لبنان ينتفض ضد الجميع.. «كلّن.. يعني كلّن»
 
 
العاصمة اللبنانية بيروت، خلال الانتفاضة: 18 أكتوبر 2019
 

«هذه المرة مختلفة. إنها عفوية، وتسعى لإسقاط الكل. كلّن يعني كلّن». هذا هو الانطباع العام المشترك لدى الكثيرين تجاه التحركات الاحتجاجية في لبنان. ربما من الأدق تسميتها انتفاضة. خرج الآلاف يوم الخميس الماضي احتجاجًا على فرض المزيد من الضرائب بحجة سد العجز في موازنة السنة المالية المقبلة.

لماذا يتظاهرون؟

في الظروف العادية، يتعايش اللبنانيون مع شروط اقتصادية واجتماعية مرهقة، في ظل بنية تحتية متردية، ومع سيطرة كاملة للقطاع الخاص على الخدمات الأساسية.

وفي الظروف العادية أيضًا، يتمايز أبناء الطبقة السياسية؛ أمراء الطوائف وعائلاتهم، والوزراء والوزراء السابقين، والنواب والنواب السابقين، بمكتسبات اقتصادية مهولة. 

بيروت 18 أكتوبر 2019

على سبيل المثال، فإن سبعة مليارديرات لبنانيين، جميعهم من عائلات سياسية، يمتلكون عشرة أضعاف ما يمتلكه نصف سكان لبنان من ذوي الدخل الأدنى، وهو ما يقدر بـ 13.3 مليار دولار. كما أن الـ 1% الأغنى من هؤلاء يستحوذون على 58% من ممتلكات اللبنانيين مجتمعين.

خلال الشهور الماضية، بدأت الظروف تخرج عن طورها «العادي»، وتصل إلى التفاصيل اليومية للمواطنين. وبدأ ذلك مع العجز في احتياطي العملة الأجنبية، ما أدى إلى فجوة بين السعرين الرسمي والفعلي للدولار، في ظرف يتطابق مع فترة ما قبل التعويم في مصر. الكثير من السلع اختفت جرّاء وضع قيود على الاستيراد، فُرضت قيود على الأرصدة البنكية، وأضرب أصحاب محطات الوقود والمخابز.

في هذه الظروف، قررت الحكومة فرض حزمة من الإجراءات على المواطنين لسد العجز في الموازنة المالية. ولم تكن تلك الإجراءات تستهدف مكالمات تطبيق «واتساب» فقط كما أُشيع، إنما كان مخططًا لها أن تنال من المواد النفطية والمحروقات ومن الضريبة على القيمة المضافة.

كانت هذه الخطوة التي فاضت بالكيل لدى الناس. تمامًا كما حدث في العام 2015 عندما نزل الناس للشوارع احتجاجًا على تراكم النفايات في الشوارع وعجز الحكومة عن إيجاد حلول جذرية للمشكلة، إلا بطمر النفايات في المناطق الأكثر فقرًا مثل عكار، شمالي البلاد.

كيف أخرج الحراك نفسه من الطبقة السياسية محتجًا على النخبة؟

متظاهرة في انتفاضة لبنان، 18 أكتوبر 2019

خرج الناس بدعوة عفوية، بعيدة عن الطبقة السياسية. في مناطق نفوذ حزب الله وحركة أمل، وخاصة في جنوب لبنان، كان خطاب المتظاهرين واضحًا. حطموا مكتب رئيس كتلة حزب الله في البرلمان محمد رعد، أحرقوا استراحة زوجة رئيس مجلس النواب راندا بري في مدينة صور عن بكرة أبيها، هتفوا ضد الجميع. 

