«شنطة بجنيه ونص» ﻹنقاذ سلاحف وأسماك الغردقة
 
 

على عكس باقي مدن مصر، يواجه المتسوقون في الغردقة صعوبة في حمل مشترياتهم في أكياس بلاستيكية مجانية هذه اﻷيام، داخل معظم محال السوبرماركت، تعلق لافتة تخبر المتسوقين أنهم توقفوا عن استخدام الشنط البلاستيكية المعتادة، وأن البديل شنط صديقة للبيئة يمكنهم شرائها، وذلك امتثالًا لقرار محافظ البحر الأحمر أحمد عبدالله.

قرار المحافظ صدر في أواخر مايو الماضي، وبدأ تنفيذه منذ اﻷول من يونيو ضمن مبادرة «البحر الأحمر بدون أكياس بلاستيك». منع القرار استخدام الأكياس البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد في المحال العاملة بمجال الغذاء (المطاعم والسوبر ماركت واللحوم والأسماك والفاكهة والخضروات)، إلى جانب الصيدليات. كما منع استخدام الأكياس والأدوات البلاستيكية، التي تستخدم لمرة واحدة في المشروبات والأطعمة (السكاكين والمعالق والشوك البلاستيك والأكواب والأطباق والشاليموه) في المطاعم، وكذلك المراكب السياحية بالمحافظة، باستثناء أكياس جمع القمامة الثقيلة. وفرض القرار غرامة على المخالفين، كما نص على وقف الترخيص لمصانع إنتاج الأكياس الخفيفة داخل المحافظة.

«قالوا لنا علشان نحمي السلاحف والأسماك بس الشنطة [صديقة البيئة] في السوبر ماركت بجنيه ونص وساعات باتنين جنيه، مين فينا يقدر كل مرة يدفع تمن الشنطة وهو بيشتري حاجته»، يتساءل محمود، عامل النظافة في أحد فنادق الغردقة.

مع اقتراب الثالثة عصرًا، تبدأ ورديته في تنظيف محيط الفندق وأحواض الزرع بجواره. يجمع محمود الأوراق وبعض البلاستيك المنثور في محيط الفندق. أثمر قرار المحافظ عن بعض النجاح، لكنه نجاح جزئي. «مفيش أكياس. بس بلاقي ورق وشفاطات وساعات شوك ومعالق».

بحسب هبة شوقي، المديرة التنفيذية لجمعية هيبكا -جمعية أهلية عاملة في مجال الحفاظ على البيئة في محافظة البحر اﻷحمر- التي تتولى منظومة إدارة المخلفات الصلبة في مدينتي الغردقة ومرسى علم، أوقفت كل الصيدليات و50% من المحال التعامل بالبلاستيك استجابة للقرار خلال الشهور اﻷولى لتنفيذه.

توجه محافظة البحر اﻷحمر يأتي تماشيًا مع توجه عالمي لمنع استخدام البلاستيك بسبب مخاطره، فبحسب اﻷمم المتحدة، هناك 127 دولة منعت أو فرضت ضرائب على منتجات البلاستيك ذات الاستخدام الواحد. حتى تنظيم شباب الصومال المحسوب على تنظيم القاعدة قرر منعها. لكن، رغم الجهود المبذولة، فإن النتائج ما زالت ضبابية.

لماذا نرغب في التخلص من البلاستيك؟

بدأ إنتاج البلاستيك للمرة اﻷولى تجاريًا في عام 1865، ومر بمراحل تطور كبيرة حتى أصبح بديلًا رخيصًا للمنتجات الورقية والخشبية، ومكونًا رئيسيًا في العديد من الصناعات الأخرى.

يتكون البلاستيك من بوليمرات تُستخلص من البترول والغاز الطبيعي والفحم، كما يدخل في صناعته مادة الإثيلين، وهو غاز عضوي.

توسع استخدام البلاستيك بشكل كبير طوال عقود، حتى بدأ العالم في الانتباه إلى اﻷزمات الصحية والبيئية الكبيرة التي يتسبب فيها. تشير شوقي إلى أن انخفاض سعر البلاستيك هو سبب غزوه، قائلة «لكن فعليًا ليس أرخص بالمقارنة لما ننفقه كمواطنين ودولة على علاج أمراض سببها البلاستيك».

بينما تعتبر ميسون نبيل، مديرة برنامج التحكم في التلوث الصناعي بوزارة البيئة، أن البلاستيك، الذي كان في وقت من الأوقات طفرة متقدمة في الصناعة، أصبح اليوم من أحد أخطر العناصر على البيئة، خاصة البلاستيك أحادي الاستخدام.

