لماذا يتمتع المستثمرون بتخفيضات أكبر في أسعار الطاقة مقارنة بالمواطن العادي؟
 
 

خفضت الدولة أسعار البنزين المُباع للمواطنين هذا الشهر بمعدلات تتراوح بين 2.7 و3.7%، في تطبيق لآلية تسعير جديدة يفترض أنها تربط المحروقات المُباعة في محطات الوقود المحلية بالسعر العالمي للبترول. وتزامن هذا القرار مع خفض الحكومة لأسعار بيع الغاز للمصانع، ولكن هذا المصدر للطاقة خُفض سعر بيعه بمعدلات تتراوح بين 21 و 25%. فلماذا تنخفض أسعار الطاقة الموجهة للمستثمرين بمعدلات أعلى من أسعار الطاقة للمواطنين؟

ما هو حجم التخفيض في أسعار الغاز والبنزين؟

بعد زيادات متتالية في أسعار الوقود الموجه للمواطنين اقتربت بالعديد من منتجاته من سعر التكلفة، قررت الحكومة تطبيق آلية التسعير التلقائي على كافة منتجات البنزين، والتي تقرر من خلالها هذا الشهر خفض سعر لتر البنزين 25 قرشًا.

وبينما لم تشمل الآلية الجديدة للتسعير الغاز الموجه للمصانع، قامت الحكومة بالتزامن مع قرار خفض البنزين بخفض سعر بيع الغاز لبعض الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة بمبالغ تتراوح بين 2 دولار ( 33 جنيهًا)  و 1.5 دولار ( 24.75 جنيهًا) / لكل مليون وحدة حرارية.

وكانت الدولة بدأت منذ السنة المالية 2014 -2015 في إعادة هيكلة أسعار بنود الطاقة المختلفة للحد من تكلفة الدعم، وطالت عملية الهيكلة أسعار الطاقة لكل من المستهلكين والمستثمرين.

وأقرّت الحكومة تطبيق آلية التسعير التلقائي للوقود الموجه للمواطنين، باستثناء البوتجاز، منذ نهاية يونيو الماضي، بناءً على توصيات صندوق النقد الدولي الذي اقترضت منه مصر 12 مليار دولار في 2016 لدعم برنامج للإصلاح الاقتصادي.

من أين يأتي هذا التفاوت؟

تحدد آلية التسعير التلقائي أسعار المحروقات كل ربع سنة بناءً على الأسعار العالمية للطاقة وسعر صرف الدولار بالإضافة إلى تكلفة الطاقة المنتجة محليًا، بشرط ألا تتحرك الأسعار صعودًا أو هبوطًا إلا في حدود 10% من السعر.

بينما تستند معايير تحديد سعر بيع الغاز الموجه للمصانع وتحديدًا كثيفة الاستهلاك للطاقة «إلى تغيّرات الأسعار العالمية والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية» بحسب ما أعلنت عنه الحكومة والتي قالت إن الأسعار سيتمّ النظر فيها كل نصف عام.

الأسعار العالمية للطاقة إذًا هي العنصر المشترك في تحديد أسعار الطاقة للمواطنين والمستثمرين، لكن ما يتميز به المستثمرون هو دخول عنصر «المتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية» في معادلة حساب أسعار الطاقة الموجهة لهم، وهو ما يفتح الباب لممارسة رجال الأعمال الضغوط لخفض أسعار الطاقة الموجهة لهم.

رأي المراقبون في دوافع القرارات الأخيرة: 

«الخفض الأخير في أسعار الغاز الموجه للمصانع جاء بالاتفاق مع أصحاب المصالح» كما يقول مدحت يوسف، النائب الأسبق لرئيس الهيئة العامة للبترول، لـ «مدى مصر».

وأوضح يوسف أن أسعار الغاز الأخيرة استهدفت خفض تكلفة الطاقة على الصناعة لتعزيز فرص المصنعين في التصدير.

وشهدت أسعار حديد التسليح تراجعًا بنحو 8.4 % خلال أكتوبر الجاري -عقب قرار خفض سعر الغاز- في الوقت نفسه أعلن مصنعو السيراميك خفض أسعار منتجاتهم 5%.

وبحسب محمد سعد الدين، رئيس لجنة الطاقة باتحاد الصناعات  المصرية، فإن «الخفض الأخير لسعر الغاز جاء بعد مطالبات عديدة ومستمرة منذ 2014، واستجابت الحكومة بالفعل في 2016 فصدر قرار بخفض سعر الغاز لأربعة دولارات ونصف لصناعة الحديد والصلب، ولكنه لم يدخل حيز التنفيذ بسبب برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي شرعت الحكومة في تنفيذه في ذلك الحين، نظرًا لاستهداف البرنامج خفض دعم الطاقة بشكل عام وتقليل عجز الموازنة من خلال إعادة هيكلة منظومة الدعم».

كما تابع المصنعون، بحسب سعد الدين، مطالباتهم بخفض السعر  لثلاث سنوات أخرى (2016- 2019) حتى جرى الخفض الأخير.

هل التخفيض لتعويض المصنعين عن زيادة العام الماضي؟ 

تمتع أصحاب الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة لسنوات طويلة بأسعار مميزة للغاز جعلت من السوق المصري نقطة جذب لهذا النمط من الاستثمارات. 

وفي 2014، رُفعت أسعار الطاقة الموجهة لهذه الصناعات بما جعلها تقترب من السعر العالمي للطاقة، وهو ما ساهم في ضغط هوامش أرباح هذه الصناعات، وساعد ذلك على زيادة ضغوط المصنعين لخفض الأسعار مجددًا، وهو ما يفسر سبب تراجع أسعار الغاز بمعدلات أعلى من البنزين في القرارات الأخيرة للحكومة.

