقد الدولي نموذجًا للعلاقة بين تعويم العملة المحلية وحجم الصادرات حول العالم. اعتمدت الدراسة على بيانات سنوية لصادرات 60 دولة خلال المدة بين 1980- 2014، وتوصلت إلى أن كل خفض بنسبة 10% في قيمة العملة يصاحبه 1.5% زيادة في الصادرات من الناتج المحلي.

إذا طبقنا هذا على الحالة المصرية، فمن المفترض أن انخفاض قيمة الجنيه بما يقارب 50% بعد تحرير الصرف ينبغي أن يتسبب في زيادة حوالي 7.5% في نسبة الصادرات من الناتج المحلي. لكن هذا لم يحدث. نمت الصادرات المصرية بنسبة تنخفض كثيرًا عن المتوقع، وكان النمو بشكل أساسي في الصادرات البترولية التي جاءت من اكتشافات الغاز الجديدة في البحر المتوسط. ما الذي غاب عن خطة الحكومة ومنطقها الصحيح؟

* * *

شهد العقد اﻷول من الألفية الجديدة نموًا مطردًا في حجم الصادرات المصرية بفعل الاتفاقات الثنائية للتصدير واستراتيجية الحكومة لدعم التصدير وتحويل مصر إلى اقتصاد قائم على التصدير، بحسب تقرير أصدره البنك الدولي في يوليو الماضي. على المستوى الكلي، ومنذ 2003 –قرار التعويم الجزئي للجنيهارتفعت وتنوعت السلع التي تصدرها مصر.

لكن نمو الصادرات كان «قصير الأمد» و «غير مستدام»، بحسب البنك الدولي. «على الرغم من أن مصر نجحت في زيادة المنتجات التي تصدرها من حيث العدد، وأصبحت سلتها التصديرية متنوعة إلا أن معظم تلك المنتجات لا تمتلك ميزة نسبية على المستوى الدولي».

سجلت إجمالي الصادرات المصرية في سنة 2017/2016 نحو 21.7 مليار دولار. وبعد تحرير سعر الصرف، ارتفعت إلى 25.9  مليار دولار في 2018/2017 ثم إلى 29.6 مليار دولار في العام الماضي، بحسب بيانات صندوق النقد بمراجعته الخامسة.

كان نمو الصادرات البترولية المنطقي بعد اكتشافات الغاز بشرق المتوسط، السبب الأساسي في الزيادة، وقد نمت من 6.6 مليار دولار في عام التعويم إلى 12 مليار دولار السنة المالية الماضية. ويشكل البترول والغاز 34% من الصادرات، ويصدران في صورتهما الخام دون أي قيمة مضافة أو عمليات تصنيع تُلحق بهما.

يستلزم تحقيق قيمة مضافة وجود قطاع صناعي واسع ومرن. كما أن التوسع في التصدير يستلزم تطويرًا في القطاع الصناعي لتحقيق هذه القيمة المضافة. لكن هذا لا يحدث في مصر، حيث تقتصر مساهمة القطاع الصناعي على نسبة 17% فقط من الناتج المحلي.

للأسباب السابقة جاءت معدلات النمو في الصادرات السلعية غير البترولية أكثر تواضعًا، فقد بلغت قيمة الصادرات غير البترولية 15.1 مليار دولار في عام التعويم 2016-2017، وارتفعت بمقدار 2 مليار دولار تقريبًا في 2017-2018، ثم ارتفعت بمقدار 500 مليون دولار في 2018-2019، بحسب المراجعة الأخيرة لصندوق النقد الدولي.

إنفوجراف: نمو الصادرات المصرية منذ تحرير سعر الصرف (بترولية وغير بترولية)

«هذا الهيكل الاقتصادي ذو المكون الصناعي المنخفض، يدعم تصدير المنتجات الأولية والسلع نصف المصنعة أو المنتجات الزراعية»، يقول عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية، لـ «مدى مصر»، وهو ما يتأكد عند الاطلاع على هيكل الصادرات.

يشكل القطن والمنسوجات 9% من الصادرات، والمنتجات الزراعية، وأهمها الخضروات نحو 13.2%، وإذا أضفنا صادرات الذهب والمعادن النفيسة، والتي تحتل 9.3% من الهيكل التصديري، لتصبح غالبية الصادرات بما فيها الصادرات البترولية، من السلع منخفضة القيمة غير مصنعة أو نصف مصنعة.

