فرع معهد السينما بالإسكندرية: فرصة لمشهد فني خاص أم إمدادات جديدة للعاصمة؟
 
 
من فيلم نسخة شعبية - إسلام كمال
 

يمكن التأسيس لبدايات المشهد السينمائي بالإسكندرية الآن، أو فيما قد يعرف أحيانًا بتيار السينما المستقلة بالإسكندرية منذ منتصف العقد الفائت تقريبًا، وذلك بانطلاق مدرسة الجيزويت للسينما لأول مرة بالمدينة، والتي بدورها ساهمت في خلق وتنشيط دوائر جديدة من المهتمين بصناعة السينما آنذاك، ليعملوا ومن خلال مجموعة من الصيغ والنماذج المتفاوتة على تحقيق العديد من الإنتاجات السينمائية طوال هذه السنوات، والتي شهدت ذروتها بالطبع في الفترة ما بعد يناير 2011 سواءً بإنتاج فيلم طويل بالكامل «أوضة الفيران» عام 2013 وعرضه تجاريًا، أو حتى من جانب آخر بوصول بعض من هذه الأفلام للعديد من التظاهرات السينمائية الكبرى. 

وإن لم يتمكن المشتغلون بالسينما في الإسكندرية حتى الآن من الاستقرار تمامًا على توجهات جمالية أو إنتاجية مشتركة لتعبر عن تطلعات أو أفكار نوعية فيما يتعلق بعملية صناعة السينما في مصر بوجه عام، إلا أنه تجمعهم بالضرورة عدد من الأنماط والصيغ المتكررة التي تفرضها عديد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية لتحقق نوعًا من الخصوصية لمعظم هذه الإنتاجات. فيغلب الاعتماد على المنح الإنتاجية وأشكال التمويلات الشخصية أو الجماعية والميزانيات المنخفضة في عمليات الإنتاج، والذي يدفع لحد ما نحو نوع من الاقتصاد على مستوى الصورة، واختبار أشكال مختلفة للعمل الجماعي، لتسمح بسعة أكبر وتوفر مساحات أوسع للإنتاج. 

في هذا السياق، جاء قرار وزيرة الثقافة، إيناس عبدالدايم، مؤخرًا بإنشاء فرع جديد لأكاديمية الفنون بالإسكندرية، والقائمة بالفعل منذ العام 1989 عبر عدد من الوحدات الدراسية الأخرى غير السينما، مثل المعهد العالي للموسيقى «الكونسرفاتوار» والمعهد العالي للموسيقى العربية والمعهد العالي للبالية بقرار سابق من فاروق حسني، وزير الثقافة آنذاك، لينبئ بعدد من الفرص والاحتمالات في ظل المشهد المتردد لصناعة السينما بالإسكندرية، والتي اعتمدت لفترات طويلة وبشكل أساسي فقط على خريجي مدرسة الجيزويت للسينما إلى جانب بعض المستقلين ممن لم يلتحقوا بأي دراسة نظامية.

من فيلم أوضة الفيران، أول فيلم سكندري يعرض بشكل تجاري

ويعتبر فرع المعهد الجديد بالإسكندرية هو الأول خارج القاهرة، حيث بدأ معهد السينما نشاطه بشكل فعلي بالقاهرة في أكتوبر 1959 بأهداف معلنة لدعم صناعة السينما في مصر ورفع المستوى الفني لها، وتوجيه الإنتاج بما يتماشى مع السياسات التخطيطية للدولة بذلك الوقت، وهو ما اتضح فيما بعد بشكل أكبر بتأميم صناعة السينما في مصر إثر افتتاح المعهد بأربعة أشهر تقريبًا، وقد تبنى وزير الثقافة حينها ثروت عكاشة عملية إنشائه وكذلك الإشراف على وضع المناهج الدراسية ونظم التدريس مع المخرج محمد كريم أول عميد للمعهد.

