كتب للأطفال يقرأها الكبار| 2- «الأمير الصغير» لأنطوان دو سانت إكزوبيري
 
 

في مقهى أرنولد بنيويورك، أثناء وجبة غداء عام 1942، سأل يوجين رينال- الناشر الأمريكي: «مَن هذا؟». لم ينتبه أنطوان دو سانت إكزوبيري للسؤال في البداية، ولكنه لمح عينيّ يوجين مستقرةً عليه، فقال: «لا أعلم، ولكن هذا الفتى الصغير ذو الوشاح يطارد خيالي منذ ست سنوات».

– أراك ترسمه كثيرًا.

– نعم، فهذا الصبي يُريد الخروج.

في السادس من أبريل 1943 صدر كتاب «الأمير الصغير» لإكزوبيري عن دار «رينال أند هيتشكوك» الأمريكية، بعد مرور أكثر من ستةِ أشهر على اقتراح رينال بأن يُحرر أنطوان الصبي الذي يرسمه بجعلهِ بطلًا لقصةٍ للأطفال تُعرض في واجهات المكتبات في أعياد الميلاد.

ما حققته الرواية من نجاح، الذي لم يكن كاتبها موجودًا ليشهده، لم يكن ضمن توقعاته؛ حيث تجاوزت مبيعاتها 185 مليون نسخة، وطبعتها 1300 دار نشر من مُختلَف أنحاء العالم، وتُرجمت إلى نحو 270 لغة، وتتصدر إلى يومنا هذا قائمة الكتب الفرنسية الأعلى مبيعًا في العالم، بعد أن نُشرت في فرنسا في أبريل 1946.

نُقلت الرواية إلى المسرح، وتحولت إلى عدد من أفلام الكارتون. وتناولتها العديد من الدراسات والتحليلات النقدية، لشرح فلسفتها والبحث في جمالياتها وأفكارها. كما حولت مؤسسة «أنطوان دي سانت إكزوبيري» في عام 2013، رسوم القصة إلى صور ثلاثية الأبعاد، وترجمت النَص إلى طريقة «بريل» كي يتمكّن فاقدي البصر من قراءته، احتفالًا بالعام السبعين للكتاب الذي يُدِرّ عليها ملايين الدولارات سنويًا.

تقترب تقييمات الكتاب على موقع «جود ريدز» إلى مليون ومائة ألف تقييم، فقد استطاع جذب القرّاء من مختلف الأعمار والثقافات والبيئات طوال العقود السبعة الماضية. وربما يَكمُن نجاحه في عالمية فكرته، ونضارة روحه، ولغته التي تواكب كل الأزمنة.

يقول عمرو عبد الكريم، في العقد الثالث من عمره، بعد أن أعطى الرواية خمسة نجوم: «لا أتوقف عن النظر إليه كل فترة، أو شرائه أو إهدائه، ربما لأنه الأكثر براءة، والرمز الأبدي للأيام الخوالي». وتصفها نشوى عبد المقصود، 31 سنة، بالرقةِ، وتتساءل «كيف نهتم بأشياءٍ تافهةٍ ونتناسى المُهم، كالذي يوجد بداخل هذه القصة من مشاهد، تمر علينا مرور الكرام نحن الكبار؟». كما تتمنى الكاتبة الكويتية بثينة العيسى، أن نعود أطفالًا مع هذا الكتاب، وتقول: «يندرُ أن أُقبّل كُتبي- إذ يجب التَحفُّظ قليلًا مع هذه الكائنات- ولكنني قبَّلتُ هذا الأمير الصغير، وردته ونجمته وبراكينه الخامدة، قبلّتُه في قلبه». ويقول أحمد الديب (في العقد الثالث من العمر): «يقولون إنه من كُتب الأطفال، وأظن أن من يعتقد ذلك عَجَز عن فهم الكتاب. إنما هو حُلمٌ عجيب لطفل كبير حكيم. حلمٌ يبحث في دهشةٍ عن حقيقةِ هذا العالم، ويسخر من شوائبه الزائلة، وممن يعتقد أنه نضج وفَهِم الأمور جيدًا».

ما وراء الرحلة

في حبكة الرواية، يظهر الأمير الصغير لإكزوبيري عندما تعطلت طائرته في صحراء إفريقيا، يطالبه برسم خروف ويحاصره بالأسئلة الطفولية التي لا يقبل لها إلا إجاباتٍ وافية. ويتضح أنه قد أتى من الكويكب بي-612، الذي تركه لكثرة متاعبه مع أهم ما يملك، وهي زهرته الفريدة، عندما لم يكن مستعدًا لها، «فهو صغيرٌ ولا يعرف كيف يحُب الأزهار بعد»، كما يَصِف الكاتب.