إنفوجراف: هيكل الصادرات

اعتبر البنك الدولي أن تحرير سعر صرف الجنيه لم يكن كافيًا لإطلاق الطاقات الكامنة في القطاعات التصديرية في مصر، مشيرًا إلى فشل مصر في زيادة نسبة صادراتها بالمقارنة مع دول أخرى نامية استطاعت أن تحقق طفرات تصديرية أكبر بعد خفض قيمة عملاتها، وذلك على الرغم من انخفاض قيمة العملة المصرية بشكل كبير، حيث أوضح البنك أن مصر لم تستطع حتى الآن الاستفادة من تحرير سعر الصرف على صعيد الصادرات.

* * *

أحد أهم أسباب إخفاق مصر في زيادة الصادرات هو ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج المستوردة بعد التعويم، ما عطل استفادتها من القرار. يوضح محمود سرج، رئيس المجلس التصديري للجلود، لـ «مدى مصر»، أن هناك علاقة عكسية بين نسبة اعتماد قطاع ما على السلع الوسيطة المستوردة وبين حجم الاستفادة من قرار التعويم، ويوضح أن «أغلب الصناعات في مصر تعتمد على مدخلات مستوردة بخلاف المواد الخام»، مضيفًا: «زادت تكاليف الإنتاج، ما جعل المُصدرين يرفعون الأسعار ويخسر المنتج المصري تنافسيته».

يشير سرج إلى أن الصادرات «تحسنت […] بالفعل في فترة امتدت إلى حوالي الأشهر الأربعة اللاحقين لقرار تحرير سعر الصرف، وذلك بسبب أن بعض المصانع كان لديها بالفعل مخزون من المواد الخام والمدخلات أو لأنها أتمت صفقة استيراد بأسعار ما قبل التعويم، ثم ما أن نفد المخزون ظهرت المشكلة».

يتفق هاني برزي، رئيس المجلس التصديري للصناعات الغذائية، مع الرأي السابق في أن المُصدرين تضرروا من الخسارة الكبيرة التي لحقت بالجنيه أمام الدولار، في ظل سياق تصنيعي تصل به نسبة السلع الوسيطة المستخدمة في الإنتاج إلى 35% من إجمالي مكونات المنتج. صناعة الزيوت النباتية، 100% من مكوناتها مستوردة، على سبيل المثال.

تمثل السلع الوسيطة والمواد الخام نسبة 47.7% من إجمالي الواردات المصرية، بحسب بيانات الحكومة. بالنسبة إلى عادلي، فإن هذه هي أهم مشكلات التصنيع في مصر. يدلل عادلي على ذلك بقطاع البتروكيماويات، والذي يشكل 16% من الصادرات. يمثل مكون «الراتنجات» ثلث إجمالي مدخلات الصناعة، والتي يتم استيرادها. كذلك في قطاع الملابس والمنسوجات، حيث يتم استيراد الأصباغ الضرورية للقطاع كافة من الخارج، ويمتد هذا المشهد كذلك إلى سلع بسيطة مثل الأسلاك، والمسامير وغيرها.

يتفق سرج مع عادلي. بحسب رأيه، في أن العجز في الصناعات التكميلية وغياب أي قطاعات مُغذية للمنتجات النهائية أغلق الباب أمام أي استفادة ممكنة من تحرير سعر الصرف.

إلى جانب هذا، أثرت التغيرات في أسعار الطاقة وطبيعة الدعم الموجه لها مع خطة التقشف الاقتصادي في قدرة بعض المنتجات على المنافسة في أسواق الخارج. في تناول تقرير البنك الدولي ﻷسباب فشل التحول إلى اقتصاد تصديري، أشار إلى أن هيكل الإنتاج في مصر يعاني من خلل في الاندماج في السوق العالمية، يتمثل بشكل مباشر باعتماد الصادرات في مصر على أن الطاقة مُدعمة،ما دفع هذه الصناعات كثيفة الطاقة لتحوز على 17% من سلة التصدير المصرية، نظرًا لكلفة إنتاجها المنخفضة جراء دعم الطاقة. من بين هذه الصناعات الأسمدة والأسمنت والكيماويات والحديد والصلب.

لكن هذه الظروف تغيرت مع خطة اﻹصلاح التقشفية، اتجهت الحكومة نحو إلغاء الدعم للطاقة الموجهة لتلك المصانع، ما ساهم في رفع تكاليف الإنتاج وارتفاع أسعارها، وهي المشكلة التي حاولت الحكومة مواجهتها مؤخرًا بالتراجع نسبيا عن قرارها برفع بإلغاء الدعم.

