ما الذي تخبرنا به مظاهرات سبتمبر عن هشاشة مؤشرات الاقتصاد؟
 
 

أصدر صندوق النقد الدولي مراجعته الخامسة والأخيرة قبل أسبوعين لبرنامج اﻹصلاح الاقتصادي في مصر، والذي شمل حزمة من الإجراءات دعا إليها الصندوق مقابل حصول مصر على قرض قيمته 12 مليار دولار في 2016. لم تختلف هذه المراجعة عن سابقاتها، باستثناء عقد مقارنة بين الوضع الاقتصادي قُبيل الشروع في تطبيق البرنامج في منتصف 2016، وبين ما آلت إليه الأمور على مستوى أرقام مؤشرات الاقتصاد الكلي.

أشار الصندوق إلى تحسن معدلات النمو بالناتج المحلي الإجمالي، وازدهار قطاعات الطاقة والسياحة واﻹنشاءات، وانخفاض معدل البطالة.

كما أشار كذلك إلى تراجع معدلات التضخم إلى أرقام فردية، وتحسن مؤشر العجز الكلي، وتمكن الحكومة من تحقيق فائض أولي في الموازنتين اﻷخريين، وهو اﻷمر الذي لم يحدث منذ 15 عامًا.

لكن هذا التحسن لم يصمد أمام أول تهديد، مع بداية بعض التظاهرات التي شهدتها مصر في 20 سبتمبر الماضي، وغياب اليقين عما قد تسفر عنه أو تتطور إليه. في أول جلسة تداول عقب المظاهرات، تلقت البورصة ضربة عنيفة حيث هبط المؤشر الرئيسي بنسبة 5.3%، وهي ثامن أكبر خسارة للبورصة منذ 2010. وحذرت عدة تقارير من وحدات بحث اقتصادي مما وقع من احتجاجات وكونها مرجحة للزيادة وما قد تتسبب فيه من تراجع في «التحسن» الاقتصادي الذي تشهده مصر.

هذه المفارقة بين تحسن المؤشرات والعرضة للانهيار المُفاجئ تشير إلى هشاشة تلك المؤشرات التي تعتمد عليها الحكومة ﻹثبات نجاح خطتها. بحسب باحثين، يعبّر الانهيار الذي شهدته البورصة، والتهديد الذي أشارت له مراكز اﻷبحاث، عن نقطة ضعف أساسية في خطة اﻹصلاح الاقتصادي. تمكنت الحكومة من تحسين عدد من المؤشرات دون الالتفات إلى ما تعنيه هذه المؤشرات على النشاط الاقتصادي للقاعدة العريضة من المواطنين. هذا الانفصال سمح للحكومة بتسويق نجاحها، لكنه كذلك سمح ﻷي هزة صغيرة بأن تضع هذه المؤشرات في مهب الريح.

بحسب مراجعة الصندوق، تحسن مؤشر العجز الكلي مستقرًا عند مستوى 8.2% مقارنة بنحو 11.4% في العام المالي السابق على بداية الإصلاح. تحسن الأداء المالي ألقى بظلاله على الميزان الأولي، إذ تحوّل من العجز إلى تحقيق فائض بدءًا من 2017-2018، ثم قفز في العام المالي المنصرم بنسبة 2% من الناتج الإجمالي بقيمة 104 مليار جنيه. ويقيس مؤشر الميزان اﻷولي، إما بالعجز أو الفائض، الفارق بين الإيرادات والمصروفات مستبعدًا بند خدمة الدين، الذي يلتهم نحو ثلث الموازنة العامة.

كما انخفضت معدلات البطالة إلى 8.1% بنهاية الربع الأول في 2019، محققًا بذلك الانخفاض الأكبر في معدلات البطالة خلال العقد الحالي.

ووصل معدل النمو بالناتج المحلي الإجمالي إلى مستوى 5.5% بنهاية يوليو 2019 مقارنة بمعدل 4.3% في العام 2015/2016، وهو المعدل الأسرع نموًا على مستوى دول الشرق الأوسط، والثالث عالميًا بعد الصين والهند. القطاعات التي كانت بمثابة قاطرة لهذا النمو هي قطاعات الطاقة، وتحديدًا الغاز والبترول -استحوذا على ثلثي التدفقات الاستثمارية خلال 2019/2018- كما قطاع الإنشاءات والسياحة.

