غرقنا ليه في شبر ميّه؟
 
 

تزامنت رحلة منال فودة من منطقة الرحاب إلى مصر الجديدة مع  سقوط الأمطار، فقررت العودة للرحاب مرة أخرى، واضطرت أن تسلك شارع الميرغني بمصر الجديدة للوصول لطريق السويس، ومنه إلى الرحاب. استغرقت تلك الرحلة من منال نحو سبع ساعات، لم تر فيها أي سيارة تسحب مياه الأمطار.

تسبب سقوط الأمطار بمصر أمس، الثلاثاء، في وفاة سبعة أشخاص، إلى جانب غرق العديد من الشوارع الرئيسية بالقاهرة والمحافظات، ما دعا الحكومة إلى تعليق الدراسة  اليوم، الأربعاء، بعد حدوث شلل مروري تام في منطقة شرق القاهرة.

لم تكن شوارع شرق القاهرة وحدها المتأثرة بالأمطار، حيث أجبرت سلطات مطار القاهرة على إغلاق صالة رقم 2 بمبنى الركاب رقم 1 بعد غرقها بالمياه، وتأجيل بعض الرحلات، بحسب بيان أصدرته وزارة الطيران أمس. وبينما عادت حركة المرور إلى طبيعتها في بعض الشوارع الداخلية، صباح اليوم، أغلقت الإدارة العامة للمرور الطريق الدائري الإقليمي في الاتجاهين، بسبب حدوث هبوط أرضي نتيجة تجمع مياه الأمطار  في منطقة منخفضة بالطريق بالقرب من الكيلو 30 للقادم من طريق الواحات لمحافظة الفيوم، بحسب جريدة الأهرام.

من الأشياء التي تسببت فيها الأمطار أمس أيضًا موجة من الغضب والانتقادات. تحكي نهال مصطفى لـ «مدى مصر»  مشاهدتها في طريقها من التجمع إلى ميدان الحجاز أمس، الثلاثاء، «ما بين ناس قاعدة في عربيتها مش طايقة نفسها وأطفال بتعيط وناس كبيرة تعبت من القعدة، وعربية إسعاف معدية عمالة تقول: وسع الطريق ومفيش أمل الناس توسع»، تشير نهال إلى غياب خطة الدولة في التعامل مع الأزمات، وعدم الاهتمام بالمواطن، قائلة «لو ده الوضع في الخريف.. في الشتا هيحصلنا إيه؟»

حالة الغضب بسبب غياب خطة الدولة للتعامل مع الأمطار استمرت حتى اليوم، كتب سيمون زاهر، في صفحته على فيسبوك «جريمة على طريق السويس القاهرة»، مشيرًا إلى أن الدولة لم تغلق الطرق، رغم علمها بجرف الطريق بسبب اﻷمطار، ووصف زاهر حالة الرعب التي مر بها في سيارته اليوم بعد أن تحولت لـ «قارب» على حد وصفه، يسير  في المياه دون أي تحكم منه في المياه بظل غياب كامل للجهات المعنية.

المتحدث الإعلامي للشركة القابضة للمياه، وليد عابدين، قال إن الأمطار التي هطلت على شرق القاهرة بلغت 650 ألف متر مكعب في خلال ساعة ونصف فقط. وهذه الكمية، بحسب عابدين، تعادل كمية المياه المصرفة من سكان شرق القاهرة في يوم واحد. ومع امتلاء شبكات الصرف الصحي بالمياه، تجمعت المياه في مناطق ذات مناسيب منخفضة، وأدى ذلك إلى حدوث تكدس في الحركة المرورية في شرق القاهرة، ما كان له أثر سلبي في إعاقة حركة سيارات شفط ونقل المياه، بحسب تفسيره.

كما أضاف عابدين أن المسؤولية مشتركة بين عدة جهات، موضحا أن صعوبة الموقف تتمثل في عدم توقع سقوط كل هذا الكمية من الأمطار على شرق القاهرة، وذلك لعدم قدرة هيئة الأرصاد على تحديد مكان سقوط الأمطار.

كانت هيئة الأرصاد  الجوية نوهت بعدم استقرار الجو وتوقعات سقوط أمطار غزيرة بداية من يوم، الإثنين.

أمطار الأمس ابتلعت تصريحات محافظ القاهرة، خالد عبدالعال، التي أطلقها منذ عشرة أيام، مؤكدًا أن جميع المعدات والمصارف تعمل بشكل جيد، وذلك بعد عملية تجريبية لإغراق شارع جوزيف تيتو بمصر الجديدة، الذي غرق بالفعل أمس، الثلاثاء، تحت الأمطار الحقيقية، بالإضافة لعدد من الشوارع المؤدية لطريق المطار ونفق العروبة وعدد من شوارع منطقة رابعة وشوارع أخرى بشرق مدينة نصر.

