طرابلس لبنان تنفض آثار الحرب وتثور على ناهبيها 
 
 

الطريق من العاصمة بيروت إلى طرابلس في الشمال يكفي لأن تأخذ صورة جيدة عن الحراك كفعل في الشوارع. ستبدأ من وسط بيروت حيث الاعتصام الكبير، وتصل إلى منطقة جل الديب، حيث بنت الحكومة جسرًا جديدًا، وقف عليه المتظاهرون، وقالوا «أخيرًا عرفنا شو أهمية الجسر». الطريق هنا سيبدأ في الانقسام، بين أن تأخذ طريق الجبل، أو الطريق البحري، إذ إن الأوتوستراد الأساسي مغلق بفعل المتظاهرين. على العموم، ستمر بمدن عديدة شاركت في الانتفاضة، بزوق مصبح، غزير، البترون (وهي منطقة وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل وصاحب النصيب الأكبر من غضب المتظاهرين)، وتصل في النهاية إلى طرابلس.

في المدينة ذات الأغلبية السنية مشاهد الشوارع تختلف كثيرًا عن باقي المدن.

«كلّن يعني كلّن.. لا، كلنا يعني كلنا». هذا ما فعلته مدينة طرابلس في الانتفاضة اللبنانية. حوّلت الشعار الأساسي للتظاهرات من «كلّن» الشركاء السياسيين في النظام، إلى «كلنا»، كل اللبنانيين بعض النظر عن المناطق والطائفة والدين. أوصلت رسالتها تجاه المفعول بهم من السياسيين، وأرست أسسًا جديدة للفاعلين في الشوارع والساحات.

منذ وصولك إلى المدينة، يمكنك التجول في مناطقها كافة بسيارة ترفع شعارات الثورة. هذا ليس ممكنًا في ساحات أخرى، إذ يعتدي مناصرو حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر على المتظاهرين، داخل ساحات التظاهر وخارجها. أعداد المتظاهرين ليست أكثر من العاصمة٬ لكن هناك إحساس في كل المدينة، أن الناس حتى لو لم توجه التحية لك، فبالتأكيد خطر الاعتداء عليك من مناصري النظام، ليس واردًا. 

في طرابلس، الآن، لا يؤيد أحد النظام بهذا الشكل.

يتمركز الحراك في طرابلس في ساحة عبد الحميد كرامي، هذا اسمها الرسمي، وفيها مجسّد كبير لكلمة «الله»، فاكتسبت التسمية الشعبية «ساحة الله». دائمًا ما تُسدى نصيحة للزائرين بألا يستخدموا المسمى الشعبي، فربما صادفه أحد المتشددين السنة، وحينها سيغضب ويقول له «الله ما إلو ساحة، الله إلو كل الأرض»، وهؤلاء الآخرين يفضلون تسميتها ساحة «النور».

في الساحة نفسها، وبسبب الجدل عن الاسم، ولأسباب تاريخية أخرى، كان الرمز الأولي عنها هو أنها ساحة المتشددين السنة. في الساحة نفسها، لعب شباب الدي جي موسيقى الراب، هتفوا الهتاف الشهير دون توقف «هيلا هيلا هيلا هوو.. (فلان) ك* امو». ومحل فلان، يليق ذكر كل الرموز السياسية، مع مكانة خاصة بالطبع لوزير الخارجية جبران باسيل.

في الساحة نفسها، حمل المتظاهرون شيخًا معممًا، يرقص على أنغام موسيقى الثورة.

شوارع طرابلس لا تشبه بيروت. تشبه الإسكندرية أو مصر الجديدة أكثر. شوارع طرابلس لا تشبه بيروت اليوم حتى. في بيروت يمكنك ملاحظة أنها تحولت لمدينة أشباح جرّاء قطع الطرق بحرق الكاوتشوك، وبفعل الإضراب العام. 

في طرابلس المحلات والشركات الصغيرة لم تغلق. يمكنك ملاحظة أن أكثرهم يؤيد الحراك، يعلق ملصقًا أو يدعو الناس للنزول. لكن المدينة الأفقر في لبنان لا تحتمل أن تنقطع أرزاق سكانها لأيام طويلة.

