عمالقةٌ بالون: 7- الفضاء الاجتماعي العالمي الذي ننشئه مستقل بطبيعته عن الطاغوت الذي تسعون لفرضه علينا

أصدر المجلس العسكري إعلانًا دستوريًا بعد خلع مبارك بيومين، تعّهد فيه بعدم الاستمرار في السلطة وتسليمها لمدنيين. علّق هذا الإعلان العمل بدستور 71 وعطّل مجلسي الشعب والشورى، ثم أُجري استفتاء على التعديلات الدستورية في مارس 2011. أذكر حادثة تعرّض البرادعي للضرب في أحد لجان الاستفتاء بالمقطم أثناء إدلائه بصوته.

لقطة من مقطع فيديو دعائي لمبادرة “تعالوا نكتب دستورنا” يظهر بها المبرمج والناشط علاء عبدالفتاح

واحدة من المبادرات الهامة التي خرجت من الإنترنت كانت مبادرة (تعالوا نكتب دستورنا)، أعلن عنها علاء عبدالفتاح عبر مدونته ودعا لاجتماع تأسيسي للمبادرة. على ما أذكر، كانت الدعوة قد وصلتني للانضمام لفريق التقنيين بالمبادرة، والفكرة كانت كيفية إيجاد آلية لكتابة وثيقة شعبية تعبر عن طموحات الناس في الدستور الجديد، وطُرح الدمج بين العمل الجماهيري وتطوير منصة على الوِب. وأُعلنت المبادرة في نقابة الصحفيين بوجود عدد كبير من المشاركين.

في هذه الفترة، كان هناك استقطاب واضح من التيارات المختلفة تجاه الكيفية التي ستسير بها الأمور. رأى الإخوان والإسلاميون وبعض القوى المدنية أن الانتخابات يجب أن تُجرى أولًا ثم يوضع الدستور الجديد. ورأت تيارات أخرى أن يكون هناك دستور أولًا تليه انتخابات برلمانية ثم رئاسية، الاستقطاب أيضًا كان حول شكل نظام دولة ما بعد يناير، بعض القوى رأت أن يكون نظامًا برلمانيًا يُعطي صلاحيات للبرلمان مثل تشكيل الحكومة، والبعض رأى أن يكون نظامًا مختلطًا بين الرئاسي والبرلماني، والقليل قال إن الأنسب نظامًا رئاسيًا.

صورة للشهيد مينا دانيال أثناء تلقيه العلاج في مسجد بالقرب من ميدان التحرير يوم 28 يناير 2011

في أكتوبر 2011، كنت أتجول مع صديقين على وشك الزواج لاختيار بعض أثاث منزلهما. يستقبل الصديق اتصالًا تليفونيًا يخبره بمواجهات بين الجيش ومتظاهري ماسبيرو، يليه اتصال من صديق يخبرني أن مايكل مسعد قد استشهد. مايكل كان زميل عمل وقتها. ثم يستقبل صديقي اتصالًا آخر يخبره باستشهاد مينا دانيال.

اتجهنا إلى المستشفى القبطي بمنطقة الظاهر بعد أن عرفنا من الأخبار المنتشرة على الإنترنت والشبكات الاجتماعية أن بعض الجثامين قد وصلت هناك. كانت بعض التغريدات على تويتر والمنشورات على فيسبوك تدعو للتبرع بالدم في المستشفى القبطي. حاولنا فعل ذلك لكن أخبرونا أن التبرع بالدم سيكون في المستشفى الإيطالي بالعباسية، ذهبنا مع جموع أخرى إلى هناك لكن لم نستطع التبرع أيضًا.

في اليوم التالي، دخل جثمان مينا دانيال ميدان التحرير وسط هتافات جمع ضخم من المتظاهرين. تركت الميدان ربمًا في الثالثة فجرًا. أذكر وقتها أني كتبت على مدونتي كيف كان يوم ماسبيرو فارقًا في حياتي وحياة القريبين مني.

في نوفمبر 2011، نظّم أهالي شهداء ومصابي الثورة اعتصامًا، فضّته الشرطة بعنف، وانتشرت قوات الأمن في كل مكان في ميدان التحرير، ما دعا ثوار يناير إلى التوافد على الميدان لتبدأ أحداث شارع محمد محمود. مرة أخرى يعود المطاطي والغاز المسيل للدموع، ثم يسقط أول شهيد برصاصة قاتلة.

