السيسي و«إهانة الثورة»

إثر حالة الغضب التي أعقبت حصول الرئيس الأسبق حسني مبارك على حكم بالبراءة في قضايا قتل متظاهري ثورة 25 يناير والفساد المالي، في نوفمبر 2014، وفي محاولة لامتصاص حدة الاحتقان الشعبي، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر من العام نفسه أنه يبحث إصدار قرار جمهوري بقانون لتجريم إهانة ثورتي 25 يناير و30 يونيو.

لم يكن السيسي، المنتخب حديثًا آنذاك، قد أحكم قبضته على مفاصل الدولة بعد، ولم يكن الشباب الغاضب العائد من ميادين الثورة قد محا من ذاكرته مشاهد الحشود والمواجهات، حاول بعضهم العودة إلى ميدان التحرير للاحتجاج على أحكام براءة الرئيس الذي ثاروا عليه وخلعوه، فاشتبكت معهم قوات الأمن وسقط خلال الاشتباكات شابين، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة، وهو ما دفع السيسي إلى إصدار بيان يؤكد «استحالة عودة مصر إلى الوراء».

اجتمع الرئيس بعدها بعدد من «شباب الإعلاميين» وبعد اللقاء كلف لجنة قانونية بإعداد «تعديل تشريعي كي لا تسقط اتهامات الفساد المالي عن الموظفين العموميين بالتقادم، إلا بعد عشر سنوات من تركهم لوظائفه، وإضافة مواد تعاقب كل من يهين أو يسيئ للثورة»، وحث رئيس حكومته، إبراهيم محلب، على مراجعة تعويضات من سماهم شهداء ومصابي ثورة يناير، دون الحديث عن فتح تحقيق للكشف عن المتورطين في قتل المتظاهرين إبان تلك الفترة.

أثار مشروع قانون «إهانة الثورة» حينها جدلًا كبيرًا، فبين مؤيد يرى أن إهانة الثورة أو وصفها بالمؤامرة ينطوي على مخالفة صريحة لنصوص الدستور الذي اعتبرها «فريدة بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية، وأنها استعادت للوطن إرادته المستقلة»، وهو ما يستوجب تعديل قانون العقوبات للنص على عقاب من يسيئ إليها، وبين رافض يرى أن القانون المقترح يتعارض مع مبدأ حرية الرأي والتعبير الذي أقره الدستور في أكثر من مادة.

أدى مشروع القانون المقترح دوره في امتصاص حالة الغضب التي تصاعدت بعد براءة مبارك وأركان حكمه، وبعد أسابيع من الجدل المصنوع، صدر قرار غير معلن بدفن المشروع في مدافن الثورة ليرقد إلى جوار ديباجة الدستور وأحلام وطموحات الشباب التي طالت عنان السماء.

كغيره من العسكريين القادمين من الثكنات إلى قصور الحكم مباشرة يكره السيسي الثورة، فالجيوش تقوم بطبيعتها على الطاعة والانضباط والتراتبية، وتخلو قواميسها من مفردات الاعتراض والرأي الآخر، وبالتبعية ترفض الاحتجاج والثورة، ومع ذلك دعم اللواء السيسي، مدير المخابرات الحربية في 2011، تحركات الجماهير في 25 يناير وما بعدها حتى سقط رأس النظام في 11 فبراير.

بحسب ما نقلته صحيفة «ديلي تليجراف» البريطانية، فقد كُلف السيسي بحكم مواقعه في المخابرات الحربية بوضع تقدير موقف آواخر عام 2010 عن مستقبل مصر السياسي، التقدير انتهى إلى اعتزام الرئيس الأسبق حسني مبارك تمرير الحكم لنجله جمال، وهو الأمر الذي قد يُسبب اضطرابات شعبية، وأوصى السيسي في نهاية تقريره الجيش بأن يكون على استعداد للتحرك لضمان الاستقرار والحفاظ على الدور المركزي الخاص به في الدولة. و«طالب السيسي المجلس العسكري بضرورة حسم موقفه من الثورة»، بحسب ما ذكر الأستاذ محمد حسنين هيكل في برنامج تليفزيوني.

استبقت الجماهير مخطط مبارك لتوريث الحكم لابنه جمال، ونزلوا إلى الشوراع في 25 يناير 2011 مطالبين برحيل النظام، وحسب «ديلي تليجراف» وضع مدير المخابرات الحربية خطة التحرك؛ انتشر الجيش في الشوارع يوم 28 يناير، وسيطر على المنشآت الحيوية، ورفض الانحياز للنظام، وأصدر بيانًا يؤكد فيه احترامه للإرادة الشعبية.

«لو لم تنزل الجماهير إلى الشوارع في يناير، لتدخل الجيش لقطع الطريق على محاولة مبارك توريث الحكم لابنه الذي كان مخططا له 4 مايو 2011.. الثورة أعفت الجيش من التدخل المباشر، ووفرت الغطاء الشعبي»، يقول السيسي لعدد من الكتاب التقوه في جلسة خاصة بعد أحداث ثورة يناير، عندما كان ينظم في مكتبه لقاءات بصحفيين وكتاب ونشطاء.