في شوارع المدينة، التي شهد تاريخها تراثًا طويلًا من الصراع النقابي، يمكنك ملاحظة أن الشعارات ذات البعد الطبقي هنا أكثر من باقي المدن. هنا، ستجد ماكينة الصراف الآلي مكتوب عليها «تسقط الرأسمالية»، ستجد شعارات «استعادة الأموال المنهوبة»، ستجد محل الشوكولاته الشهير «باتشي» مزدانًا بشعارات التضامن مع النبطية وبعلبك، حيث اعتدى مناصرو حزب الله وحركة أمل على المتظاهرين.

«كانوا مفهمينا إن الشيعة بدن ياكلونا»، هكذا صرخ أحد المشاركين. لم تكن هذه إشارة وحيدة على كسر الدعايا الاجتماعية والسياسية التي استمرت لعقود.

بدأ الاعتصام في طرابلس بمسيرة «موتسيكلات» مشتركة بين شباب منطقتي باب التبانة وجبل محسن، بعد عقود من العداء، وسنوات من القصف المدفعي والقنص بينهما.

على محل «باتشي» كتبت شعارات «بعلبك الروح»، و«من طرابلس ثورتنا هي هي… كرمالك يا نبطية». 

هذا في الوقت الذي سادت فيه أخبار تؤكد اعتداء مناصرين لحزب الله وحركة أمل على المتظاهرين في النبطية في الجنوب، ومع تداول أنباء تفيد بتكرار هذا الاعتداء في بعلبك.

محل باتشي نفسه، المعروف بأسعاره الخيالية، والمملوك لوزير تيار المستقبل محمد شقير، وهو نفسه صاحب قرار فرض الضرائب الجديدة على الاتصالات، اقتحمه المتظاهرون، ووزعوا الحلويات على بعضهم، كنوع من الترحيب والاحتفال ببعضهم البعض.

ومن منصة الساحة، ترددت الهتافات «صور صور صور.. كرمالك بدنا نثور»، «يا نبطية… طرابلس معاكي للموت». كان ملاحظًا أن في مناطق التظاهر كافة الجميع يقول إن «الحزب والحركة يقمعوا الحراك»، لكن في طرابلس تم التضامن مع المتظاهرين في مناطق «الحزب والحركة» دون الإشارة للمعتدين.

هذا ليس إعفاءً من المسؤولية، الجميع بات يعرف هوية المعتدين. لكنه مسؤولية ألا تتحول مظاهرات طرابلس للهتاف ضد المعتدين هؤلاء، فتكون الفرصة سانحة لتغيير بوصلة الانتفاضة، وتحويلها إلى انتفاضة طائفية.

قالت شابة من المعتصمين لـ«مدى مصر» إن «الجميع كان يقول علينا إرهابيين. تعوا شوفونا كيف منتظاهر. النظام كان عم بيروج عنا هيك، متل ما روجوا أن الشيعة بدن يقتلونا. لا نحنا إرهاب ولا الشيعة بدن يقتلونا. كلنا بدنا نسقط النظام، كلنا جوعانين».

***

وإن كان المتظاهرون رددوا مجازا خلال ثمانية أيام انتفض فيهم اللبنانيون جميعًا أن «بس هلق خلصت الحرب الأهلية في لبنان»، فهذا المجاز واقع معاش في طرابلس. الحرب انتهت في كل لبنان عمليًا منذ ما يقارب الـ 30 سنة، إلا أنها في طرابلس كانت متواصلة.

منذ انتهاء الحرب الأهلية وخروج الاحتلال السوري في العام 2005، عانت طرابلس الكثير من ذلك الاحتلال. خُطف العشرات من أبناء المدينة، تعذب المئات، أنهكت الحواجز العسكرية السورية مواطني عاصمة الشمال كافة، تدخل النظام السوري في كل تفاصيل الحياة، وفوق الظروف الاقتصادية الصعبة، تحملوا الرشاوى و الإتاوات المدفوعة لرجالات الجيش السوري.

في طرابلس أيضًا، خرج النظام السوري لكن آثاره بقيت. 

هناك، بنيت شركة نفط العراق مصافً لتكرير النفط منذ العام 1931، أممتها الدولة اللبنانية عام 1973. عمل فيها أكثر من أربعة آلاف من أبناء الشمال، وبلغت طاقة العمل اليومية فيها 120 ألف طن، تأتي من العراق، وتُصدر من ميناء طرابلس. لكن الجيش السوري دمر المصافي في الحرب الأهلية، ومنع إعادة إعمارها للأبد.