في بداية الأحداث، كنت في مقر عملي عندما قرأت على تويتر خبر إصابة المدون مالك مصطفى والمصور الصحفي أحمد عبدالفتاح بطلق خرطوش في عينيهما. وبنهاية اليوم كان المتظاهرون قد سيطروا على الميدان. في اليوم التالي، اندلعت الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة مرة أخرى واستمرت لعدة أيام. كانت المواجهات عنيفة، وسقط شهداء ومئات المصابين. وقتها انتشر فيديو على الشبكات الاجتماعية يُظهر مجموعة جنود يلقون جثة أحد المتظاهرين في القمامة.

صورة الاعتداء فتاة (ست البنات) وتعريتها بميدان التحرير، ديسمبر 2011

بعد ذلك، بدأت أحداث مجلس الوزراء، والتي استشهد فيها الشيخ عماد عفت، وسحلت وعُريت فتاة في ميدان التحرير (ست البنات). انتشر الفيديو على الإنترنت، وكالعادة علّق الإعلام الموالي للسلطة على الفيديو بحقارة. أذكر جيدًا تعليقات سافلة انتشرت في الإعلام التقليدي من نوعية أن فتاة كانت ترتدي (عباية بكباسين) أي سهلة الفتح وأن (العباية على اللحم).

في الذكرى الأولى لأحداث محمد محمود -في 2012- كان محمد مرسي قد أصبح رئيسًا للجمهورية. خرج متظاهرون إلى التحرير للمطالبة بالقصاص وكالعادة حدثت اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين، وسقط أول شهيد في عهد مرسي، جابر صلاح جيكا. ثم أصدر مرسي الإعلان الدستوري المكمل الذي قُوبل برفض واسع. لم أكن أشعر بصدمة وقتها حين ظهر موقف الإخوان المسلمين من إحياء الذكرى الأولى لمحمد محمود. أذكر تصريحات سعد الكتاتني، رئيس مجلس الشعب وقتها، عن ثقته في المعلومات الواردة من وزير الداخلية (الشرطة ماعندهاش خرطوش)، وتصريح محمد البلتاجي حول القلة المندسة التي تسببت في الأحداث!

وسط هذه اﻷجواء، بعد أحداث محمد محمود، أجريت انتخابات مجلس الشعب، وحدثت التكتلات الانتخابية فدعا الإخوان إلى التحالف الديمقراطي، والذي ضم أحزاب الحرية والعدالة والوفد والكرامة والناصري والغد. وتجمعت كتلة انتخابية من اﻹسلاميين ضمت مجموعة أحزاب تنتمي للتيار السلفي، والكتلة المصرية والتي ضمت مجموعة من الأحزاب السياسية المدنية مثل المصريين الأحرار والتجمع والمصري الديمقراطي الاجتماعي، وتحالف الثورة مستمرة، والذي اتخذ من شعار (عيش حرية عدالة اجتماعية) مظلة له، وكان الأقرب لثوار يناير. قضت المحكمة الدستورية العليا في يونيو 2012 بقبول الطعون المقدمة ضد مجلس الشعب، ليتم بذلك حل هذا  المجلس.

أما الانتخابات الرئاسية فقد ضمّت 13 مرشحًا، بعد استبعاد حازم صلاح أبوإسماعيل. جرت الانتخابات والتف غالبية الإسلاميين حول محمد مرسي، مُرشح الإخوان المسلمين، وغالبية فلول نظام مبارك والحزب الوطني التفوا حول أحمد شفيق، في حين توزعت باقي القوى على حمدين صباحي وعبدالمنعم أبوالفتوح وخالد علي وأبوالعز الحريري. انتهت الانتخابات بالإعادة بين محمد مرسي وأحمد شفيق، ثم أُعلن مرسي رئيسًا للجمهورية في 24 يونيو 2012. لاحقًا، انتخب البرلمان لجنة صياغة الدستور والتي حُلت بحكم من المحكمة، وانتُخبت لجنة ثانية أخرجت الدستور الذي تم اعتماده في ديسمبر 2012.

وقت الانتخابات الرئاسية، كنت على مقربة -وشاركت- في حملة ترشح خالد علي. الإمكانيات كانت قليلة مقارنة بباقي المرشحين، خاصة أن خالد علي لم يكن معروفًا بالشكل الكافي مثل مرسي وأبوالفتوح وعمرو موسى وشفيق. لم تستطع الحملة أن يكون ترشح خالد علي من خلال جمع التوكيلات من المواطنين، لكن استطاعت أن تحصل على تأييد أكثر من 30 نائب برلمان. أذكر أن أكثر ما ميّز الحملة كان البرنامج المبني على العدالة الاجتماعية كركيزة أساسية، واستُخدم مصطلح (برنامج العدالة الاجتماعية) من بعض المؤيدين لخالد في الإعلام.

