عمالقةٌ بالون: 6- نعلن حصانة ذواتنا الافتراضية على سلطانكم

في 2009، رفضت فيسبوك وتويتر توظيف بريان أكتون (Brian Acton) المهندس السابق لدى ياهو. قرر بريان مع جان كوم (Jan Koum) زميله السابق في ياهو إطلاق تطبيق واتسآب. لاقى التطبيق انتشارًا واسعًا خلال السنوات التالية، حتى اشترته فيسبوك بمبلغ 19 مليار دولار، وانتقل جان وبريان للعمل على تطوير واتسآب تحت مظلّة فيسبوك. وفي 2017، ترك بريان العمل في فيسبوك وأعلن أن ذلك اعتراضًا على الطريقة التي يتعامل بها فيسبوك مع بيانات المستخدمين.

واتسآب على هاتف آي فون (2010)

بعد عام من إطلاق واتسآب، كان المهندس والباحث في مجال الأمن الرقمي  موكسي مارلينسبايك (Moxie Marlinspike) يعمل في تويتر كرئيس لفريق الأمن الرقمي بتويتر، وأسس شركة Whisper Systems. كانت تطبيقات التراسل الفوري على الهواتف المحمولة قد انتشرت والحديث عن الخصوصية وفضائح الحكومات والشركات تجاه مراقبة المستخدمين انتشرت أيضًا. أطلقت شركة Whisper Systems التي أسسها موكسي تطبيقين للهواتف الذكية، TextSecure للمراسلات النصية و RedPhone للمكالمات الصوتية، التطبيقان كانا يوفران تشفيرًا قويًا وتعهدًا بحماية خصوصية المستخدمين. واستحوذت تويتر على الشركة في سنة 2011.

موكسي مارلينسبايك

في 2013، ترك موكسي تويتر وأسس شركة Open Whisper Systems كمشروع مفتوح المصدر للاستمرار في تطوير تطبيقي ريد فون وتكست سيكيور. في 2015، ضُم التطبيقان في تطبيق واحد تحت اسم «سيجنال». لاحقًا في 2017، أسس موكسي مارلينسبايك مع بريان أكتون مؤسس واتسآب -في نفس عام تركه لفيسبوك- مؤسسة غير هادفة للربح تحمل اسم «سيجنال» وتبرع بمبلغ 50 مليون دولار لها.

مع نهاية سنة 2010، كانت صفحة «كلنا خالد سعيد» لديها شعبية واسعة ونظّمت الصفحة العديد من السلاسل البشرية والمظاهرات دعمًا لقضية خالد سعيد وضد ممارسات التعذيب واسعة الانتشار من جهاز الشرطة. كانت الصفحة تُدار من وائل غُنيم، الموظف بجوجل، وعبدالرحمن منصور، الصحفي والمدون. في نهاية 2010، أطلقت صفحة خالد سعيد الدعوة للتظاهر يوم 25 يناير تزامنًا مع عيد الشرطة تحت شعار «ثورة على التعذيب والبطالة والفساد والظلم».

بن علي هرب

 

لقطة تظهر المواطن التونسي عبدالناصر العويني صاحب مقولة : بن علي هرب، لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة

في بداية سنة 2011، كنت أحضر لقاء نُظم في القاهرة مع المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في حرية التعبير حول أوضاع حرية التعبير وحرية الإنترنت في المنطقة العربية، شارك في هذا اللقاء العديد من النشطاء العرب وأذكر منهم كمال العبيدي الصحفي والناشط الحقوقي التونسي، ومالك خضراوي، المدون التونسي. كانت الأخبار الآتية من تونس تدعو للتفاؤل، مظاهرات تملأ تونس بعد أن أحرق محمد البوعزيزي نفسه تعبيرًا عن غضبه من مصادرة سلطات البلدية لعربة الخضار والفاكهة التي يكسب منها رزقه. بعد انتشار المظاهرات في تونس وعدم قدرة النظام على الصمود، هرب بن علي إلى فرنسا التي رفضت استقباله فاتجه إلى السعودية، واحدة من أكثر الدول التي حاربت ثورات الربيع العربي. كان هروب بن علي يدعو للتفاؤل وإمكانية التغيير. أذكر وقتها أن أصدرت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان عدد من مجلة «وصلة» وعلى غلافها عبارة «الإجابة تونس». «وصلة» هي دورية ظلّت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان تصدرها على مدار سنوات لتجمع بها ما يكتبه المدونون ونشطاء الإنترنت.