في طرابلس وحدها لم تصل لجان إعادة الإعمار والترميم التي رافقت حروب لبنان. هناك أيضًا في عام 2007 نشبت حرب الجيش اللبناني ضد الجهاديين المتشددين في مخيم نهر البارد. هناك أيضًا، وعلى ضوء الثورة السورية، نشبت حربًا متقطعة وطويلة بين منطقة جبل محسن ذات الأغلبية العلوية والمناصرة لنظام الأسد، ومنطقة باب التبانة ذات الأغلبية السنية. هناك تم إحراق مطاعم، ومكتبات، وقتل الناس على أساس مذهبي وديني.

في طرابلس أيضًا، صٌنف سياسيون عدة مرات في قائمة الأغنى في العالم وليس في لبنان وحده. من هناك عمل الملياردير نجيب ميقاتي، وأخيه الملياردير طه ميقاتي. هناك أيضًا زعامات تقليدية مثل محمد الصفدي وسمير الجسر ومحمد كبارة ومصباح الأحدب وفيصل كرامي وأشرف ريفي. الفجوة المهولة تلك بين المدينة واغنيائها ليست كافية لهم. هؤلاء نفسهم لم يشبعوا، وارتبطت أسمائهم بكثير من ملفات الفساد. 

طرابلس لم تخل كغيرها من المدن من تطفل السياسيين. حاول نائب سابق في البرلمان اسمه مصباح الأحدب، وهو من أصحاب الملايين كذلك، زيارة الاعتصام والتمسح فيه، إلا أن المعتصمين طردوه. كان رد السياسي سليل الأسرة العريقة بسيطًا. أطلق مرافقوه الرصاص الحي على المتظاهرين، متسببين في إصابة سبعة أشخاص.

كان ذلك في اليومين الأولين. بعد ذلك، بدأ افراد من المعتصمين في الظهور مرتدين زي موحد، مطبوع عليه شعار «حراس المدينة».

قال أحدهم لـ «مدى مصر» «نحن هنا لمهمتين فقط. أولًا، نحن نعمل على تأمين الاعتصام من أية إشكالات محتملة، نعمل على إخراج المتسببين في المشاكل مع المعتصمين من الساحة بهدوء. ثانيًا، نعمل بجهود تطوعية من قبل المعتصمين نفسهم على تأمين مواد غذائية ومياه شرب للمعتصمين.

تحدث الشاب الثلاثيني، وهو من منطقة باب التبانة الفقيرة، عن بدايات حركتهم. «تأسسنا في عام 2015 عند أزمة النفايات، كانت الدولة ترسل سيارات شحن لتلقي النفايات في طرابلس، فكنا نعمل على وقف هذه السيارات ومنعها».

تماسك المشهد في المدينة، ومظاهر البقاء الموجودة في الساحة، من خيام و«نصبات» لبيع القهوة والطعام، ليست هي الوحيدة التي تضمن بقاء الحراك في طرابلس، بل أن ثمّة ظروف موضوعية وذاتية تفرض نفسها، لتجعل المدينة الساحلية في موقع ضمانة استمرار الحراك في لبنان كله.

على خلاف غيرها من المدن اللبنانية، فإن طرابلس لا يسيطر عليها زعيم سياسي واحد، ولا اثنان، ولا ثلاثة. هناك العديد منهم، بعضهم متناقض مع البعض الآخر، لكنهم جميعًا شركاء في النظام، وشركاء في ظلم المدينة، وجعلها من المناطق الأكثر فقرًا. 

هذا الأمر يضع قيودًا كبيرة على أن يقرر زعيم ما التهجم على المعتصمين مثلما حدث في مناطق مزرعة ياشوع إذ هاجم أنصار رئيس الجمهورية وصهره وزير الخارجية المعتصمين، أو مدن بنت جبيل والنبطية وصور، إذ هاجم أنصار حزب الله وحركة أمل المعتصمين واعتدوا عليهم.

من الجهة الأخرى، فإن شعبية الجيش اللبناني لدى أبناء المدينة الفقراء والمقموعين، ليست في أفضل صورتها، وبالتالي فإن نزول تشكيلات كبيرة قادرة على القمع، هو أمر صعب كذلك. وهي أمور تجعل قمع المدينة أصعب منه في باقي المدن.

في ساحة النور، أو ساحة عبد الحميد كرامي، أو ساحة الله، يمكنك النظر في عيون أي عابر، سيبادلك النظرات، بتواطؤ وحب. هذا الذي لم نعرفه إلا في ميادين التحرير، ولم نقابله من وقتها إلا في طرابلس.

اعلان