ومن المنتظر أن تبدأ عملية الدراسة في المعهد من خلال أربعة أقسام رئيسية فقط هي الإخراج والمونتاج والإنتاج والسيناريو، بقصر الأميرة فائقة أحمد فؤاد التابع لوزارة الثقافة والمقر الحالي لوحدات الأكاديمية بالمدينة على الرغم من تواضع إمكاناته التقنية، وذلك على خلاف ما تردد سابقًا عن تجهيز مقر واستوديوهات جديدة لفروع الأكاديمية بمنطقة برج العرب. 

أكاديمية الفنون بالإسكندرية

وجود فرع للمعهد بالإسكندرية يطرح بالضرورة العديد من التساؤلات فيما يتعلق بإمكانية إتاحة مساحات جديدة للعمل أو خلق سوق أوسع للإنتاج والتوزيع بالمدينة، وكذا في علاقتها بالأشكال الأخرى البديلة لتعليم السينما بالإسكندرية، خاصة وقد تصادف تقارب فترات التقديم في معهد السينما مع التقديم في مدرسة الجيزويت للسينما بعد توقفها لعدة سنوات، وأيضًا الصيغ والنماذج المحتملة للتعاون فيما بين المشتغلين بالسينما في الإسكندرية وخريجي المعهد في المستقبل. لذا تأتي هذه المحاولات لبحث واستقصاء كل الفرص والاحتمالات الممكنة، كجزء عضوي من المساعي المتواصلة لتحقيق مشهد سينمائي متماسك ومستقل نسبيًا عن مركزية الصناعة ودوائر الإنتاج التقليدية بالقاهرة، والوصول لنوع من الخصوصية فيما يختص بالممارسات السينمائية بالمدينة في النهاية. في هذا التقرير نحاول التحدث مع عدد من الفاعلين في المشهد السينمائي السكندري إن جاز التعبير، لنقف ونستطلع تلك الاحتمالات.

النظر إلى الضرورات القريبة

من فيلم نسخة شعبية لإسلام كمال

يثير افتتاح معهد حكومي للسينما بالإسكندرية، مزيدًا من النقاش هنا ما بين المشتغلين بالصناعة، من حيث النظر في ضرورات وجوده لليوم، وقدرته على التأثير والفاعلية في مشهد سينمائي محدود من الأصل كذلك القائم حاليًا. وفي هذا يرى إسلام كمال، مخرج ومونتير سينمائي وأحد مؤسسي ستوديو فيج ليف بالإسكندرية، بأن الأمر ربما به نوايا جيدة نظريًا، لكن الوضع في العالم أصبح أوسع من إنتاج السينما، وأصبح شاملًا إنتاجات أخرى للميديا، وبدخول الإنترنت أصبحت فكرة التعلم أسهل، وأصبح الوصول لمصادر المعرفة عملية ليست صعبة إطلاقًا، لذلك نجد في كل أكاديميات تعليم الفنون في العالم تطورًا رهيبًا في شكل المناهج وطريقة التدريس، بل إن هناك أشكالًا متنوعة ليس بها أطر دراسية ذات حدود فاصلة بين تخصصات فروع صناعة الإنتاج للسينما والقنوات التلفزيونية، ويمكن من خلال متابعتنا للإنتاج التلفزيوني العالمي من خلال المنصات الإلكترونية المتنوعة، NETFLIX كمثال، أن نفهم كيف يفكر العالم في شكل الدراما وشكل الفنون ومصادر التعلم: «تقدر تقول لي كام فيلم بيتم إنتاجه في مصر في السنة الواحدة؟ وإزاي بيتم إنتاج فيلم سينمائي في مصر؟ إيه الضرورة لتخريج دفعات جديدة من المعهد من غير فرص متاحة للعمل، هنا هنلاقي أن وجود المعهد في الإسكندرية بيساعد في زيادة أعداد الخريجين بس وليس زيادة الإنتاج السينمائي».

