عمالقةٌ بالون: 8- الفضاء السبراني لا يقع داخل حدودكم، فلا تظنوا أنه يمكنكم إنشاؤه كما لو كان مشروع مرفق عمومي

بعد عزل مرسي وإعلان خارطة الطريق، أعلن عبدالفتاح السيسي استقالته من منصبه كوزير للدفاع والترشح رسميًا لانتخابات رئاسة الجمهورية، شارك فيها فقط حمدين صباحي، فاز السيسي بنسبة أصوات 97% في انتخابات 2014.

لقطة من خطاب السيسي الذي أعلن فيه استقالته من القوات المسلحة اعتزامه الترشح لرئاسة الجمهورية

في نفس السنة، أعلنت الحكومة المصرية ممثلة في وزارة الداخلية عن إجراء مناقصة بطريقة الممارسة المحدودة بهدف توريد وتشغيل برمجيات تهدف إلى مراقبة النشاط الرقمي على شبكة الإنترنت. جاء المشروع الذي أعلنت عنه الوزارة تحت عنوان «مشروع رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي – منظومة قياس الرأي العام»، ونصّت كراسة الشروط الخاصة بالمناقصة على أن البرمجيات المطلوبة لوزارة الداخلية يجب أن تكون قادرة على مراقبة وتحليل الشبكات الاجتماعية فيسبوك وتويتر، ويوتيوب وانستجرام ولينكدن وفايبر وواتساب، وإمكانية إضافة مواقع أخرى مستقبلًا، بالإضافة إلى قدرة البرنامج للتعامل مع الملفات النصية المختلفة وتحليل المفردات الواردة بها. لاحقا، كُشف عن فوز شركة «Systems Engineering Of Egypt» بتعاقد مع وزارة الداخلية المصرية يتعلق بمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، مُتغلبة على شركات أخرى مثل «Gamma Group» البريطانية و«Narus» الإسرائيلية. ويُرجّح أن يكون هذا التعاقد هو نفس مناقصة «مشروع رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي – منظومة قياس الرأي العام».

كما  نشرت شركة فودافون العالمية في بيان لها أن وكالات حكومية في عدد من الدول، التي تعمل فيها يمكنها الدخول مباشرة إلى شبكتها للتنصت على مكالمات العملاء، من بينها مصر. وقالت فودافون إنه لا يمكنها تقديم صورة كاملة لجميع الطلبات التي تحصل عليها لأن الكشف عن هذه المعلومات غير قانوني في دول كثيرة، وهو الحال في مصر.

أيضا  زوّدت شركة «Ercom» الفرنسية السلطات المصرية بعدّة وسائل لاعتراض الاتّصال، أطلق عليها «Vortex»، بالإضافة لبرمجية تحفظ وتعالج المعلومات، تسمى «Cortex». يُمكّن استخدام «Vortex» و «Cortex»، لاعتراض المكالمات، والرسائل النصية، ومراقبة حركة الإنترنت أو تحديد الموقع الجغرافيّ لهدفٍ ما.

كان واضحًا جداً الانطباع السلبي من الرئيس  السيسي تجاه حرية الإنترنت، خاصة أنه قد عبّر عن ذلك في أكثر من خطاب، كان أوضحها عندما قال في أحد الخطابات في سنة 2016: «أنا بتكلم دلوقتي وإنتو شايفني، لو أنا بتكلم من ورا وسائل الاتصال المختلفة إنتو مش شايفني ولا تعرفوا أنا تبع إيه، ولا بهدف من ورا ده إيه»، هذا كلام يتسق أيضًا مع كلام الرئيس عن حروب الجيل الرابع والخامس أو على حد قوله «فيه حروب، وكتائب إلكترونية، وقصة كبيرة بتتعمل»، ثم الجملة الشهيرة «كتيبتين تدخل على النت وتعملها دائرة مقفولة والإعلاميين ياخدوا أخبار وشغل منها».

دولة السيسي لديها أزمة مع حرية التعبير والكلام، في أحد خطاباته قال الرئيس: «ده في ناس بتطلع الأوتوبيسات والميكروباصات تكلم الناس وتقولهم الحكاية كذا وكذا، الكلام ده كل المصريين في الشارع عارفينه، هدفهم إن الكتلة دي تفك»، وهي الجملة التي يمكن أن نعتبرها تطورًا لسابقتها: «بتحبوا مصر صحيح؟.. لو بتحبوا مصر اسمعوا كلامي أنا بس»، وفي موضوع آخر: «قضية تقدم مصر هي حرية التعبير ولا العمل؟ تقدم مصر ليس حرية التعبير فقط». وفي حديثه عن أزمة تيران وصنافير قال الرئيس: «رجاء. ما حدش يتكلم في الموضوع ده تاني»، ولأن التكرار يُفيد التوكيد، فقد قالها الرئيس مرتين.