تجربة شارع جوزيف تيتو

رفض عابدين الإدلاء بمعلومات عن عدد محطات الصرف بالقاهرة، مكتفيًا بالتأكيد على إنها عملت بكامل طاقتها ودون أي شكاوى، فيما قال وزير الإسكان عصام الجزار في جلسة بالبرلمان، أمس، الثلاثاء، إن نسبة  تغطية مصر من الصرف الصحي في 2014 كانت 50%، إلى أن وصلنا إلى 65%، وأكد الوزير، أن المشكلة تتمثل في أنه لم يكن هناك اهتمام كاف سابقًا بتجديد الشبكات على مستوى الجمهورية، مشيرًا إلى أنه طلب تمويل بقيمة 40 مليار جنيه لمشروعات الصرف الصحي والمياه، إلا أنه جرى توفير 18.1 مليار جنيه. وأضاف أن نسبة التغطية فى الصرف الصحى فى الحضر 94%، عقب 179 مشروع بتكلفة 7.7 مليار جنية،

مسؤول سابق بالشركة القابضة لمياه الشرب قال لـ «مدى مصر» إن غياب استراتيجية صحيحة للتعامل مع الأزمات هو السبب الرئيسي للأزمة. «مش منطقي أسحب كل عربيات شفط المياه من أنحاء المحافظة علشان أوديها منطقة واحدة -نفق العروبة-»، مضيفًا أن هذا التصرف أدى لتعطل العربات في الطريق نتيجة التكدس المروي وصعوبة وصولها للمنطقة المنشودة، كما أدى لعدم وجود عربات سحب مياه في المناطق الممطرة فغرقت هي الأخرى.

وأضاف المسؤول السابق الذي فضل عدم ذكر اسمه، أنه يوجد باب للطوارئ بمحطات الصرف، يتم فتحه في حالات الأزمات لتصريف المياه مباشرة بدون معالجة. لأن عملية  المعالجة تستهلك الكثير من الوقت وهذا يؤدي لتراكم المياه. وأبدى اندهاشه من عدم استخدام «باب الطوارئ» أمس.

تشعب المسؤولية بين عدة جهات يؤدي لتعقد الأمور وتحميل جميع الجهات المسؤولية لبعضها، بحسب مهندس مشروعات البنية التحتية هيثم البدوي. شرح البدوي لـ «مدى مصر» أن كمية المياه كانت أكبر من استعدادات وطاقة شبكات الصرف، التي تعاني من غياب المتابعة والصيانة الدورية، كما أن المحافظة لا تهتم أثناء رصف الطرق بتنفيذ ميل هندسي في اتجاه بالوعات صرف مياه الأمطار، مما يؤدي لتكدس المياه في الشوارع. وأضاف البدوي أنه يوجد ثلاث محطات صرف أساسية تغطي محافظة القاهرة الكبرى، وأهمهم محطة الجبل الأصفر، وهي أكبر محطات المعالجة بالشرق الأوسط بطاقة استيعابية تصل إلى نحو 2.5 مليون متر مكعب يوميًا. ولكن يظل معدل سقوط الأمطار أمس مرتفع مقارنة بطاقة المحطة.

وعرض مجلس الوزراء اليوم، الأربعاء، خلال اجتماعه الإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية للتعامل مع التداعيات الناجمة عن حالة الطقس والأحوال الجوية، مؤكدًا في بيان حصلت «مدى مصر» على نسخة منه، أن مسؤولي المحليات على مستوى المحافظات طهروا قبل أيام جميع شبكات الصرف بالشوارع، كما تواجدت كميات من المعدات وسيارات شفط المياه بالمواقع المتأثرة، وفي محافظة القاهرة تحديدًا، تواجد جميع المسؤولين علي مدار اليوم في الشوارع، للتعامل الفوري مع تداعيات سقوط الأمطار، بداية من محافظ القاهرة، ومدير الأمن، ومدير المرور، بهدف متابعة الأحداث والعمل على حل الأزمة.

كما أشار المجلس إلى أنه لا يوجد شبكة تصريف أمطار في مدننا المختلفة «لأن تكلفة إنشاء شبكة منفصلة لتصريف الأمطار تتكلف مليارات الجنيهات». وأضاف المجلس أن «معظم الدول لا تنفذ هذه الشبكات باهظة التكاليف، خاصة عندما لا تتعرض لمثل هذه الظروف الجوية الصعبة إلا لفترات نادرة كل عام أو اثنين، ويتم التعامل الفوري مع حدوث مثل هذه الأزمات، بهدف التخفيف من الآثار الناجمة، وهو ما حدث بالفعل من الأجهزة المحلية».