كذلك يرى أحمد نبيل، صانع أفلام ومدير مدرسة الجيزويت للسينما بالإسكندرية، أن هناك مؤسسات لتعليم صناعة السينما بالإسكندرية منذ سنين ولا تعتمد على المعهد إطلاقًا، وهناك الكثيرون ممكن خرجوا من الإسكندرية وشاركوا في صناعة الفيلم بالقاهرة، فالأزمة ليست أبدًا بالكفاءات أو التدريب:

«هيضطر الطلبة بفرع الإسكندرية في الآخر إنهم يروحوا القاهرة للبحث عن فرص حقيقية، أو أنهم بقى هيحاولوا مع اللي بيحاولوا في إسكندرية ويبدأوا في رؤية العالم بشكل مختلف تمامًا، ولكنها بكل الأحوال رغبة جيدة في وجود طاقة إيجابية ومفيش قرار سياسي ماشي في سكة عكس كده، فلا يمكن لأي شخص في النهاية أنه يكون ضد مؤسسة تقوم بتعليم الفنون مهما كانت جودتها».

ويستكمل: «السؤال الأهم النهاردة هو النظر في كيفية تعليم الفن من الأساس، فيه فارق كبير يمكن ملاحظته في جودة الفيلم، ما بين أفلام معهد السينما والأفلام المستقلة اللي بيصنعها شباب درس في مؤسسات خارج معهد السينما، معاهد الفنون في مصر دلوقتي مش قادرة تخرج شباب يقدر يستوعب الموقف، بس كمان منقدرش نقف ضد أي بقعة ضوء بتفتح آفاق جديدة».

من فيلم ألبان وادي النيل لمحمد الحديدي

في المقابل ينظر وجيه اللقاني، مبرمج ومنتج سينمائي، إلى الأمر باعتباره خطوة جيدة لاستثمار المواهب والشغل وقتل فكرة المركزية وإتاحة الفرصة لتعلم السينما بشكل أكاديمي، وذلك بجانب التعلم بشكل مستقل في مؤسسات مثل الجيزويت وغيرها:

«الفرص قليلة جدًا على مستوى العمل بالسينما في اسكندرية، إحنا [سكان الإسكندرية] 6 مليون مواطن تقريبًا، وعشان كده عايز أقول إن تعليم السينما بشكل مستقل في اسكندرية خلق مشهد سينمائي للشباب قبل دخول معهد السينما، والمشهد دا هنلاقي إرهاصاته الأولى في مدرسة الجيزويت للسينما وكمان في ورشة سيني دلتا، ودا بالاعتماد على شقين في التعليم وهما تعليم الثقافة السينمائية وتعليم صناعة السينما كفن، بجانب طبعًا وجود استديوهات زي فيج ليف وروفيز ساعدت على استيعاب المحبين والعاملين في صناعة السينما هنا، عشان كدة أنا بشوف إن المعهد هيوفر فرص جديدة لاسكندرية، وكذلك محافظات الدلتا ومطروح، واتمنى إني أشوف التجربة دي بتتكرر في كل محافظات مصر، كأن يفتح المعهد فرع في الصعيد، وفرع تاني علشان يغطي مدن القناة، وفرع لخدمة أهالي منطقة سيناء، بكده يكون المعهد غطى بؤر إقليمية على مجال واسع، ودا هينتج عنه نوع من الانتعاش في الصناعة».

وكان معهد السينما قد شهد انتقادات عديدة طوال السنوات السابقة نظرًا لضعف المستوى الأكاديمي الذي يطرحه، وعدم قدرة مناهجه على استيعاب التطورات اللاحقة في صناعة السينما، وما ترتب عليه من فقدانه تقريبًا لأي فاعلية أو تأثير حقيقي في المشهد السينمائي بمصر لفترة طويلة.