وقرب ضريح رئيس الحكومة اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وهو مهندس سياسة القطاع الخاص في لبنان، وقف ما يقارب 10 آلاف لبناني، وهذا رقم ضخم بالنسبة لعدد السكان، وهتفوا ضد الجميع. هتفوا «الشعب يريد إسقاط النظام» كما هتف التوانسة. ورددوا «بكرة الثورة تشيل ما تخلي» كما نقول في مصر. كان الشارع اللبناني ينصت لشعارات الجماهير العربية لسنوات، لكنه لم ينطقها إلا الآن في وجه «الطبقة». 

تطابق المشهد بين المركز والأطراف. اعتصام مركزي في ساحة الشهداء، وفي منطقة البنوك والمحلات البرجوازية في العاصمة، واعتصامات أصغر في كل المناطق، صور وصيدا والنبطية وطرابلس والمتن وذوق مصبح والغازية وبعلبك.

ويتصدر النظام السياسي اللبناني الحالي، ما يُشار إليه بـ «العهد القوي»، إذ يرأس الدولة الجنرال العسكري ميشال عون، وهو حليف أساسي لحزب الله. كما تضمّ الحكومة 18 وزيرًا من الفريق المحسوب على حزب الله (8 آذار)، و12 وزيرًا من الفريق الآخر (14 آذار). وتتوزع الحكومة كالتالي: 11 وزيرًا من تعيينات التيار الوطني الحرّ برئاسة وزير الخارجية جبران باسيل، و5 وزراء لتيار المستقبل برئاسة رئيس الحكومة سعد الحريري، و4 وزراء لحزب القوات اللبنانية الذي يترأّسه سمير جعجع، و3 وزراء لحزب الله، و3 وزراء لحركة أمل، ووزيرين للحزب التقدمي الذي يترأّسه وليد جنبلاط، وعدد آخر من الوزراء.

منذ خرج آلاف اللبنانيين إلى مختلف المناطق والمدن والقرى حاولت الأطراف السياسية الحاكمة التمسح في التحركات المفاجئة تلك.

ألقى رئيس الحكومة سعد الحريري أمس خطابًا  تحدث فيه عن تفهمه للغضب، معلنًا عن مهلة مدتها 72 ساعة للحكومة التي يترأّسها للإصلاح ووقف الهدر والفساد. 

ميدانيًا، وفي منطقة المتن وسط لبنان، شارك نائب عن حزب الكتائب اللبنانية (يمين ديني مسيحي) في مظاهرات. وفي طرابلس، حاول نائب سابق المشاركة، غير أن المتظاهرين طردوه بعد اشتباكات شهدت إطلاق الرصاص الحيّ من مرافقيه تجاه المتظاهرين، ما أدى إلى إصابة 7 منهم، حالة اثنين منهم حرجة. حتى أن وزير الخارجية جبران باسيل، وهو اعتاد استخدام لهجة تصعيدية حادة، تصل في الكثير من الأحيان لازدراء المجتمع نفسه، كان هادئًا في خطابه إلى المحتجين، متمنيًا منهم مرور الأمور بسلام.  

انتهى تمسّح السياسيين في الحراك مع تصعيد الخطاب المضاد لهم. هاجمت عناصر ميليشيا حركة أمل المتظاهرين في النبطية في الجنوب، أدان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله مطالب وأسلوب الحراك، وقال إن الحكومة لن تسقط.

في كل الأحوال كان تنصل السياسيين من الحراك ومهاجمته أمرًا منتظرًا، في النهاية هذا الحراك موجه ضدهم أنفسهم. الناس هتفوا «نبيه بري حرامي»، «جبران باسيل حرامي». هتفوا كذلك ضد رئيس الجمهورية، وأحرقوا صور الكثير من السياسيين.

«بالطبع التاريخ لا يعيد نفسه، لا في لبنان وفي مصر ولا في أي مكان. لكن دروس التاريخ الأساسية، كأن الناس عندما تنقطع بهم سُبل العيش فإنهم يأكلون حكامهم، عندما يتجاهلها البعض فإنها لا تتغيّر، تبقى دروسًا ثابتة، وتفرض نفسها» هذا ما قاله أحد المتظاهرين لـ«مدى مصر».

اعلان