يبدأ في سرد حكايته منذ خروجه حتى وصل إلى الأرض. وهنا يسخر الكاتب من عالم البشر عبر أفكار ورحلات الأمير بين الكواكب؛ من الملك الذي يظن أن كل الناس رعاياه وعبيده، وحتى النجوم عليها واجب الطاعة. والرجل المغرور الذي يبحث عن معجبين له، ولا ينتظر إلا التصفيق والإطراء. ومدمن الخمر، الذي يشرب لينسى خجله من شربه للخمر. ورجل الأعمال المُنهمِك في عدّ نجوم السماء، التي يظنها في حيازته ومن حقه، وأنها ستجعله غنيًا ذات يوم. والجغرافي الذي لا يعرف شيئًا عن التضاريس، لأنه يعتمد على ما يرويه المستكشفون عند مرورهم على كوكبه، وهكذا فإنه قد يسجل جبلين مكان جبل واحد، لو مَرّ عليه مستكشفٌ ثَمِل.

في محطة الأمير الأخيرة تعَجَّب من اتساع مساحة الأرض وقلة سكانها، وهنا يتهكم بطل الرواية من أهلها الذين يعبدون الأرقام ويتصورون أنهم بحاجة إلى السكن في كواكب أخرى لأنهم يشغلون مساحة هائلة. ولا يصدقون إن قلتَ لهم أنه بالإمكان تكديس سكان الأرض في جزيرة صغيرة من جزر المحيط الهادي، وبأنهم لا يشغلون أكثر من «ساحة عامة طولُها عشرون ميلاً وعرضها عشرون ميلاً»، حال وقوفهم مجتمعين، وذلك لأن إحساسهم بالغرور، وحُب التملك، يُصوِّر لهم دومًا أن مساحة الكوكب لا تكفي.

هذه الرحلة هي زاويةٌ أخرى نرى من خلالها العالم وأنفسنا، متسائلين عن معنى الحياة، وإلى أي مدى متأكدين من منطقنا وحكمة أفكارنا وما وصلنا إليه من قناعاتٍ نتشبث بها ولا نتخلى عنها. وبالرغم من خيالية الرواية، إلا أنه يمكن إسقاط الشخصيات التي مر بها الأمير في كل كوكب على نماذجٍ من حياتنا الواقعية، بل قد نكون نحن تلك الشخصيات.   

التحليق بالقلم

لا يفهم الكِبار لغة وأفكار وأحلام الصغار، وغالبًا يفسرون الأمور بمنطق مختلف يتصادم مع عوالم الطفولة الرقيقة. يحكي أكزوبيري أنه في السادسة من عمره رسم صورة ثعبان «بوا» يبتلع فيلاً، استوحاها من قراءاته لكتاب عن الغابة البدائية، لكن لم يرها أحد من الكبار إلا قبعة رأس، وقد أثار هذا خيبة أمله، ما اضطره لترك الرسم، والتحليق بعيدًا عن سوء الفهم والإحباط، فاختار أن يصبح طيارًا.

انتقل الكاتب مباشرةً من حياته كطفلٍ في السادسة إلى حياته كطيار ولم يُشِرْ إلى ما بين ذلك، ليمنح أجواء حكايته نقاءً خالصًا، مُحافظًا فيها على روح الطفولة التي هي القدرة على الحفاظ على نضارةِ أرواحنا وأسئلتنا ودهشتنا بما حولنا، وتكون الطائرة مجرد وسيلة لوجوده في مكان يحقق له حرية الحلم والتحليق بعيدًا عن تدخلات الكبار المفسدة للمُخيّلات الخصبة، فالأمير الصغير، هو مرآة للطفل الرسام/ الطيّار، الذي يعرف أن الكبار لا يصدقون الأشياء بسهولة، ويميلون دائماً للتفكير في الحقائق والأرقام التي يُسيّرون بها حياتهم.

يُصاحب فصول الرواية الـ 28، رسومات المؤلف نفسه التي ظل يرسمها للأمير وتفاصيل حكايته على أغطية الطاولات والمناديل والأوراق. نقلها وأضاف المزيد إلى صفحات كتابه، لتأتي مُعبّرةً ببساطةٍ وبراءة عن البساطةِ والبراءة. تُجمّل الصورة وتُكملها، وتسمح لخيال القارئ أن يجمح.

جاءت من الحياة

«من طفولته استوحى تفاصيل الرواية»، هذا ما يظنه جون بيير جينو، المتخصص في أدب سانت إكزوبيري. ويؤكد آلان فيركوندوليه، في كتابه «القصة الحقيقية لرواية الأمير الصغير»، أن الشخصيات الواردة في القصة مأخوذة من حياة المؤلف الشخصية؛ فالثعلب كان قد رآه أثناء طيرانه ذات يوم في الصحراء الموريتانية، وأشجار الباوباب الضخمة لمحها من سماء السنغال، أما الوردة، فتشير دلائل كثيرة إلى أنها ليست سوى زوجته كونسويلو. كما يسلط الضوء على الدور المحوري لزوجته وحضورها الواضح في ثنايا الرواية.