ويعقب أحمد الغنيمي، مخرج سينمائي، بأن معاهد السينما حول العالم اليوم لا تعمل كمؤسسات تعليمية فقط لكن كمؤسسات للتواصل والتشبيك بالأساس، فالأهداف الرئيسية لأية مؤسسة تعليمية لصناعة السينما اليوم لا ترتكز بشكل أساسي على عملية التعليم الأكاديمي في حد ذاتها فقط، إنما على إدماج المتعلمين في دوائر الصناعة وسوق الإنتاج بصورة أكبر وهو الشرط أو الوظيفة التي يجب أن يقوم بها أي معهد أو مؤسسة لتعليم السينما حيال المدينة التي يقع فيها:

«أنا بس بحاول أتصور وأفكر شوية المعهد ممكن يـ function في اسكندرية بالشكل دا على أساس إيه، وإيه مدى قابلية الكلام دا للتطبيق أصلًا طالما مفيش سوق من الأول، يعني ممكن الطالب يدفع عشرين ألف جنيه علشان في الآخر برضو يروح يشتغل فوكس بولر أو مساعد مخرج في القاهرة».

من فيلم بحري لأحمد الغنيمي

ويعمل معهد السينما في مصر وفقًا لأكثر من نظام دراسي، النظام العادي للطلبة من خريجي الثانوية العامة برسوم الالتحاق العادية للجامعات المصرية، والآخر هو النظام الموازي، أشبه بنظام الجامعات الخاصة، للطلاب غير المطابقين لشروط السن أو المؤهل بمصروفات دراسية كاملة، وهو ما يتيح مرونة أكبر في شروط الالتحاق وأعداد المقبولين، طبقًا لصفحة المعهد على فيسبوك.

تعتقد هند بكر، مخرجة سينمائية وأحد مؤسسي ستوديو روفيز، بأن وجود معهد لتعليم السينما بالإسكندرية هو نظريًا شيء إيجابي تمامًا، حيث أن أغلب المشتغلين بالمشهد السينمائي بالإسكندرية يعتمدون على المجهودات الذاتية فقط «لكن عشان المعهد دا يقدر ينجح ويكمل فضروري إنه يستعين بأشخاص على وعي بالسياقات السينمائية في إسكندرية عشان يقوموا هم بالتدريس في المعهد، ويكونوا في نفس الوقت على دراية بالمشهد السينمائي من حواليهم. كمان شيء مهم جدًا إن المعهد يراعي الأمور المتعلقة بجغرافية وخصوصية المكان الجديد ومنطق التفكير فيه، فلابد من دراسة طبيعة المكان وطبيعة البشر هناك عشان في الآخر ميخرجش منفصل عن الواقع ومن غير أي تأثير حقيقي عليه».

من فيلم النسور الصغيرة لمحمد رشاد

بينما يضيف محمد رشاد، مخرج ومنتج سينمائي، بأن كثافة الاهتمام بتعلم السينما بشكل أكاديمي قلت مع وجود مصادر أخرى ومتنوعة للتعلم اليوم، كما أن جمهور معهد السينما ليسوا هم نفسهم جمهور المؤسسات الأخرى التي تقدم مسارات بديلة في التعليم كالجيزويت مثلًا، فجمهور المعهد الأكبر في النهاية هم طلاب الثانوية العامة الذين يشكلون قاعدة واسعة وغير محددة، بينما طلاب الجيزويت يمثلون فئات متنوعة على مستوى أكبر سواءً عمريًا أو معرفيًا كذلك.

 محاولة لاستجلاء المستقبل

على جانب آخر، يعوّل البعض على دخول معهد السينما إلى المشهد بالإسكندرية في إتاحة فرص ومساحات جديدة للعمل والممارسة، بشكل يحقق نوعًا من الحركة أو الزخم، والتي قد تدفع بعض المستثمرين أو شركات الإنتاج إلى الانخراط في عملية الصناعة بالمدينة، وخلق سوق ودورة مستقلة للإنتاج والتوزيع بعيدًا عن المركزية أو دوائر التمويل التقليدية الأخرى. 