توضح نبيل لـ «مدى مصر» أن المشكلة هي عدم تحلل الأكياس البلاستيك بسرعة، والذي يستغرق مئات السنين، لتصبح الطريقة الوحيدة للتخلص منه هي الحرق، وهو الأمر الذي يسبب ضررًا أكبر على البيئة، وبحسب تقديرتها، يبلغ الاستهلاك السنوي في مصر 12 مليار كيس سنويًا، فيما بلغ استهلاك الفرد من الأكياس 25 كيلوجرام في 2012.

تشير نبيل إلى أن «مصر تنتج سنويًا 16.2 مليون طن من النفايات، ونسبة البلاستيك منها 6%»، لكن ما يمثل خطورة بالأمر حسب قولها هو أن «50% من النفايات البلاستيكية يتم حرقها».

طبقًا لتقرير للصندوق العالمي للطبيعة، والذي صدر في يونيو الماضي، تعد مصر أكثر دول محيط البحر المتوسط تلويثًا له، حيث يصدر عنها أكثر من نصف كمية النفايات غير المدارة الصادرة عن المنطقة.

حملات المواجهة

لم تكن هذه هي المرة اﻷولى التي تسعى فيها محافظة البحر اﻷحمر لمنع البلاستيك. «كان هناك قرارًا بحظر استخدام الأكياس البلاستيك منذ 2010 مع محافظ سابق للبحر الأحمر»، تقول شوقي، «ولكن مع تطور الظروف السياسية [في 2011] توقف العمل به». لكن الجديد أن قرار المحافظ اﻷخير لم يتعامل مع الأكياس البلاستيكية فقط، لكنه شمل كل المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد.

تمر حملات لضبط الأكياس البلاستيكية على محال السوبر ماركت أو الصيدليات أو المطاعم، يشترك فيها عدة جهات حكومية في البحر الأحمر منها شرطتي البيئة والمرافق. «كل شهر في جدول شهري محدد فيه أماكن الحملات والجهة التي تمر على المكان»، يقول محمد لطفي، مدير إدارة البيئة بمدينة الغردقة، مضيفًا أن «الغرامات يحدد قيمتها المحافظ بعد مراعاة المكان المضبوط فيه الأكياس محل صغير أو كبير، والغرامة تقديرية وبسلطة المحافظ فقط». وتتولى شرطة السياحة، بحسب لطفي، المرور على الفنادق والقرى السياحية لضبط الأكياس والأدوات البلاستيكية المحظورة.

ويوضح لطفي لـ «مدى مصر» «إدينا مهلة شهرين وعملنا حملات توعية في المصانع والمدارس، ووزعنا بدائل في أسواق الخضار»، قبل البدء في تطبيق الغرامات أغسطس الماضي.

إلى جانب الجهود الحكومية، اشتركت أطراف مختلفة، من بينها أفراد وشركات ومدارس ومنظمات مجتمع مدني، في حملات تهدف إلى الحد من استخدام البلاستيك ذو الاستخدام الواحد.

على سبيل المثال، قررت المدرسة اﻷلمانية بالغردقة منع استخدام أي أدوات مدرسية بلاستيكية مع بداية العام الدراسي الجديد. من جانبه، أعلن المغامر عمر الجلا، والذي سبق وخاض مغامرة للجري بطول مصر، بدأت من معبد أبي سمبل إلى الإسكندرية، عن نيته السباحة بالبحر الأحمر -من السويس حتى شلاتين- في رحلة تستمر 90 يومًا للفت النظر إلى خطورة البلاستيك على الكائنات البحرية والصحة بشكل عام.

كما قررت عدد من الجمعيات والشركات العاملة في مجال البيئة تشكيل تحالف «مصر تمنع البلاستيك» في يوليو 2019. يقول شادي خليل، مؤسس شركة  «جرينيش» العاملة في مجال الاستشارات البيئية، «شكلنا التحالف حتى لا تبذل كل جهة جهدها منفردة، ويكون تأثيرنا أكبر، نتشارك في المعلومات والموارد ونشارك في الفعاليات المختلفة للمجموعة».

يوضح خليل أن هدف الائتلاف توسيع الأنشطة ليمتد تأثيرها لمناطق مختلفة في مصر، مشيرًا إلى إقامة أنشطة في كل المحافظات. وأعلن التحالف عن جائزة قيمتها 30 ألف جنيه لمن يتقدم بفكرة تغيير خطوط إنتاج البلاستيك أحادي الاستخدام إلى بدائل صحية.