يوضح عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأمريكية، أن مثل هذه القطاعات -البترول والغاز- تقوم في الأساس على عنصري رأس المال والتكنولوجيا ما يعني اعتمادًا أقل على العمالة. لكن الأمر لا يتوقف عند معيار كثافة التشغيل لدى القطاعات الاقتصادية؛ إذ يوضح عادلي أن قطاع التشييد والبناء يولد الكثير من الوظائف، لكنها وظائف منخفضة الإنتاجية، تتطلب مهارات متواضعة، الأمر الذي يجعلها تنتهي بتقديم أجور زهيدة. يسحب عادلي هذا التفسير أيضًا على قطاع السياحة.

يمكن ملاحظة هذا عند النظر في تغيّر معدل البطالة خلال اﻷعوام الماضية. انخفض معدل البطالة من 12.8% في عام 2015 إلى 8.1% بنهاية الربع اﻷول من العام الجاري.

لكن دلالات هذا الانخفاض لا تعكس بدقة حالة التشغيل أو البطالة. تقول هبة الليثي، إحدى المشرفات على بحث الدخل والإنفاق، في حوار سابق مع «مدى مصر»، إنه بخلاف تجاهل مؤشر البطالة لنوعية العمل وظروفه كمعيار لتحديد حالات البطالة، فإن تلك الأرقام في حد ذاتها لا تعكس الحقيقة. وفقًا لتعريف البطالة المعمول به، مَن يعمل ساعة واحدة أسبوعيًا لا يعتبر عاطلًا عن العمل. أضافت أن «المشكلة الحقيقية هي العمل غير الكافي وغير اللائق الذي يتيح أجورًا أقل مما يستحق الفرد ولا تتناسب مع مؤهلاته، ولأوقات قليلة متقطعة، وهو نمط من العمل يرتبط أكثر بالعمل غير المنتظم والعمل في القطاع الخاص خارج المنشآت». وأكدت على أن تراجع معدل البطالة في حد ذاته ليس سببًا كافيًا لتحسن مستوى المعيشة أو تراجع الفقر.

ولهذا يعتبر أسامة دياب، الباحث بوحدة العدالة الاقتصادية والاجتماعية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن تلك المعدلات تختزل الظواهر الاقتصادية للمواطنين في إطار إنتاجهم وعملهم داخل السوق وليس في عموم أنماط حياتهم. بحسب رأيه، فإن ما يُسمى بالمؤشرات الاقتصادية تمثّل تعبيرًا محدودًا عن تحركات وظواهر تتعلق بالدرجة الأولى بالأسواق، لكنها غالبًا ما تفتقد التعبير عن واقع جودة الحياة.

المفارقة ذاتها تنطبق على معدل التضخم. يوضح دياب أن معدل التضخم يمثل متوسط تحركات أسعار مجموعة من الخدمات والمنتجات مدرجة في سلة افتراضية، يُفترض تعبيرها عن نمط إنفاق 100 مليون مواطن. لكن هذا المتوسط لا يخبر بشكل حقيقي عن التجربة المتفاوتة للمواطنين من الفئات الاجتماعية المختلفة مع معايشة هذه المعدلات من التضخم.

يظهر هذا في توجه البنك المركزي اﻷخير لتغيير منهجية حساب معدل التضخم. أعلن البنك مطلع الشهر الجاري عن تغيير الأوزان النسبية لمكونات مؤشر التضخم المكونة من 12 مجموعة من السلع، على رأسها؛ الطعام والشراب، الصحة، التعليم، الملابس والأحذية. وبموجب هذه التغييرات، تراجع الوزن النسبي لمجموعة الطعام والشراب، الأكثر عرضة للتغيرات السريعة في الأسعار، من 39.9% إلى 32.7% بانخفاض نسبته 7.2% لصالح زيادة في أوزان مجموعات الصحة والتعليم المعروفة بالاستقرار النسبي في تكلفتها.

يقول محمد سلطان، باحث اقتصادي، لـ «مدى مصر» إن اﻷوزان القديمة لمجموعة الطعام والشراب لم تكن تعبّر عن مستوى التضخم الذي تواجهه الفئات الأكثر فقرًا، ليزداد الوضع سوءًا بعد التغيير اﻷخير، خصوصًا مع زيادة نسبة اﻹنفاق على هذه المجموعة لتصل إلى 49.8% في الفئات اﻷكثر فقرًا. بحسب رأيه، تشوه منهجية التضخم المُعدلة حقيقة معدلات التضخم لتلك الفئات.