ويرى أحد الكتاب الذين حضروا تلك اللقاءات أن أعضاء المجلس العسكري في ذلك الحين كانوا يحتقرون شباب ثورة يناير وينظرون إليهم باعتبارهم إما ممولين من جهات خارجية أو شباب جامح لا يعرف عن الدولة شيء ولا يقدر حجم التحديات التي تنتظرها، «استخدم المجلس العسكري هؤلاء الشباب لتحقيق هدف إزاحة مبارك وابنه ودائرته القريبة من السلطة.. حاولوا احتوائهم وإغوائهم، وبعد أن أدى الشباب دوره وتحقق الهدف بدأت عملية حرقهم وشيطنتهم».

ويعتقد الكاتب، الذي تعددت لقاءاته بأعضاء من المجلس العسكري في (2011 و2012)، أن عدد من قادة المجلس، ومنهم السيسي، كانوا طامحين في الوصول إلى السلطة «حلم رئاسة الدولة كان يرواد عدد من قادة المجلس، لكنهم تعاملوا معه كحلم مؤجل.. ظروف البلد وفوران الشباب في الميادين عطلت تحقيق الحلم».

انحاز السيسي إذن لثورة يناير، أو على الأقل لمطلبها بخلع مبارك وقطع الطريق على وصول ابنه جمال إلى السلطة، لكنه يعتقد أن دورها انتهى عند هذه النقطة، وعلى الثوار العودة إلى منازلهم حتى يكمل «أصحاب البلد» مشوار الحفاظ على مؤسسات الدولة التي راحت على حد تعبيره، «الدولة المصرية مؤسساتها راحت، الدستور راح، ومجلسا الشعب والشورى راحوا، الداخلية تلقت ضربة شديدة جدًا، القضاء بدأوا يشككون فيه، كان فاضل إيه، فاضل إيه تاني؟»، يتساءل السيسي في لقاء بعدد من رجاله عام 2012.

حديث السيسي المعلن عن يناير انتقل من الثناء والتمجيد واعتبارها العبور الثاني نحو الحرية والديمقراطية، إلى تحميلها مسئولية كل الأزمات التي مرت بها البلاد خلال السنوات التسع الماضية وعلى رأسها فشل مفاوضات سد النهضة مع إثيوبيا لأن «البلد كشفت ظهرها وعرت كتفها في 2011.. ولو مخدناش بالنا هيتعمل فينا أكتر من كده».

خلال ترشحه للرئاسة، وفي حوار مع «سكاي نيوز عربية» سُئل السيسي عما تمثله له ثورة 25 يناير، فقال إنها «انطلاقة لتغيير حقيقي قادم ستشهده مصر»، وفي لقاء آخر مع الإعلاميين لميس الحديدي وإبراهيم عيسى، في مايو 2014، حاول المرشح الرئاسي التقريب بين يناير ويونيو، فالأولى كانت انطلاقة للتغيير لكنها انحرفت عن مسارها والثانية جاءت لـ«تصويب المسار».

وقتها قال السيسي ردا على الإعلاميين: «إحنا بنعيش حالة شك في كل حاجة كويسة، وده مش كويس.. يعني هي ماكنش ينفع أبدًا تبقى 25 وجنبها 30؟ مش دي كانت إرادة تغيير من المصريين، وصوبت في 30؟».

بعد شهور من وصوله إلى «الاتحادية» التقى السيسي بعدد من المثقفين والأدباء وفي هذا اللقاء حمل الرئيس الجديد، الرئيس الأسبق الخراب الذي جرى في البلد، كما حمل أيضًا، وبشكل ضمني الثورة التي أكملت على بقيتها «حسنى مبارك منه لله، هو اللى خرب البلد، وكان لازم يمشى من 15 سنة أو أكثر، قبل أن نسقط فى هذا الخراب والانهيار فى كل مؤسسات مصر، وكنت أتمنى أن يترك الحكم بدون ثورة، لأن الثورة للأسف أتت فأكملت على البقية الباقية من مصر». 

ظلت الأمور هكذا لفترة قصيرة، يناير ثورة سعت إلى التغيير لكنها كغيرها من الثورات تسببت في خراب مؤسسات يلزم ترميمها عقود، فضلًا عن أنها انحرفت عن مسارها وجرى اختطافها، فنزل الشعب لتصويب الانحراف في 30 يونيو، وهو ما تكرر في عدد غير قليل من خطاباته.

الدمج أو التوأمة بين «يناير ويونيو» لم يكن هدفه تطمين أنصارهما أو كسب ودهم فقط، بل كانت هناك رسالة إلى الخارج بأن ما جرى في 30 يونيو انتفاضة شعبية وليس انقلابًا عسكريًا كما كان يروج الإخوان وأنصارهم في تلك الفترة.