لماذا لم يكتمل النجاح؟

شهدت تجربة البحر الأحمر خلال الشهور الماضية بعض النجاح. على سبيل المثال، توقفت المراكب السياحية عن استخدام الأشواك والملاعق والأكواب البلاستيكية، بحسب  المديرة التنفيذية لجمعية هيبكا، لكن هذا النجاح لم يكن هائلًا. «في أماكن مش هتلتزم إلا بتطبيق الغرامات بشكل كبير»، تقول شوقي، «في يونيو ويوليو كان تحذيرات ومصادرة البلاستيك الموجود من قبل المرافق، لكن في أغسطس بدأنا في تطبيق الغرامات».

لكن هذا لم يمنع تحايل البعض على القرار، بحسب تعبيرها. «فيه ناس حاطة الشنط القماش والورق ومخبية الأكياس البلاستيك، تغيير السلوك لن يحدث في يوم وليلة».

تتوقف شوقي عند بعض محلات السوبر ماركت والمطاعم الشهيرة التي ترفض تطبيق القرار ولم تخضع لغرامات حتى الآن. «فيه محلات كبيرة، اتصادر من عندها حاجات كتير ولكن لسة مُصرين على الأكياس والشوك والمعالق»، رغم تعرضهم لثلاث حملات صادرت اﻷكياس واﻷدوات البلاستيكية. «أنا مازعلش من سوبر ماركت وبقالة صغيرة تستخدم الأكياس المحظورة، لكن ليه سلاسل سوبر ماركت كبيرة تعمل كدا.

هذا التحايل يمتد لما هو أوسع من ذلك. تقول شوقي إن سلاسل السوبر ماركت تستخدم اﻵن «شنط بلاستيك يقول إنها من مواد عضوية، وده مش حقيقي ده غش وتدليس». وتؤكد أن الأكياس المتداولة في بعض اﻷسواق، مكتوب عليها «صديقة للبيئة»، شديدة الخطورة. «جبنا العينات وحللناها، مفيش في جمهورية مصر العربية شنط صديقة للبيئة، الشنط الصحية سعرها مرتفع جدًا معمولة من مواد عضوية مثل نشا ذرة، نشا بطاطس، قصب سكر، أو قشور الجمبري»، موضحة «في الطبيعة ومع عوامل الجو يتحول  الكيس لمادة عضوية لكن الموجود الآن يتفتت ولا يتحلل، كل الموجود أسوأ من البلاستيك العادي».

تحذر شوقي من خطورة الشنط التي يسوق لها البعض باعتبارها صديقة للبيئة «هذه مواد بلاستيكية مضاف لها بوليمرز تفتت وتكسر المعادلة الكيميائية وتفتتها، فبدلًا من كيس موجود في البحر أو الصحراء ممكن أشيله، يتحول لملايين الجزئيات التي لا تختفي قبل 200 أو 300 سنة».

إلى جانب هذا، يشكو سكان الغردقة من ارتفاع أسعار الشنط البديلة وعدم التكيف مع فكرة الاحتفاظ بالشنط متكررة الاستخدام والذهاب بها للتسوق.

داخل سوبر ماركت مجاور للبحر، عٌلقت لافتة عليها قرار المحافظ، وبجانبها إشارة إلى وجود حقائب بديلة يبيعها المحل بجنيه ونصف. لكن أحد العمال بالمحل نفسه يرى أن جنيهًا ونصف مبلغ كبير، لا يمكن لشخص عادي تحمله عند شراء احتياجاته يوميًا، كما يجد صعوبة في تقبل فكرة الاحتفاظ بالكيس الورقي أو القماش في حقيبة اليد أو الجيب.

عبد الرحيم الذي يعمل ضمن منظومة جمع المخلفات التي تتولاها جمعية «هيبكا»، قال لـ «مدى مصر»: «لسة الناس بتحب البلاستيك.. ما ينفعش تستغنى عنه».

جهود واسعة

التوجه المصري اﻷخير يتماشى مع توجه عالمي للحد من استخدام منتجات البلاستيك، وعلى وجه الخصوص ذات الاستخدام الواحد. أكثر من 30 دولة إفريقية قررت منع استخدام الأكياس البلاستيكية عبر قوانين وقرارات حكومية. آخر هذه الدول كانت تنزانيا، والتي بدأت الحظر منذ أول يونيو الماضي.

كما اتبعت دول أوروبية سياسات متعددة للحد من استخدام البلاستيك شملت فرض ضرائب على الأكياس البلاستيك ذات الاستخدام الواحد مثل أيرلندا التي فرضت ضريبة تبلغ 22 سنتًا على الكيس الواحد. وبحسب تقرير منشور على موقع «دويتش فيله»، أدت الضريبة إلى خفض استهلاك الفرد من البلاستيك من 328 كيسًا في السنة إلى 20 كيسًا فقط. وينخفض هذا كثيرًا عن متوسط ​​استهلاك الفرد في الاتحاد الأوروبي، والذي يبلغ 198 كيسًا فقط.