في هذا، يعتقد محمد صلاح، مخرج ومونتير سينمائي، أن هناك دومًا حد أدنى من ضخ التمويلات للسوق سواء كان بالأفلام التجارية أو في الأفلام المستقلة، هو الذي تقوم عليه الصناعة في النهاية، وهو الذي يؤدي لوجود سوق للسينما بأي مكان. ومهما كانت جودة التعليم بالمعهد أو بأي مؤسسة أخرى فلن تقوم صناعة فقط وفقًا لهذا الشرط، فمنحة البلازا، التي كانت تقدمها مكتبة الإسكندرية في السابق، دفعت نوعًا ما تجاه تحريك سوق الإنتاج وتنشيط عملية الصناعة بالمدينة نسبيًا: «معتقدش إن وجود المعهد بس، ولو على مدى متوسط أو طويل، هيحرض أي شركات إنتاج إنها تيجي إسكندرية أو تفكر في ضخ استثمارات في الصناعة دي أبدًا، مفيش شركة إنتاج ممكن تتحرك علشان مخرج أو مونتير في منطقة ما. بس أظن مثلًا أن محاولة زي تجربة الفنان نور الشريف وأحمد متولي لإنشاء بلاتوهات في برج العرب، كانت محاولة فيها طموح كبير، ويمكن كانت تقدر أنها تفتح مساحات جديدة للصناعة بجد، بس هي لسه لحد النهارده تقريبًا مقفولة بسبب مشاكل مع المحافظة».

بينما تعتقد مي زايد، مخرجة وأحد مؤسسي ستوديو روفيز، بأنه ربما كان وجود عدد من الأقسام العملية والتطبيقية الأخرى كالصوت والتصوير وهندسة المناظر سيمثل إضافة حقيقية أكبر على مستوى الصناعة بالإسكندرية، لأنها بالفعل الأدوار التي يمكن أن تشكل أثرًا أو فارقًا حقيقيًا في جودة الإنتاج، وبالتالي في عملية الصناعة ككل على المدى الطويل. فهناك دومًا الكثير من المخرجين، والذين يمكن أن يكونوا متميزين بالفعل وكذلك كتاب السيناريو أيضًا، إنما هذه ليست هي الأدوار التي يمكن أن تدفع المنتج لأن يتوجه للاستثمار في مكان جديد بالنهاية، بينما في المقابل، وجود الفنيين والعمال المسؤولين عن الإضاءة والإنتاج وغيرها من العمليات يمكن أن يدفع باتجاه تطور الصناعة بشكل حقيقي.

من فيلم ذاكرة عباد الشمس مي زايد

ومن ثم تقول: «أعتقد أنه لو مكانش في إنتاج في إسكندرية أصلًا، ولو بشكل محدود، مكانش المعهد عمره هيفكر إنه يفتح فرع جديد له هنا دلوقتي، لكن المشكلة الأكبر هي جودة اللي ممكن المعهد يقدمه في الوقت دا، فالسينما عادةً هي صناعة فاتنة جدًا من بعيد، ويبدو بأنها تقدم كتير من الوعود حوالين اللي ممكن تحققه، في حين أن الواقع غالبًا بيكون مختلف بشكل كبير».

قد يدفع افتتاح المعهد في الإسكندرية بالفعل إلى محاولة التفكير في الشروط التي قد يتطلبها وجود سوق للإنتاج والتوزيع بمكان ما، كذلك المعايير الافتراضية التي يمكن أن تقوم عليها هذه العمليات، ومدى قدرة القاعدة الجديدة من المشتغلين على تحقيق هذه المعايير وخلق صيغ إنتاجية مناسبة وفقًا لسياقات العمل الممكنة. 

ووفقًا لهذا، يرى أحمد الغنيمي بأن جميع العاملين بصناعة السينما في الإسكندرية يتعاملون معها فقط باعتبارها مجرد موقع للتصوير لا أكثر، وكل محاولات العمل حتى اليوم لا تحكمها أي علاقات حقيقية للإنتاج، بحيث تسمح بتحقيق نوع من الاتصال أو الترابط مع الجمهور تبعًا لخصوصيته بما قد يتيح تسويق المنتج في النهاية على هذا الأساس.