في هذه اﻷعوام، ظهرت العديد من المواقع الإخبارية الجديدة، حيث أطلقت مؤسسة المصري اليوم الخاصة نسخة إنجليزية باسم «Egypt Independent»، وأطلقت مجموعة المستقبل الخاصة موقع «الوطن»، وأطلقت مؤسسة التحرير موقع «التحرير الإخباري»، وأُطلق موقع «دوت مصر» وموقع «البداية». وظهرت تجربة صحفية جديد ربما كانت الأهم في الإعلام الرقمي المحلي، موقع «مدى».

ثورة دي ولاّ انقلاب!

مع بداية سنة 2013، كنت قد بدأت تجربة مهنية جديدة للعمل كباحث في مجال الحقوق الرقمية. كان وعي النشطاء المصريين في ازدياد تجاه بعض القضايا كالخصوصية والمراقبة، خاصة بعد اقتحام مقار أمن الدولة، والكشف عن وثائق تثبت تورط الحكومة في شراء برمجيات تجسس. في نفس السنة، كشف تقرير صادر عن «سيتزن لاب» أن السلطات المصرية استوردت برمجية «ProxySG» من شركة «Blue Coat Systems» الأمريكية عبر وكيلها في مصر، شركة «Systems Engineering Of Egypt». وتُتيح هذه البرمجية للسلطات المصرية استخدام تكنولوجيا «Deep Packet Inspection» التي تتيح قدرات هائلة لمراقبة المستخدمين المصريين من بينها تحديد الموقع الجغرافي والتتبع، ومراقبة وترشيح محتويات الإنترنت بشكل جماعي غير موجه، واختراق تطبيقات واتس آب وفيبر وسكايب والعديد من البرامج الأخرى.

لقطة للصفحة الرئيسية لموقع حملة تمرد، 2012

في بداية الربع الثاني من 2013، كانت حركة تمرد قد أعلنت نفسها وبدأت في جمع توقيعات تطالب بانتخابات رئاسية مبكرة، وانتشرت دعوات الحملة على الإنترنت وانتشر أعضاءها في الشوارع لجمع التوقيعات. استخدمت تمرد الإنترنت منصة لدعوتها، وأطلقت موقع وب لجمع التوقيعات وصفحة على فيسبوك وحساب على تويتر. كان الإنترنت هو الوسيط الذي استخدم لاستقطاب إعلامي من قبل جماعة الاخوان المسلمين وحركة تمرد التي بدا وقتها أنها على مقربة من رجال أعمال ورجال دولة سابقين وحاليين وفلول، أو هكذا رأيت في المراحل الأخيرة قبل 30 يوليو. وقتها، أطلقت مجموعة محسوبة على اﻹسلاميين وجماعة اﻹخوان حركة مضادة لتمرد تحت اسم (تجرد)، وكان خطابها طائفي في كثير من تواجدها الإعلامي.

بدأت المظاهرات التي دعت لها تمرد في 30 يونيو مع دعوات واسعة من الإعلام الرسمي والخاص وخطاب مضاد من الإعلام المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين. ثم أصدرت القوات المسلحة بيان 1 يوليو ومهلة 48 ساعة، وخرجت مظاهرات مؤيدة لمحمد مرسى. ثم أصدر مرسي خطاب طويل عُرف بخطاب (الشرعية)، ثم أُذيع خطاب عزل مرسي وتعطيل العمل بالدستور والذي أعلنه وزير الدفاع -آنذاك- عبدالفتاح السيسي، وحضره شيخ الأزهر والبابا تواضروس ومحمد البرادعي ومحمد عبدالعزيز ومحمود بدر عن حركة تمرد وجلال مرة، أمين حزب النور، وسكينة فؤاد، وتولى عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا، إدارة شؤون البلاد.

وقتها، قُطع البث عن القنوات التليفزيونية الدينية مثل قناة الناس والرحمة وحافظ ومصر 25، واقتحمت قوات الأمن استديوهات قنوات الجزيرة مباشر مصر والجزيرة الإنجليزية واعتُقل عدد من العاملين في هذه القنوات. ثم قامت أحداث الحرس الجمهوري في 8 يوليو. ولاحقًا في 14 أغسطس مذبحة رابعة والنهضة.

العنوان مقتبس من “إعلان استقلال للفضاء السبراني” تأليف : جون پِري بارلو (1996) وترجمة أحمد غربية (2005)

الحلقات السابقة من «عمالقةٌ بالون»:

1- مواطن جديد آتٍ للفضاء السيبراني

2- اكتشاف العالم الموجود في كل مكان وفي اللامكان

3-  بلُج أم بلوغ؟

4- نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه

 5- سوف نخلق حضارة للعقل في الفضاء السبراني

6- نعلن حصانة ذواتنا الافتراضية على سلطانكم

اعلان
 
 
محمد الطاهر