يوم هروب بن علي أعطاني كمال العبيدي (الصحفي والناشط الحقوقي التونسي) هدية ميدالية على شكل كف فضي به خرزة زرقاء وعين.

الإجابة تونس

 

غلاف العدد الثاني عشر من صحيفة وصلة، الصادرة عن الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان

ثمة أمور لا تبدو مُقنعة، فكيف لثورة أن يُحدّد لها موعد ومكان؟

في بداية 2011، كانت الأمور مستقرة نسبيًا، على الرغم من وجود بعض الأحداث الضخمة التي لا تبدو أنها ستسقط النظام: حادثة القديسين وحادثة خالد سعيد ونتائج انتخابات مجلس الشعب المزورة وإضرابات عمالية و بعض الفعاليات التي نظمتها صفحة «كلنا خالد سعيد» وحركة شباب 6 أبريل. كانت دعوة التظاهر يوم 25 يناير قد انتشرت على الإنترنت والشبكات الاجتماعية. كثيرًا ما كان أصدقاء يمزحون حول الدعوة لثورة عبر فيسبوك: نتقابل في الثورة؟ عملت «أتندينج» في الثورة؟

كانت التوقعات متواضعة وفي غالبها تدور حول مظاهرة ضخمة في ميدان التحرير. لم يتوقع أحد أن تتطور الأمور لتصبح ثورة.

بدا الوضع متوترًا في منطقة وسط البلد وميدان التحرير صباح يوم 25 يناير 2011، وامتلأ تويتر وفيسبوك بدعوات للتجمع في أماكن عديدة في القاهرة والمحافظات، وانتشر مخبرون بزي مدني في جميع شوارع وسط البلد. مع مرور الوقت، بدت الأمور مختلفة. بدا واضحًا أن التحركات لن تنتهي سريعًا. نزلت إلى التحرير ثم توجهت إلى مركز هشام مبارك للقانون وهناك قابلت أحمد سيف الإسلام حمد ليلًا: «ثورة ولا إيه يا سيف؟». قال لي «أهي لو طلعت ثورة يا طاهر هعزمك على قلقاس أخضر لو نجحت».

مع تطور المظاهرات، كان هشام مبارك يعج بالنشطاء، حتى أني قضيت أغلب الأيام في مقره. عشرات النشطاء اتخذوا من مقر هشام مبارك نقطة لنشاطهم. أذكر جيدًا مدى سعادة الموجودين بتشغيل جهاز التليفزيون في المقر بعد قطع الاتصالات.

في أيام الثورة، كان هناك تقسيم عمل داخل هشام مبارك: مجموعات تقوم بجمع الأخبار وأخرى تتواصل مع محاميي جبهة الدفاع عن المتظاهرين وآخرون يعملون على نشر الأخبار على الإنترنت قبل قطعه وبعد رجوعه، بالإضافة للمهمة الأكثر إرهاقًا في توفير الإعاشة.

ما زلت أذكر العديد من المشاهد داخل هشام مبارك. أذكر شكل سيف جالسًا أو نائمًا وسط عشرات الشباب، وأذكر جيدًا نشاط مالك مصطفى الموزع بين الميدان وبين توفير الطعام والأغطية داخل هشام مبارك، حتى أنه أصبح يعرف متطلبات العديد من الموجودين. وأذكر ذهابنا، سيف وأنا، لمنزل أحد الأصدقاء بوسط القاهرة، على ما أذكر كانت المرة الأولى التي نستخدم فيها ماءً دافئًا للاستحمام منذ أيام. وأذكر جيدًا يوم أن جلست عدة ساعات مع أحمد غربية وآية عبد الله لإعداد أكياس بها كمامات مبللة بالخل ومغلقة جيدًا، «ودي هتعمل حاجه يا غربية؟»، «آه المفروض إنها تقلل تأثير الغاز». بعد الثورة بأكثر من أربعة أعوام ذكّرني أحمد بهذا اليوم برسالة نصية قال فيها إنها المرة الأولى منذ الثورة التي يأتي فيها أمام تلك الصيدلية التي اشترينا منها كمامات.