في 2015 نشرت شركة جوجل بيانًا عن أن شركة «MCS Holdings» المصرية -وهي نفس الشركة التي استوردت برمجية «FinFisher» لأجهزة الأمن المصرية سابقًا- قد أساءت استخدام تقنية شهادات «SSL/TSL» الرقمية، بعد يوم واحد من امتلاكها، وهي شهادات تستخدم لحفظ خصوصية الاتصالات، وكذلك لتوثّيق هويات الأطراف المتواصلين. استغلّت الشركة الشهادة الرقمية لإجراء اعتداء إلكتروني من نوع «man-in-the-middle attack» وهو هجوم يسمح لها بالنفاذ إلى حزم البيانات أثناء تمريرها عبر الشبكة بين المرسل والمستقبل، بما يتضمن إمكانية الاطلاع على المحتوى الذي يقرؤه المستخدمون، وكذلك مراسلاتهم الخاصة، وبياناتهم الشخصية، وانتحال هويّات المواقع والأفراد، والاستحواذ على بيانات سريّة.

لقطة من فيديو دعائي لشركة هاكينج تيم الإيطالية

في نفس السنة، أظهرت الوثائق المُسرّبة من شركة «Hacking Team» الإيطالية شراء السلطات المصرية برنامج «Remote Control System»، وهو برمجية قادرة على مراقبة اختراق الحواسيب الآلية والهواتف المحمولة التي تعمل بأنظمة تشغيل ويندوز ولينكس وآي أو إس وأندرويد وبلاكبيري وويندوز فون. برمجية «Remote Control System» تُتيح التجسس على التطبيقات والمكالمات الصوتية والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني واستخدام الكاميرا والميكروفون المدمجة بالأجهزة، وتطبيقات الدردشة والتجسس على الملفات المُخزّنة على الأجهزة وتحديد الموقع الجغرافي والتجسس على ما يكتب بلوحة المفاتيح لإلتقاط صور لشاشة الأجهزة والمواقع التي يتم تصفحها. أشارت الوثائق المُسربة على أن الشركة المصرية حصلت على صفقة تمتد من سنة 2015 حتى 2017 من شركة «Hacking Team» لصالح وزارة الدفاع. لاحقا غيّرت شركة «GNS EGYPT» اسمها إلى «INFORT» وتعمل تحت هذا الاسم حتى الآن.

تعامل نظام ما بعد 2013 بعداء مع الإنترنت والإعلام ومنظمات المجتمع المدني، تمامًا مثل الأنظمة السابقة، باعتبارها كانت أسبابًا أساسية لإسقاط نظام مبارك، وعليه أصبح على الأجهزة الأمنية أن تسيطر عليها أكثر. فعلى الرغم من إمكانية فهم تحرك الملايين في الثورة المصرية في سياق استبداد وتردي الأوضاع في عهد نظام مبارك وممارسات جهاز الشرطة المصري، وهو التفسير الأكثر منطقية. فالإعلام وقت مبارك لم يتمتع بمطلق حريته ولم يكن في صف الثورة بل كان في أغلبه ضد تحركات الملايين في 25 يناير وما تلاها، ومنظمات المجتمع المدني لم تكن المُحرك الأساسي لثورة 25 يناير واقتصر دورها على تقديم الدعم القانوني وتوثيق الانتهاكات، وهو عمل اعتيادي كانت المنظمات تقوم به منذ فترة طويلة سابقة على الثورة، إلا أن نظام ما بعد 2013 اتخذ قرارًا لا رجعة فيه  بتدجين الإعلام والسيطرة التامة عليه، وهو ما نجح فيه بالفعل، لتتحول الكثير من القنوات الفضائية والصحف إلى أدوات استقطاب وتضليل، في نفس الوقت الذي تُرهب فيه السلطة منظمات المجتمع المدني، وهي الآن في مرحلتها الأخيرة للقضاء تمامًا على وجودها المستقل، ولا يمكن أن ننظر إلى عداء السلطة للإنترنت ومراقبته وممارسة حجب مواقع الويب في مصر خلال الفترة السابقة في سياق منفصل عن رؤية الدولة تجاه ما تراه أنها أدوات تسببت في إسقاط نظام مبارك.