كانت محصلة قرار الحكومة الأول بإلغاء الدعم ضعف القدرة التنافسية للسلع المصرية. قطاع الأسمنت خير مثال على ذلك، والذي يعاني من زيادة في المعروض حاليًا في السوق في مواجهة طلب محلي متدني، يعجز في الوقت ذاته عن تصدير هذا الفائض لفقدان المنافسة في التصدير مع دول مثل تركيا والإمارات لأن أسعار منتجاته مرتفعة، مقارنة بتلك الدول.

فوق كل هذا، أهملت الحكومة الالتزام بدعمها للصادرات، كما يوضح برزي أن دعم الصادرات هو برنامج يُعرف بـ«رد الأعباء التصديرية» يتمثل في رد الحكومة الجمارك والضرائب على مدخلات السلع التي تُصدر لاحقًا. لكن دومًا ما كان يعاني المصدرون مع الحكومة من متأخرات سداد هذا الدعم.

لهذا تصاعدت في الأشهر الماضية وتيرة شكاوى المصدرين، بعد أن بلغت إجمالي المتأخرات المستحقة لدى الحكومة نحو 25 مليار جنيه.

بمراجعة الموازنة العامة نجد أنه، ومنذ العام المالي 2016/2015، انخفض دعم تنشيط الصادرات بشكل مستمر، بدءًا من 3.7 مليار جنيه ثم 3.3 مليار جنيه في العام الذي يليه، لينخفض بشدة في عام 2017-2018 مسجلًا 2.3 مليار جنيه، ثم يعاود الصعود في موازنة السنة المالية المنتهية عند مستوى أربعة مليار ات جنيه، ثم ستة مليارات جنيه في مشروع موازنة السنة المالية الحالية.

إنفوجراف: دعم الصادرات في الموازنة

توصلت الحكومة إلى اتفاقات مع المصدرين مؤخرًا حول طرق سداد هذه المستحقات تدريجيًا.

كان من بين تلك الطرق أن تنفذ وزارة المالية مقاصة بين تلك المتأخرات المستحقة للمصدرين وما عليهم من ضرائب وجمارك. وهو ما نُفذ مؤخرًا مع ست شركات بقيمة 800 مليون جنيه. كما وعدت الحكومة بأن يحصل أصحاب المستحقات على الأولوية في الحصول على أراضي مخصصة للنشاط الصناعي بمساحة ستة ملايين متر مربع تطرحها الحكومة. ويحصل البعض الآخر على 10% نقدًا من تلك المستحقات. لكن يؤكد سرج أنه لم يُصرف أي من تلك المستحقات إلى الآن.

الأولوية الحقيقية للحكومة، بحسب عادلي، هو ضبط مؤشرات الجانب المالي والمتعلق بميزان المدفوعات، بغض النظر عما يحققه قطاع الصادرات بشكل حقيقي.

تركيز الحكومة على الجانب المالي أثمر عن تحقيق ميزان المدفوعات لفوائض مالية تباهت بها الحكومة، مقابل تجاهل عجز الميزان التجاري الذي لا يزال قائمًا.

ويُشير ميزان المدفوعات إلى مجمل العمليات المالية بين مصر والخارج، والتي تشمل التحويلات المالية، والاستثمارات.

يتمثل الجانب المالي من الصادرات بالنسبة للحكومة في تحقيق مؤشرات كميزان المدفوعات أداءً أفضل على مستوى الأرقام، وقد حقق ميزان المدفوعات انخفاضًا في عجزه من 13.7 مليار دولار، في عام 2017/2016، وصولًا إلى تحقيق فائض بلغ 102 مليون دولار. في الوقت الذي ارتفع فيه عجز الميزان التجاري إلى 14.9% في 2019/2018 من 11.7% في 2017/2016. ويُعنى الميزان التجاري بحساب الفارق بين صادرات الدولة ووارداتها، وهو المؤشر اﻷكثر أهمية.

بحسب عادلي، فإن غياب أي استراتيجية واضحة لرفع مساهمة الصادرات في الناتج المحلي يجعل من حديث الحكومة حول التوسع في نمو الصادرات للاستهلاك الإعلامي فقط.

اعلان
 
 
سارة سيف الدين 
محمد رمضان