صورة لصفحة من صحيفة المصري اليوم، في أحد الأعداد الصادرة وقت الثورة

في إحدى الليالي، كانت الأخبار قد وصلت لنا في هشام مبارك أن الاتصالات ستُقطع عن كامل الجمهورية، سبقها على ما أذكر حجب بعض مواقع التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر. في جلسة بهشام مبارك قبل قطع الاتصالات بساعات قليلة رأى بعض الأصدقاء أن قطعها ربما يُنبئ بحريق جديد للقاهرة كالذي حدث في 1952 وتفسيرات أخرى عديدة تتعلق بقطع الاتصال بين من في الميدان ومن خارجه لتعطيل التنسيق للتحركات ووصول إمدادات الإعاشة.

في وقت قطع الاتصالات، كانت الأمور سيئة جدًا. لم يستطع النشطاء التواصل مع بعضهم ولا ذويهم. كنت قد تواصلت مع أهلي لطمأنتهم قبل قطع الاتصالات بوقت قليل جدًا، وأخبرتهم أن الاتصالات ستُقطع. «ماتقلقوش أنا تمام بس بيقولوا الاتصالات هتتقطع، كلموني على الرقم دا لو ماعرفتوش توصلولي اليومين الجايين»، وأعطيت أخي رقم هشام مبارك الأرضي.

كانت وكالات الأخبار والقنوات الفضائية والصحف تعتمد بشكل أساسي على الإنترنت في نقل الأخبار والتواصل مع مراسليها أو متابعة ما يكتبه النشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي. بعد أن تم قطع الاتصالات، أصبحت هناك مشكلة ضخمة في الوصول للأخبار. إلا أن البعض قد طور آليات أخرى للنشر على الإنترنت والتواصل فيما بيننا، والبعض الآخر قد وجد سبيلًا للوصول للإنترنت عبر شركة نور التي لم تنقطع عنها خدمة الإنترنت.

علاء عبدالفتاح وقتها كان ما يزال في جنوب أفريقيا، وقرر الرجوع. كان وقتها يتواصل بالهاتف الأرضي معنا في هشام مبارك لنقل ما يحدث على الإنترنت. بعدها بأيام قليلة جدًا قابلت علاء ومنال في الميدان.

وأذكر موقعة الجمل عندما رأيت جمال وخيول تدخل الميدان، يركبها مواطنون بأيديهم عصا طويلة. المشهد بالكامل كان عبثيًا ويبدو كما لو أنه جزءًا من فيلم لرأفت الميهي، خاصة بعد أن شاهدت جملًا في وسط الميدان، كان تم أسره من الثوار.

في أحد صباحات الثورة استيقظت وقررت النزول من مقر هشام مبارك متوجهًا إلى مقر الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. نزلت معي صديقتي سالي متوجهة أيضًا لمقر عملها بالقرب من هشام مبارك. كانت الشوارع متوترة جدًا، ودائمًا ما نسمع عن خطف أحد المتظاهرين أو سحله في الشارع. بعد وصولي لمقر الشبكة بدقائق جاءتني أخبار اقتحام هشام مبارك والقبض على الموجودين به.

كانت المعنويات مرتفعة ومرّ 18 يوم قبل أن يُبث خطاب التنحي. كنت قد تركت الميدان قبل خطاب التنحي وذهبت إلى أحد المقاهي لأنجز بعض الأشياء على الإنترنت. وجدت إعلانًا على فيسبوك بأن هناك بيان سيصدر بعد قليل، أغلقت حاسوبي ورجعت الميدان. بعدها بدقائق كان خطاب التنحي قد أُذيع واختلط البكاء بالهتاف وبالفرحة.

العنوان مقتبس من “إعلان استقلال للفضاء السبراني” تأليف : جون پِري بارلو (1996) وترجمة أحمد غربية (2005)

الحلقات السابقة من «عمالقةٌ بالون»:

1- مواطن جديد آتٍ للفضاء السيبراني

2- اكتشاف العالم الموجود في كل مكان وفي اللامكان

3-  بلُج أم بلوغ؟

4- نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه

5- عمالقةٌ بالون: 5- سوف نخلق حضارة للعقل في الفضاء السبراني

اعلان
 
 
محمد الطاهر