بينما يقول أحمد نبيل: «مفيش سوق في اسكندرية لأنه مفيش صناعة سينما بالمدينة من الأصل، فالعلاقات المركزية بتقوم بالأساس على المال والقرار السياسي، وكل القرارات والأموال دي موجودة في العاصمة، علشان كدة مفتكرش أن معهد السينما ممكن يفتح مجال للصناعة في اسكندرية إلا لو حصل تحول في المركزية، وفي البيانات الخاصة بالسوق وعوامل التحكم فيه».

في المقابل يعتقد محمد صلاح بإمكانية تحقيق أنماط مختلفة من السينما الشعبية والتجارية تمامًا بذات الوقت داخل نفس البلد، فيما تحقق سابقًا بتجارب أخرى مثل سينما نيويورك في مقابل هوليوود بأمريكا، وسينما البنغال في مقابل بوليود في الهند، والتي تحقق بذات الوقت جميع شروط الصناعة إلى جانب الحفاظ على خصوصياتها الفنية والنوعية، وهو ما يتطلب كذلك وجود معاهد ومدارس للسينما لتعبر عن هذه التوجهات المختلفة بنفس البلد، ما قد يمثل فرصة لمعهد السينما بالإسكندرية حال تمكن من استغلالها. 

يطرح محمد رشاد كذلك نقطة أخرى تتعلق بعملية التراكم ليقول: «في كل التجارب اللي قبل كدة كانت التراكمات دايمًا هي التي بتؤدي لأي تغيير إنه يحصل في النهاية. سواء بقى من أول مدرسة الجيزويت اللي ساهمت بشكل كبير في تشكيل مشهد سينمائي في اسكندرية، كمان قدوم إبراهيم البطوط وأحمد عبدالله السيد واستعانتهم بناس من اللي شغالين في الوسط في اسكندرية وقتها ساعد إنه يحصل نقلة أو تطور على أي حال، ودا أتاح فرص للعديد من المهتمين بالسينما للاحتكاك بالصناعة وعملية الإنتاج، علشان دلوقتي يبقى في مثلًا مخرجين زي مروان عمارة وأيتن أمين بيجوا اسكندرية ويعملوا أفلامهم بفريق من اسكندرية بالكامل، أعتقد دا نوع التطور اللي لازم نتكلم عنه».

وهو ما يدفع الغنيمي أيضًا للنظر بذات الموضوع: «من ناحية تانية، خلينا نفكر في التراكم اللي ممكن يحصل بسبب وجود المعهد، ففي إطار زمني معين لا بد أن نسبة من خريجي المعهد على الأٌقل هيتحمسوا إنهم يعملوا أفلامهم الشخصية، مش ممكن واحد منهم في لحظة ما يقرر الاستثمار بأحد المعدات التقيلة، وقتها هيضطر أكيد إنه يعلم فنيين علشان التشغيل والصيانة، ومش ممكن دا يؤدي على مدى زمني طويل لبناء فرق للعمل والإنتاج، ويبقى في وقتها فرص أكبر للتنوع والاختيار، أو إن المعهد نفسه مثلًا يقرر بلحظة ما كده الاستثمار في المعدات دي وتأهيل الفنيين عليها، مش دا ممكن يؤدي لانتعاش في الصناعة ولو بشكل نسبي حتى».

فيما يقترح وجيه اللقاني أن تبدأ مجموعات الطلبة التي ستلتحق بالدراسة في فرع الإسكندرية في تأسيس استوديو خاص بهم في المدينة، حيث أن ذلك سيكون مكسب كبير للغاية على الجميع وسيعمل على تنشيط الصناعة وعمليات الإنتاج، ولكن قبل هذا يجب أن تزيد الأقسام في الأعوام القادمة بالمعهد حتى يتحقق التعاون بين كل الأقسام.