وفي 2015، وافق البرلمان الأوروبي على قانون يفرض رسومًا على الأكياس التي تسلمها المحلات للمستهلكين. كما أقر في مارس الماضي قانونًا يمنع منتجات البلاستيك ذات الاستخدام الواحد بحلول عام 2021، على أن تبدأ كل دولة في تعديل تشريعاتها بما يتوافق مع هذا القرار.

على الجانب المصري، وبما يتماشى مع هذا التوجه، تقدمت النائبة أنيسة حسونة، عضوة مجلس النواب، بمقترح استصدار قرار يحظر استخدام الأكياس البلاستيكية في مصر. وطالبت حسونة في حديثها لـ «مدى مصر» ببدء حملات توعية بمخاطر البلاستيك على الصحة والبيئة، وإصدار قوانين وتشريعات تضع حلولًا مرحلية لاستبدال البلاستيك ببدائل صحية، وتهيئة المصانع بخطوط إنتاج صديقة للبيئة وإعفائها من الضرائب خلال مدة معينة.

النائبة التي بادرت بالمقترح البرلماني قبل عدة أشهر، ولم تتلق ردًا حتى الآن، اعتبرت أن «الأهم هو التوعية بالبدائل من الأكياس الورقية والشنط القماش متعددة الاستخدام، وكذلك التوعية بخطورة البلاستيك الذي يؤثر على صحتنا وعلى صحة الأجيال المقبلة، ويلوث الهواء والحياة البحرية».

من جانبها، وضعت وزارة البيئة خطط للحد من استخدام البلاستيك. تقول مديرة برنامج التحكم في التلوث الصناعي بوزارة البيئة إن لدى الوزارة «خطة تشمل إجراءات متعددة منها التشجيع على استخدام الأكياس الصديقة للبيئة في سلاسل السوبر ماركت، واعتماد نظام مشجع للإعفاءات وتخفيض الضرائب للجهات التي تعمل في إنتاج البلاستيك القابل للتحلل، وتقديم مشروع قانون لضمان عدم توافر أكياس بلاستيكية مجانية للمستهلكين، وحظر استخدام الأكياس التي يقل سمكها عن 30 ميكرون».

من جانبه، يأمل خليل في إصدار تشريع بمنع استخدام البلاستيك «القرار الذي اتخذته 140 دولة مش اكتشاف ولازم نوقف استخدام البلاستيك ونقارن تكلفة الضرر البيئي والصحي بتكلفة البدائل الصحية والبيئية».

هل تكفي هذه الجهود؟

بالرغم من الجهود المبذولة عالميًا لمنع استخدام البلاستيك والأدوات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، لم يتمكن الباحثون والعلماء من تقييم أثرها بشكل واضح حتى الآن.

التحدي اﻷكبر حتى اﻵن هو توفير بدائل معقولة للمستهلكين. في دراسة أجرتها في ولاية كاليفورنيا اﻷمريكية، كشفت تايلور ريبيكا، الباحثة الاقتصادية في جامعة سيدني، أنه رغم الانخفاض الكبير الذي تسبب فيه حظر أكياس البلاستيك ذات الاستخدام الواحد، إلا أن ارتفاعًا كبيرًا مقابلًا شهدته مبيعات أكياس القمامة.

على الجانب اﻵخر، ما زالت عملية إعادة تدوير البلاستيك تواجه مشاكل كبيرة. قدرت ورقة بحثية أن 9% من البلاستيك على مستوى العالم يُعاد تدويره. إلى جانب هذا، فإن صناعة إعادة التدوير نفسها تواجه انتقادات كبيرة، حيث يشير تقرير نشرته صحيفة «جارديان» في أغسطس الماضي إلى أن إعادة تدوير البلاستيك، على عكس باقي المواد اﻷخرى القابلة ﻹعادة التدوير، عملية مكلفة ومعقدة، وتتسبب في انخفاض جودة البلاستيك الجديد الناتج عنها. إلى جانب هذا، فإن نقل البلاستيك وغسله وتقطيعه وإعادة إذابته يتسبب في مشاكل بيئية أخرى.

ولهذا، لا تعتقد شوقي أن القرار سينجح وحده في حل المشكلة. «مفيش حاجة اسمها منع البلاستيك تمامًا، لكن الحد منه والسيطرة على تدفق المواد البلاستيكية للبحر والصحراء بفعل الإنسان وتيارات الهواء»، تؤمن شوقي أن المنع التام خيال وتشدد على أن الحد من البلاستيك يحتاج سياسة نفس طويل.

اعلان