وكما حدث مع بطل الرواية، كانت قد سقطت طائرة أنطوان في صحراء ليبيا في إحدى رحلاته عام 1935، وظل عالقًا فيها إلى أن أخرجه بدوّي عن طريق الصدفة، وحينها قال عبارته الشهيرة: «الغرق في وسط المحيط أهون من الغرقِ في هذه الصحراء». ربما ظل حبيس هذه الحادثة فاستوحى منها أحداث قصته.  

فلسفة الثعلب

أحد ركائز الرواية، ذلك الجزء الخاص بصداقة الأمير مع ثعلب يطلب منه أن يروّضه كي يصبحا فريدين في عالمٍ متشابه، فيقول الثعلب: «إنك بالنسبةِ لي صبيًا صغيرًا يشبه آلاف الأطفال، وما أنا بالنسبة إليك إلا ثعلبًا أشبه آلاف الثعالب، ولكن إذا ما روضتني فسنحتاج إلى بعضنا. ستكون في نظري الأوحد في العالم، وسأكون في نظرك الأوحد في العالم». مُشيرًا إلى عدم اهتمام البشر بالصداقةِ والألفة فيما بينهم، واهتمامهم فقط بشراء ما هو جاهز ولأنه «لا يوجد تُجار يبيعون الأصدقاء، لم يعد للناس أصدقاء».

يفهم الأمير حكمة الثعلب الذي يُهديها له في عبارة «لا نُبصر جيدًا إلا بالقلب، والشيء المهم لا تراه الأعين»، وينقلها لصديقه الطيار حين يقول له: «إذا أحببت زهرةً توجد في نجمةٍ، يُصبح النظر إلى السماءِ لطيفًا أثناء الليل. تكون كل النجوم مزهرة».

من المنفى إلى أرض الحرب

يُقدم الكاتب اعتذارًا للأطفال في إهدائه، لأنه أهداه لشخصٍ من عالم الكِبار، مبررًا أن كل البالغين سبق وأن كانوا أطفالًا، رغم أن قلةً منهم تتذكر هذا، ولأن الشخص المَعنِيّ بالإهداء يقطن بفرنسا مُحاصرًا بالجوع والبرد وويلات الحرب.

أراد أكزوبيري أن يخرج من منفاه في نيويورك، بينما وطنه فرنسا مُحتل من ألمانيا أثناء الحرب العالمية الثانية، فلم يجد سبيلًا غير رسم صبي أشقر الشعر وذو وشاح أخضر يؤنس وحدته، ويضيء ظلمة روحه، وأن يبحر في عالم هذا الأمير محاولًا النجاة بنفسه من سوداوية الواقع.

إلى النجوم

يُقرر الأمير الصغير التحرر من جسده بلدغة ثعبان، بعد أن ازداد شعوره بالاغتراب في عالم البشر، فأراد العودة إلى كوكبه البعيد بهذه الطريقة لأن جسده ثقيل. كان وداعًا هادئًا مغزولًا بحُزنِ الفراق بين الطيار وصديقه الأمير، فيقول الأمير: «حينما تنظر إلى السماء ليلًا، وبما أنني سأسكن في إحدى هذه النجوم، وبما أنني سأضحك فوق واحدةٍ منها، حينئذ سيكون الأمر بالنسبة لك كما لو أنّ النجوم جميعها تضحك. سَيكون لديك أنت نجوم تحسن الضحك». يصف أكزوبيري لحظة رحيله الهادئة: «لم يصرخ. سقط ببطء مثلما تسقط شجرة. لم يُحدِث سقوطه جلبة بسبب الرمل».

من المفارقات الغريبة، أنه في إحدى مهماته الاستطلاعية عام 1944، أقلع في الثامنةِ والنصف من صباحِ يوم 31 يوليو، لكنه لم يعُد. ظل اختفاؤه لغزًا إلى أن عُثِر على رُفاته عام 1988 على الساحل الفرنسي، بالقرب من مدينة مرسيليا. ويُرجِع البعض اختفاءه إلى أن القوات الألمانية اعترضت طائرته وأسقطتها في البحر، لتتحقق أمنيته ويسقط في المحيط لا في الصحراء. وكأنما أراد هو أيضًا أن يتحرر من جسده كما فعل الأمير الصغير، ويجعلنا كلما نظرنا إلى طفل، أو طائرة، أو ثعلب، أو غير ذلك مما ينتمي إلى عالم أكزوبيري، نبتسم ونرى في خيالنا طفلًا في السادسةِ من عمره يعرض علينا بلهفةٍ رسمةً لحَيّةِ «بوا» تبتلع فيلًا.

اعلان
 
 
محمد سمير مصباح