وزاد سعر الغاز الموجه لصناعة الأسمنت منذ 2014 إلى ثمانية دولارات لكل مليون وحدة حرارية، ووصل سعره إلى سبعة دولارات لصناعات الحديد والصلب والسيراميك والنحاس والألمونيوم.

وتسببت زيادات الطاقة في خسارة صناعة السيراميك فرصًا تصديرية بنحو 579 مليون دولار خلال الفترة من 2014- 2017، بحسب دراسة صادرة عن شعبة السيراميك باتحاد الصناعات.

كما أدت زيادة أسعار الغاز إلى تراكم مديونيات شركات السيراميك لقطاع البترول لتصل إلى نحو 6 مليار جنيه لما يقرب من 30 مصنعًا، بحسب رئيس شعبة السيراميك شريف عفيفي.

و لم تكن باقي الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بأحسن حالًا في ظل أسعار الطاقة المرتفعة، حيث يقول بنك الاستثمار «فاروس» إن قطاع الحديد تعرض خلال الفترة الأخيرة للخسائر، «بسبب ارتفاع كافة تكاليف الإنتاج ومن بينها الطاقة».

وتشير القوائم المالية لمجموعة عز لحديد التسليح، على سبيل المثال، إلى تحقيق المجموعة صافي خسائر بقيمة 696.6 مليون جنيه في 2014، و418 مليون جنيه خلال 2015، وزادت خسائر المجموعة في عامي 2017 و2018 إلى نحو مليار و97 مليون ومليار و29 مليون جنيه على التوالي.  

ويقول النائب الأسبق لرئيس هيئة البترول إن المعادلة السعرية للجنة التسعير وضعت في حسبانها شكاوى المصنعين من تراجع قدرتهم التنافسية للتصدير نتيجة ارتفاع تكلفة الصناعة في مصر، ومن ثم زيادة أسعار المنتجات المصرية في السوق العالمي مقارنة بباقي المنتجات غير المصرية.

هل من العدالة أن ندعم كل المصنعين بالتساوي؟

قد تكون خسائر المصنعين مبررًا لدى الحكومة لهذه الخفض الكبير الذي قدّمته لهم مقارنة بالمواطنين، ولكن هل يستحق كل أصحاب الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة هذا الدعم؟

«لستُ ضد دعم هذه الصناعات، ولكن أرى أن آلية الدعم المتبعة خاطئة» كما يقول سعد الدين، موضحًا أن بعض المصانع تحصل على الغاز المدعم ولا تتجه للتصدير، مما يُقلل من العائد الاقتصادي لهذا الدعم.

لذا يقول: «لابد من ربط  سعر بيع الغاز المخفض بمعدلات معينة للصادرات إذا تحققت يتمّ منح المُصنع الغاز المخفض، وإذ لم تتحقق يتمّ محاسبته بالسعر الأصلي». 

ويقترح سعد الدين تقديم الغاز بسعر التكلفة لمختلف الصناعات، وتقديم الدعم للصناعات التي تحتاج للدعم من خلال الآليات المختلفة لبرنامج رد الأعباء التصديرية.

وتبلغ ميزانية برنامج رد الأعباء التصديرية، والذي يُمول من الموازنة العامة للدولة، نحو 6 مليار جنيه للسنة المالية الجارية، ويتمّ من خلاله دعم المصدرين عن طريق عدة آليات منها آلية الدعم النقدي والتي تمثل 40% من إجمالي الميزانية بقيمة 2.4 مليار جنيه، ويتمّ تقديم أشكال أخرى من الدعم في صورة عمليات تخصيم من التزامات الشركات المصدرة لدى وزارة المالية ودعم البنية التحتية للتصدير.

ويرى سعد الدين أن صناعة الأسمنت لن تستفيد من الدعم الأخير بنسبة كبيرة لأن الكثير منها تحوّلت للاعتماد على الفحم عقب زيادة أسعار الغاز في 2014، وهو ما يؤكد أن حصول هذه الشركات على غاز مدعم سيذهب لأغراض غير تلك المخصص لها، بحسب قوله.

وتستحوذ الصناعة بمختلف قطاعاتها على 20% من الغاز المتداول بينما يستحوذ قطاع الكهرباء على 60% من الغاز و10% أخرى تذهب للصناعات البتروكيماوية والبترولية والنسبة المتبقية للمنازل والسيارات، بحسب يوسف.  

وفي مقابل وجهة النظر السابقة، يرى النائب الأسبق لرئيس الهيئة العامة للبترول 

أن القرار الأخير بخفض أسعار الغاز كان صائبًا ويقلل من خسائر الاقتصاد.

ويوضح يوسف أن اللجنة المُشكلة من مجلس الوزراء تضع في اعتبارها عند تقييم أسعار بيع الغاز للمصانع كثيفة الاستخدام تكلفة الوقود البديل «بمعنى أنها تسأل إذا لم يكن سعر الغاز مناسبًا للمصنعين فما هو  البديل؟ فمثلًا في حالة الصناعات الكثيفة الاستخدام للطاقة فإن الوقود البديل هو المازوت أو الفحم والمازوت وتكلفته أعلى من الغاز والفحم ملوث للبيئة ومعالجة الآثار الصحية لاستخدامه ستكبد الموازنة العامة مليارات كثيرة، لذا فالأفضلية هنا تكون منح الغاز ميزة نسبية لتشجيع استخدامه».

واتجهت بعض الصناعات الحرارية مثل الطوب والسيراميك في الفترة الأخيرة للتوسع في استهلاك البوتجاز بدلًا من الغاز، في الوقت الذي تدعم فيه الدولة البوتجاز وتزداد تكلفة هذا الدعم كلما زاد استهلاكه. 

اعلان
 
 
أميمة إسماعيل