المفهوم ذاته ينطبق كذلك على اﻷداء المالي. تمكنت الحكومة من تقليص عجز الموازنة وتحقيق فائض للمرة اﻷولى منذ 15 عامًا. لكن هذا الانخفاض في العجز لم يأت من زيادة في اﻹيرادات، وإنما عبر تقليص اﻹنفاق لاسيما الدعم، وهو اﻷمر الذي يظهر بوضوح عند التدقيق في الموازنة العامة والحساب الختامي في السنوات الأخيرة، بحسب دياب.

وانخفضت نسبة مخصصات الدعم إلى الناتج المحلي الإجمالي من 8.1% في العام المالي 2014-2015 إلى 5.3% في موازنة العام المالي اﻷخير 2018-2019. 

على سبيل المثال، انكمشت فاتورة دعم السلع التموينية عبر حذف المواطنين من البطاقات التموينية لأسباب تبدأ بوفاة الشخص أو تكرار اسمه وانتهاءً بـ «غير المستحقين للدعم»، إذ استلزمت الرغبة الملحة في خفض فاتورة الدعم حذف نحو 17 مليون بطاقة تموينية. هذا التوفير الذي نتج عن حذف ملايين من البطاقات التموينية لم تصاحبه تغييرات ملموسة في دخول المواطنين أو أي تحسن في قدراتهم الشرائية.

لهذا، وعلى الرغم من التحسن الكبير الذي تشهده مؤشرات الاقتصاد الكلي، سقط 5% دفعة واحدة في هاوية الفقر خلال عامين فقط لتصل نسبة الفقراء إلى 32.5% من إجمالي المواطنين، في أكبر زيادة بمعدلات الفقر منذ مطلع القرن الحالي. أما الجوعى الذين لا يكفل لهم دخلهم الحصول على الغذاء الأساسي فقد وصلت نسبتهم إلى 6.2% من السكان (أكثر من ستة ملايين نسمة) ارتفاعًا من 5.3%.

عبر تلك الطُرق، يُبنى تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي. تصدح المؤسسات العالمية ببيانات تشيد بهذا الأداء «المبهر للغاية» للاقتصاد المصري. يؤكد دياب أن تلك المؤشرات المُسلط الضوء عليها، والأخرى المُغفلة، هو سلوك مُسيس، يتجسد في خلق الحكومة والمؤسسات المالية الداعمة خطاب يتمحور حول أن النمو الاقتصادي وليس تزايد معدلات الفقر هو أفضل مُعبِّر عن الوضع الاقتصادي.

يشير دياب إلى أن الاهتمام بالأرقام الكلية للاقتصاد يدفع نحو التركيز على جذب الاستثمار مع إهمال وتهميش نوعية الاستثمارات وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية، ما يُنتج اقتصاد جاذب الاستثمارات غير المباشرة قصيرة الأمد. يزيد هذا من مخاطر التقلب الاقتصادي.

وعلى الجانب الآخر، فإن الرهان على مثل تلك الأنماط من الاستثمارات يثبت فشله بسبب تعرضه الدائم لتقلبات مفاجئة في حالات عدم اليقين، العدو الأول للمستثمرين، كما في أوقات الاضطرابات السياسية، حتى وإن كانت محدودة.

بدا هذا واضحًا في الخسائر التي تسببت فيها الاحتجاجات اﻷخيرة، والتي تمثلت في تراجع الجنيه المصري في العقود الآجلة أمام الدولار، ليسجل 18.51 جنيهًا في مقابل سعر صرف عند مستوى 16.3 جنيهًا للدولار. ويستند سعر الجنيه في هذه العقود إلى توقعات سعر الصرف المستقبلي والذي يتأثر بالأوضاع الحالية.

يشير عادلي إلى أن كل المحاولات التي جرت لمعالجة المشكلات الاقتصادية المزمنة منذ مطلع التسعينيات لم تغيّر من هذا النمط من النمو في الاقتصاد، بل دومًا ما كانت من إحدى تداعيات برامج الإصلاح الاقتصادي.

اعلان
 
 
سارة سيف الدين