ما حدث في القاهرة أمس تمتد جذوره في تاريخ مصر المعاصر. الهيكل اﻷساسي لبنية المدينة التحتية رسمه الاستعمار البريطاني في أوائل القرن العشرين. ورغم توسع المدينة خلال العقود التالية وحتى اﻵن، لم تشهد البنية التحتية للمدينة تطور هيكلي ملائم. تحدثنا إلى شهاب فخري إسماعيل، والذي تناول في رسالته للدكتوراة تاريخ القاهرة في فترة الاستعمار البريطاني من خلال عدسة البنية التحتية للمدينة، في محاولة لفهم السياق التاريخي للأزمة المتكررة التي تعانيها المدينة. حصل شهاب على الدكتوراه من جامعة كولومبيا بنيويورك، ويعمل الآن كزميل باحث في معهد ماكس بلانك لتاريخ العلم.

مدى: متى أُنشأ أول نظام صرف صحي في مصر؟

شهاب: اكتمل إنشاء أول نظام صرف صحي في مصر عام 1915، حينها كانت البلاد تحت حكم الاستعمار البريطاني، وبالفعل كان لتوسع القاهرة في العقود التالية لهذا التاريخ أثره على أداء هذا النظام، فقد صُمم الصرف الصحي في العاصمة لخدمة مليون قاهري بحد أقصى، وهو عدد السكان الذي كان من المتوقع أن تصل له القاهرة بحلول عام 1932.

مدى: كيف أثر توسع القاهرة جغرافيًا في العقود الماضية على تطور هذا النظام؟

شهاب: بدأت آثار التآكل الشديد في الظهور على المجرور الرئيسي لذلك النظام قبل عام 1924. بعدها، اكتشفت الحكومة ضرورة تطوير نظام الصرف والتوسع فيه لمضاعفة سعته القصوى قبل حلول 1933، وذلك لعدة أسباب:
1) تخطي استهلاك القاهريين للمياه حسابات مهندسي عصر الاستعمار الذين صمموا أول نظام صرف، ذلك بعد بدء ضخ المياه إلى بيوت الطبقة الوسطى.
2) تخطي عدد سكان القاهرة حاجز المليون عام 1927.
3) تصريف مياه الأمطار والمياه الراشحة عبر أنابيب الصرف ذاتها، وهو القرار الذي اتُخذ ضمن إجراءات مكافحة الملاريا عام 1916، ما أجهد نظام الصرف الصحي.
كان من المفترض أن تُصرّف مياه الأمطار في النيل عبر نظام صرف منفصل، لكن هذه الخطة قد أوقفت لاحقًا لاعتبارات تخص نقاء المياه الصالحة للشرب.

مدى: يبدو دائمًا أن مشكلة الصرف الصحي هي المشكلة الأزلية والأبرز فيما يتعلق بملف البنية التحتية المصري، كيف صارت هذه المشكلة بهذا القدر من الفداحة؟

شهاب: يرجع ذلك إلى الطبيعة الاقتصادية للبنية التحتية لتصريف المياه. أنظمة الصرف الصحي غير مربحة، على عكس الكهرباء مثلًا، ولا يمكن جني موارد مالية مماثلة من أنظمة الصرف، فهي أقرب إلى خدمة عامة تقدمها الحكومات، أو المحليات، أو الشركات، للحفاظ على نظافة المدن، وصحة ساكنيها، وجعلها مكانًا صالحًا للعيش فيه، دون توقع مقابل مادي كبير لذلك. ولهذا السبب، يعتبر البعض الصرف الصحي مؤشرًا لمدى اهتمام السلطات بالمجتمع، ومدى قدرة المواطنين على مساءلتهم.

يؤخذ في الاعتبار أيضًا المجهود التفاوضي الذي تحتاجه لتطوير نظام صرف يقع تحت مدينة بأكملها، ستكون في حاجة إلى مد خطوط جديدة، وإعادة تمهيد الشوارع التي تعلوها، وتأسيس محطات ضخ جديدة، ومحطات معالجة بسعة تشغيل أكبر. كل هذه التعديلات يصعب العمل عليها بشكل تدريجي، وتحتاج لنفقات أولية ضخمة.

كما أن لهذا النوع من البنية التحتية خصوصية تقنية، فاستخدام نظام الصرف الحالي لتصريف مياه الأمطار كان دائمًا محل تساؤل عند مصممي هذه الأنظمة. مشكلتهم الرئيسية هي أن الأمطار الغزيرة ظاهرة غير دائمة في القاهرة، وتتكرر فقط كل عدة سنوات، مثلما حدث بالأمس. أتذكر أنه عقب أمطار غزيرة مماثلة عام 1994، كنت طفلًا ونزلت إلى شارع صلاح سالم لأسبح فيه. من وجهة نظر هندسية، لم يكن من السهل إيجاد حل تقني لهذا النمط من الأمطار في القاهرة. بعض المهندسين السابقين رأوا أن تصميم نظام صرف قادر على التعامل مع أمطار نادرة مثل هذه هو إهدار للموارد، وآخرون رأوا أن الحل الأمثل هو تصميم نظام صرف مستقل لمياه الأمطار، يصبها في النيل، وهو الحل الذي يبدو عقلانيًا الآن بالنظر إلى حالة نظام الصرف الرئيسي القديم والمثقل.

اعلان
 
 
ندى عرفات