ضباط المفرقعات: عبوات ناسفة و«وزارة لا تؤمن بالتخصص»
 
 
الرسم لـ عبد الله أحمد
 

في الخامس من يناير الماضي، تلقى الرائد مصطفى عبيد، خبير المفرقعات بمديرية أمن القاهرة، بلاغًا بالعثور على حقيبة يُشتبه أنها تحتوي على عبوة ناسفة بجوار كنيسة أبو سيفين، بعزبة الهجانة بمدينة نصر، بعد وصوله إلى موقع البلاغ، تأكد عبيد من كون العبوة ناسفة، وبدأ في التعامل معها، قبل أن يفشل في مهمته، لتنفجر العبوة منهية حياته.

لم يكن عبيد أول خبير مفرقعات مصري تنتهي حياته أثناء محاولة إبطال مفعول قنبلة أو عبوة ناسفة، إذ لحق بتسعة ضباط آخرين ماتوا بالطريقة نفسها على مدار السنوات الست اﻷخيرة، بخلاف عدد أكبر ممَن نجوا من الموت، وإن طالتهم إصابات متوسطة أو مقعدة، والذين كان من بينهم مدير إدارة المفرقعات بمديرية أمن القاهرة، الذي فشل في تفكيك عبوة ناسفة في 2014.

للوهلة اﻷولى، يبدو خطأ هؤلاء الضباط فرديًا، غير أن ما قاله ضباط آخرين عملوا، أو ما زالوا يعملون، في إدارة المفرقعات، لـ «مدى مصر»، يشير إلى مشكلات هيكلية في طريقة تعامل وزارة الداخلية مع الإدارة، مشكلات ربما لم تكن سببًا مباشرًا في الأخطاء التي أودت بحياة هؤلاء الضباط، وإن كانت بمثابة مقدمات نتيجتها الحتمية هي تلك اﻷخطاء.

في كتابه Explosives and bomb disposal guide، الذي يعد مرجعًا في هذا المجال، يوضح خبير المفرقعات الدولي روبرت لينز، أن السلامة الشخصية لرجال المفرقعات تتوقف على شيئين؛ الأول هو الإمكانيات والمعدات الحديثة الواجب توافرها، والثاني هو التدريب المستمر، مضيفًا أن فِرق التعامل مع المفرقعات هي مشروع مُكَلِّف يجب الإنفاق عليه بسخاء.

ظاهريًا، يبدو أن وزارة الداخلية لا تبخل على إدارة المفرقعات بأي مما يتطلبه القيام بدورها كواحدة من أبرز الفِرق المشاركة في حرب الدولة ضد الإرهاب، وأحد أهم فروع إدارة الحماية المدنية، وهو ما يمكن ملاحظته في تصريحات عدد من قيادات الإدارة، أو في المعارض التي تنظمها الوزارة لأحدث أجهزة التعامل مع المفرقعات.

أما واقعيًا، فهذه التصريحات والمعارض تواجهها شهادات من ضباط مفرقعات يشتكون، على مدار سنوات، من ضعف الإمكانات المتاحة لهم، وعدم توفر اﻷجهزة الحديثة التي تمكنهم من التعامل مع اﻷخطار التي يواجهونها.

في يناير 2015 قال العميد هشام يوسف، ضابط المفرقعات السابق في مديرية أمن الجيزة، إن إدارته لا يوجد بها سوى روبوت واحد فقط للتعامل مع العبوات الناسفة، وهو ما أرجعه لضعف ميزانية الإدارة العامة للحماية المدنية، والمقدرة آنذاك بـ 7 ملايين جنيه، في حين يبلغ ثمن الروبوت الواحد مليوني جنيه.

شكوى أخرى في العام نفسه أتت من العميد أحمد الشوادفي، مدير إدارة الحماية المدنية بمحافظة الشرقية، والذي قال في حوار صحفي إن التمويل هو أهم العقبات التي تواجه إدارته، التي تعاني من عدم وجود كلاب مدربة للبحث عن العبوات الناسفة، مضيفًا في حواره أنه طالب محافظ الشرقية آنذاك، سعيد عبد العزيز، بتوفير قطعة أرض 600 متر؛ لإنشاء وحدة لكلاب اﻷمن وكشف المفرقعات، وهو الطلب الذي رفضه المحافظ بحجة عدم وجود أراضٍ خالية بالمحافظة.

رغم شكواه السابقة، إلا أن العميد الشوادفي، في حديثه مع «مدى مصر» مؤخرًا، أكد على الدعم الكامل الذي توليه الوزارة للإدارة، وأنها لا تبخل عليهم بشيء، غير أنه كشف لنا عن معلومة مفاجئة يمكن في ضوئها تفسير ما قاله سابقًا عن ضعف الإمكانات. 