مسارات متفاوتة

أحد الأبعاد الهامة للتعاطي مع فكرة دخول المعهد للإسكندرية، هي محاولة التأمل في قدرة الكيانات والمؤسسات الرسمية التأثير في شكل العلاقات التنظيمية داخل المشهد السينمائي، من حيث التفاعل ما بين طلاب المعهد وطلاب مدارس وورش السينما الأخرى غير الرسمية، وأيضًا المعايير والتصورات التي يحملها كلًا منهم عن شكل الصناعة ومستويات الجودة بطبيعة تكوينهم في النهاية.

هنا، يقول أحمد نبيل: «ما أظنش إن دراسة أي شخص في المعهد هتأثر على صانعي السينما الآخرين في اسكندرية، لأن المشهدين متكاملين وليسا في تناقض، أقصد المشهد الرسمي والمشهد المستقل، وأظن بأنه هيكون في تأثير إيجابي ومساحة أكبر للحرية في قضية التصوير في الشارع، لأن وجود المعهد هيدي حرية للطلبة وغير الطلبة في إنهم يصوروا في الشارع بدون مضايقات، أو أنا شخصيًا أتمني كده».

تضيف هند بكر أيضًا بأن المعهد سيسهم في إثراء المشهد من عدة مناحي، إذ يفترض أن يوفر قاعدة نظرية للعاملين، بجانب تعزيز الاختيارات المتاحة أمام الصناع في مرحلة العمل وزيادة حجمها وتنوعها بشكل كبير. إلا أن ذلك يعتمد بنسبة لا بأس بها على قدرة المعهد على تلافي الأخطاء والمشاكل الموجودة بالقاهرة حتى يصبح قادرًا على التأثير فعلًا في المشهد الثقافي السكندري، وخلق حركة تفعل السوق والصناعة بالمدينة.

وتستكمل: «إلا أنه في النهاية يبدو إن المعهد هيكمل بنفس الطريقة القديمة مش أكتر، فالأقسام الأربعة التي هيبدأ بيها الدراسة مثلًا كلها أقسام نظرية مش بتشكل تأثير كبير للدرجة، بما يعني أن الطالب بالمعهد هيضطر للاستعانة في الأخر بعناصر تانية من خارج المعهد مثلًا لإنجاز مشاريع التخرج فيما يتعلق بالتصوير وتسجيل الصوت والديكور على سبيل المثال، عشان  يخرج غالبًا بمعرفة منقوصة مش هتساعده على إنتاج شيء جديد أو مختلف».

الأخ فايز سعد اليسوعي – مؤسس مدرسة الجيزويت

وتنشط بالإسكندرية عدد من المؤسسات المستقلة والورش الفنية التي تعمل على دعم صناعة السينما بالمدينة منذ عدة سنوات، مثل مدرسة الجيزويت للسينما بمركز الجيزويت الثقافي، والتي تعد بمثابة أول مدرسة للسينما تقوم خارج المعهد بشكل منتظم تقريبًا، وكذلك ورشة سيني دلتا للسينما الوثائقية، بالتعاون ما بين استوديو فيج ليف ومؤسسة ريتشيركا كوبيراتسيوني الإيطالية، بالإضافة لمجموعة من الورش الفنية الأخرى.

وفي هذا يقول إسلام كمال، خريج الدفعة الأولى من مدرسة الجيزويت أيضًا: «مدرسة الجزويت للسينما فتحت لأول مرة سنة 2003 وبدأت بدوافع فنية بحتة أساسها حب السينما والشغف المرتبط بيها ومكانش في ذهننا وقتها فكرة العمل في السينما أو أي شيء غير حبنا الحقيقي للسينما والفن وكان المونتاج الديجيتال جديد بالنسبة لمصر، التطور اللي أسهم فى توفر أدوات الإنتاج محدود التكلفة».

اعلان
 
 
محمد أمين