ويستمر النظام في إرادته للسيطرة على الإنترنت وتداول المعلومات من خلاله، ففي 2016 رُصدت هجمات استهدفت الحسابات المؤسسية لمنظمات حقوقية مصرية والحسابات الشخصية لمدافعين عن حقوق الإنسان. واعتمدت الهجمات على الهندسة الاجتماعية «social engineering» كوسيلة رئيسية للاحتيال على المستهدفين بانتحال هوية أفراد وصفة شركات مثل جوجل ودروبوكس وفيديكس للحصول على بيانات شخصية وكلمات المرور.

وفي 2017، اشترت دولة الإمارات العربية المتحدة برمجية التجسس «Cerebro» من انتاج شركة « Amesys» – غيّرت الشركة لاحقا اسمها إلى «Nexa Technologies»- وقدمته للحكومة المصرية. وهذه البرمجية تُتيح للسلطات المصرية مراقبة شاملة للاتصالات عبر تقنية «Deep Packet Inspection» بما في ذلك المكالمات الصوتية والرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني والرسائل الفورية، وشبكات التواصل الاجتماعي المختلفة وعمليات البحث على محركات البحث.

وفي 2018، كشفت تقارير تقنية عن استخدام الحكومة المصرية لبرمجية التجسس «Pegasus» من إنتاج شركة «NSO» الإسرائيلية، والبرمجية تعمل عبر الاحتيال على الشخصَ المستهدف للضغط على رابط خبيث ومخصّص، والذي حالما يضغط عليه، فإنه يحاول استغلال سلسلة من الثغرات غير المعروفة «zero-day» لاختراق ميزات الحماية الرقمية على الهاتف وتحميل «Pegasus» دون علم أو إذن المستخدم. حالما يتم تحميل «Pegasus» على الهاتف، فإنه يبدأ بالاتصال بمركز التحكم (C&C) لاستقبال وتنفيذ أوامر المشغّل، ويرسل البيانات الخاصة بالشخص المستهدف، بما في ذلك المعلومات الخاصة، كلمات المرور، جهات الاتصال، التقويم، الرسائل النصية، والمكالمات الصوتية المباشرة من تطبيقات المراسلة الخاصة بالموبايل. يمكن للمشغل حتى أن يشغل كاميرا الهاتف والمايكروفون لالتقاط وتسجيل النشاط في المحيط الذي يتواجد به الهاتف. ورُصد استخدام جهاز «Sandvine PacketLogic»، حيث تم العثور على «middle boxes» لاستخدام تقنية «Deep Packet Inspection» على واحدة من شبكات الاتصالات المصرية. هذه الأجهزة تم استخدامها لإعادة توجيه مستخدمي العديد من مزودي خدمة الإنترنت إلى إعلانات وسكربتات تعدين عملات رقمية.

كما شكّل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وهو الجهة الحكومية المسؤولة عن تنظيم قطاع الإعلام في مصر، لجنة باسم «لجنة متابعة مواقع التواصل الاجتماعي»، وهي لجنة مسؤولة عن المتابعة اليومية لصفحات مواقع التواصل الإجتماعى للكشف عن التوجهات السائدة لدى الفئات الاجتماعية المختلفة من الشباب والكبار وكذلك لدى الطبقات الاجتماعية المتباينة وذلك التعرف اليومي على التحولات والتطورات التي تطرأ على الأفكار السائدة في تلك الصفحات.

يُذكر أن تكنولوجيا الجيل الرابع قد دخلت إلى مصر مع دخول الشركة المصرية للاتصالات سوق الهواتف المحمولة في 2017، وفي نفس العام استحوذت شركة أورانج الفرنسية على شركة موبينيل.

العنوان مقتبس من “إعلان استقلال للفضاء السبراني” تأليف : جون پِري بارلو (1996) وترجمة أحمد غربية (2005)

الحلقات السابقة من «عمالقةٌ بالون»:

1- مواطن جديد آتٍ للفضاء السيبراني

2- اكتشاف العالم الموجود في كل مكان وفي اللامكان

3-  بلُج أم بلوغ؟

4- نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه

 5- سوف نخلق حضارة للعقل في الفضاء السبراني

6- نعلن حصانة ذواتنا الافتراضية على سلطانكم

7- الفضاء الاجتماعي العالمي الذي ننشئه مستقل بطبيعته عن الطاغوت الذي تسعون لفرضه علينا

اعلان
 
 
محمد الطاهر