رغم تبعيتها لوزارة الداخلية، إلا أن إدارة الحماية المدنية بأقسامها المختلفة، ومن بينها المفرقعات، تتبع ماليًا وزارة التنمية المحلية، واﻷخيرة مسؤولة عن توفير المعدات والإمكانات والمقرات اللازمة لكل إدارة من المحافظة الموجودة بها، حسبما يقول الشوادفي، مستكملًا: «المشكلة أن هناك محافظات فقيرة وميزانياتها ضعيفة، وهو ما يعني أن نصيب الحماية المدنية في تلك المحافظة سيكون قليلًا»، مؤكدًا أن العلاقة الشخصية بين مدير إدارة الحماية المدني، وبين المحافظ، تلعب دورًا هامًا في تسهيل استجابة المحافظ لطلبات الإدارة. فيما تتدخل الداخلية في حالة وجود مطلب ملح وعاجل تعجز المحافظة عن توفيره.

معنى ذلك أن ميزانية وزارة الداخلية البالغة قرابة 52 مليار جنيه، غير ملزمة بتحمل تجهيز إدارات المفرقعات بمتطلباتها، التي يتم تحميلها على ميزانيات المحافظات المثقلة بمتطلبات أخرى عديدة، في حين يبقى تحديد أولوية تلبية احتياجات إدارات المفرقعات معلقًا بـ «بتأشيرة المحافظ». 

لكن من الواضح أن وزارة الداخلية قررت تغيير هذا الوضع في الشهور اﻷخيرة، وزيادة الإنفاق على إدارة المفرقعات لتزويدها باحتياجات ضرورية، دون انتظار ما يجود به المحافظون، وذلك على خلفية الخسائر البشرية الملحوظة، وهو ما يؤكده العميد محمد عمر، الرئيس اﻷسبق لقسم المتفجرات في الإسماعيلية، والذي قال لـ «مدى مصر» إن الوزارة تنبهت مؤخرًا إلى أنه لا معنى للمجازفة بحياة إنسان، بحسب قوله، لتتم تغطية جميع أقسام المفرقعات في المديريات المختلفة بالعدد اللازم من الروبوتات والبدل الواقية.

المصدر: عبد الله أحمد

انتباه الداخلية لأهمية الإنفاق على إدارة المفرقعات، وتوفيرها الإمكانات اللوجيستية المطلوبة لدعم الخبراء في عملهم، لا يعني نهاية المشكلات المحيطة بعملهم، وإنما هو تحسن نسبي في النقطة اﻷولى التي أشار لها لينز، فيما تبقى اﻷسئلة مطروحة حول النقطة الثانية التي ذكرها؛ التدريب، خاصة مع تأكيد العميد عمر أن الفني المتواجد على اﻷرض هو صاحب القرار اﻷول والأخير في استخدام أي وسيلة متوفرة من عدمه، وأن دور الإدارة يقتصر على رفع تقارير عن هذا الفني في حالة الرعونة أو الإصرار على تعريض حياته أو حياة زملائه للخطر.

يقول العميد عمر إن «جميع الضباط الذين استشهدوا أثناء تعاملهم مع المتفجرات، هم بالأساس ضباط كشف عن المتفجرات وليس تعامل معها، أي أننا نتحدث عن ضباط غير مؤهلين لإبطال المتفجرات». ويوضح أن دور الضابط الكشاف يقتصر على تلقي البلاغ ومعاينة الجسم الغريب والتأكد مما إذا كان يحوي متفجرات أم لا، أما الضابط المتعامل فهو الذي حصل على دورة متخصصة تؤهله للتعامل مع المفرقعات وإبطال مفعولها.

ويستكمل عمر قائلًا إن جميع الفرق التدريبية في مصر، سواء التي تقدمها القوات المسلحة أو التي تعقدها وزارة الداخلية في معهد تدريب الحماية المدنية بالعباسية، هي فِرق «كشف» عن المتفجرات وليس «تعامل» معها، في حين تُقام دورة التعامل في الولايات المتحدة اﻷمريكية، ويتم اختيار عدد من الضباط للمشاركة فيها سنويًا.

بحسب العميد عمر، فإن دورة التعامل مع المتفجرات هي دورة دولية باهظة التكاليف، يشترك فيها ضباط من بلاد مختلفة، بلغت حصة مصر فيها حوالي 10 ضباط في الدورة، نصفهم من قوات الجيش، والنصف اﻵخر من الشرطة بواقع ضابطين من الحماية المدنية، وثلاثة ضباط من اﻷمن الوطني.

ضابط الأمن الوطني حين يعود من الدورة لا يفيد المجال بأي شيء، ﻷنه لا ينقل خبراته المكتسبة إلى ضباط المفرقعات الذين يتفاعلون مع البلاغات أو يتعاملون فعليًا مع العبوات الناسفة، يقول العميد عمر، مضيفًا أن هذا يؤدي لارتجال مستمر من ضباط إدارة المفرقعات، ومحاولات ذاتية للتعلم ورفع المستوى.