مع الوقت، ومع إحكام قبضة الرئيس على السلطة ومؤسساتها وإعلامها، تحولت يناير إلى فتنة كان هدفها الإيقاع بين الشرطة والجيش والشعب بهدف القضاء على الدولة «دايمًا كل اللي بيتعمل الهدف منه إنه يحصل انقسام ويحصل اختلاف، وأنا كنت لسه بتكلم قبل ما ندخل على القاعة هنا، بقولهم الإجراءات اللي اتعملت والجهود اللي اتعملت للإيقاع بين الشرطة والجيش في 2011، وبين الجيش وبين الشعب في 2011، وبين الشرطة والشعب في 2011. الهدف من ده دايمًا اللي عايز يقضي على دولة مش ممكن هيقدر يقضي عليها أبدًا، إلا إذا كان يقسّمها، ويخلي أهلها ومؤسساتها تصطدم مع بعضها البعض»، قال السيسي بمناسبة عيد الشرطة عشية الذكرى السادسة للثورة.

ورغم حديث السيسي في اليوم التالي في كلمة متلفزة عن أن ثورة يناير «نقطة تحول في تاريخ مصر»، إلا أن كل الوقائع على الأرض تؤكد أن الرئيس كشف عن مشاعره الحقيقية تجاه الثورة، حتى وصل إلى محطة اعتبارها خديعة سقط فيها الشعب «لما الناس اتحركت في 2011 كان جزء من التوصيف مش حقيقي… والتوصيف لمشكلة مصر خلال الـ30 سنة إللي فاتوا ماكانش حقيقي.. كان خداع.. كان وعي زايف ليكم»، قال السيسي خلال مؤتمر الشباب الثالث المنعقد بالإسماعيلية في أبريل 2017.

أخذت الأمور تتطور، وبعد أن تم كتم أصوات أبنائها بفعل أجواء الخوف التي سادت، صارت «الثورة المجيدة» هي «الشيطان الأعظم» الذي يخشى الرئيس وأجهزته من عودته، ومن هنا بدأت عملية تحميلها كل فشل أو نقيصة بدء من تدهور الاقتصاد وصولا إلى فشل مفاوضات سد النهضة «لو ما كانش 2011 كان هيبقى فيه اتفاق قوي وسهل يراعي مصلحة الطرفين.. لكن لما البلد كشفت ضهرها -وأنا آسف- وعرَّت كتفها.. فأي حاجة تتعمل بقى»، قال السيسي في الذكرى الـ46 لحرب أكتوبر، ملقيا باللوم على ثورة يناير في تمكن إثيوبيا من بناء سد النهضة دون مراعاة مصلحة مصر وأمنها المائي.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يحمل فيها السيسي يناير مسؤولية بناء سد النهضة؛ ففي 14 سبتمبر وخلال مؤتمر الشباب الأخير قال الرئيس «هقولكم على حاجة ليكم يا مصريين جميعًا، هقولكم على غلطة واحدة وتمن دفعناه وهندفعه، وهو 2011.. لم تكن أبدًا تبنى سدود على نهر النيل إلا في 2011».

وتابع في نفس المؤتمر: «الكلام ده في موضوع واحد، عايز منه كتير، طب عندكم السياحة في مصر ما كنتش تضرب أبدًا 3 أو 4 سنين ورا بعض ويتم فقد 70 أو 80 مليار دولار إلا باللي حصل»، محذرًا من تكرار ما جرى مرة أخرى: «أنا بقولكم كلام في منتهى الخطورة، بس بقوله لأن اللي أخطر منه إنكم تكرروه تاني».

بدا مع الأحداث التي جرت في سبتمبر الماضي من تحركات جماهيرية، حتى ولو كانت محدودة، أن الرئيس وأجهزته يخشون من تكرار ما جرى، فالشحن والاحتقان وصلا إلى مرحلة الخطر بحسب كتاب وصحفيين قريبين من دوائر صنع القرار، حاولت السلطة بكل أدواتها إقناع الشعب بأن استدعاء الثورة أو أسبابها أو أهدافها سيؤدي إلى تكرار الخراب الذي حل والذي سينتهي بانهيار الدولة، والبديل الأفضل للجميع المضي قدمًا في عملية إصلاح اقتصادي وسياسي.

ورغم تعالي التحذيرات من تكرار ما جرى قبل 9 سنوات بسبب إخفاقات السلطة في الاقتصاد والسياسة، ورغم المطالبات المتكررة بالشروع في طريق الإصلاح بداية من الإفراج عن المسجونين في قضايا رأي وصولًا إلى إعادة النظر في تعديل دستور 2014، إلا أن السلطة مضت في ذات الطريق دون أن تتوقف لتقيم ما جرى، ظنت أن البالون الذي امتلأ بالغضب جرى تنفيسه بفعل الوقت، أو بفعل رسائل الرئيس التحذيرية، واعتقدت أن خوف الناس من القمع أو من مآلات أي تحرك سيكتمهم إلى الأبد.

يخطئ من يظن أنه سيصل إلى نتيجة مختلفة مع إصراره على تكرار نفس الأخطاء والمضي في ذات الطريق.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