كما يلفت عمر إلى أنه حين قررت الإدارة اﻷمريكية تقليص المعونة العسكرية لمصر، في 2013، والتي كان جزء منها يموّل تلك الدورات، أصبحت تكاليف سفر هؤلاء الضباط على عاتق وزارة الداخلية، التي رأت أن ميزانيتها لا تسمح، فقررت الاكتفاء بالتدريب الداخلي.

لا تقتصر أزمة التدريب على اختيار الضباط المشاركين في الدورات الخارجية، بل تمتد إلى اختيار المشاركين في دورات الكشف الداخلية التي تنظمها الإدارة، والتي يقول العميد عمر إنها بمثابة ميزة إضافية في ملف أي ضابط شرطة بعد مغادرته الخدمة، إذ تضمن له حظوظًا أعلى في الحصول على وظيفة، ﻷن أي فندق أو مصنع أو مؤسسة كبيرة، داخل أو خارج مصر، سيفضل الاستعانة بمدير أمن مدرب على التعامل مع الحرائق والقنابل، ليصبح الالتحاق بإدارة المفرقعات بمثابة أحد مسوغات التعيين المستقبلية لمختلف الضباط، بغض النظر عن مدى استفادة الإدارة منهم.

تأثير هذا اﻷمر على الإدارة يرصده عمر قائلًا: «رغم أن عدد ضباط إدارة الحماية المدنية بأقسامها الثلاث ليس كبيرًا، في حدود 500 تقريبًا، إلا أنه من الممكن جدًا أن تجد ضابطًا كُفئًا، تلقى الفِرق التدريبية الخاصة بالكشف عن المفرقعات، ومع ذلك يتمّ نقله إلى إدارة أخرى دون مبرر، ويلحق بنا ضابط جديد غير متخصص لمجرد أنه مرضي عنه».

ولا تتوقف مشكلات ضباط الإدارة على الدورات التدريبية، أو النقل إلى إدارات أخرى، فالعمل داخل الإدارة نفسها به ما يزعج بعضهم.

أحد الضباط الشباب العاملين حاليًا في فِرق المفرقعات، والذي اشترط عدم ذكر اسمه، قال إنهم، كضباط متخصصين، تابعون في النهاية لمديرية اﻷمن، وعليه يتم تكليفهم بأعمال خدمات ليس لها علاقة بتخصصهم، أو الفِرق التي حصلوا عليها، «الإدارة ما بيفرقش معاها الكلام ده»، مشيرًا إلى أنه يجد نفسه أحيانًا مكلفًا بالمرور على الكمائن، أو الخروج في مأمورية ترحيل مساجين، أو تأمين موكب شخصية هامة، وهو ما يراه أعباءً لا علاقة لها بتخصصه، فضلًا عن كونها تخصم من وقت يفترض أن يمنحه لمجال تخصصه.

بخلاف التكليفات البعيدة عن تخصصه، يشير الضابط الشاب إلى أزمات أخرى، «نحن نعمل في مجال فني شديد الدقة، غالبًا القيادات بالمديرية لا تفهم طبيعته، فتصدر أوامر تبدو منطقية لمصدرها لكنها عبثية للمتخصص، فمثلًا يصدر تكليف لي بمأمورية «تأمين منشأة ضد المفرقعات» ما يعني ببساطة أنه مطلوب مني المرور على عدة مواقع وفحصها، ثم كتابة تقرير يفيد خلوها من المتفجرات».

ويستكمل: «هذا عبث تام، فمن الطبيعي أن الذي يكتشف وجود جسم غريب في المكان، هم قاطني المكان أنفسهم، هم أدرى بطبيعته، وهم فقط مَن يستطيعون التعرف على ما هو غريب وما هو معتاد فيه، دوري كضابط مفرقعات يبدأ بعد تلقي البلاغ منهم، هنا أتحرك لفحص الجسم الغريب، وتقرير ما إذا كان عبوة ناسفة أم لا، لكن أن تطلب مني الطواف حول المكان لاكتشاف ما إذا كان هناك قنبلة أم لا فهذا ليس عملي، ويدل على أن مصدري القرارت لا يفهمون طبيعة عمل ضابط المفرقعات». 

«هذا صحيح إلى حد كبير»، يعقب العميد محمد عمر، خبير المفرقعات السابق، على ما قاله الضابط الشاب، مختتمًا بقوله: «مشكلة الوزارة إنها مش مؤمنة بالتخصص».

  • حاولنا الاتصال بالمتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية، اللواء خالد فوزي، للتعقيب على المعلومات المذكورة في التقرير، لكنه لم يجب اتصالاتنا.
اعلان