أكثر من مجرد «ربع جنيه»: «س وج» عن خفض أسعار البنزين
 
 

تتداخل العديد من العوامل في تحديد أسعار الوقود تحت آلية التسعير التلقائي، التي بدأ تطبيقها على كافة منتجات البنزين في شهر أكتوبر الجاري، وتشمل أسعار الطاقة العالمية وسعر الصرف وتكلفة إنتاج المواد البترولية محليا، فأي من هذه العوامل هو الذي رجح الخفض الأخير لأسعار البنزين؟ وكيف سينعكس ذلك على مستويات التضخم في مصر؟

كانت اللجنة الوزارية للتسعير التلقائي للمواد البترولية قد أعلنت في وقت سابق من الشهر الحالي خفض سعر بيع منتجات البنزين بأنواعه الثلاثة بقيمة ٢٥ قرشًا للتر، فضلًا عن خفض سعر طن المازوت للاستخدامات الصناعية بـ ٢٥٠ جنيها، ليصل سعر الطن إلى ٤٢٥٠ جنيهًا. ويمثل هذا القرار أول تطبيق لما يسمى بالتسعير التلقائي -أي المتغير بناءً على سعر التكلفة- الذي يعاد النظر فيه كل ثلاثة أشهر، بعد تأسيس اللجنة في مطلع يوليو الماضي بناءً على اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

ويمثل هذا الانخفاض الطفيف تغيرًا ملفتًا للنظر بعد خمسة قرارات برفع سعر بنزين 80 و92 و95 بنسب تراكمية بلغت 650% و332% و54% بالترتيب، وبرفع سعر المازوت بنسبة تراكمية بلغت 131% تقريبًا، ضمن برنامج للتخلص من دعم الوقود.

كيف تتحدد تكلفة الإنتاج؟

تكلفة الحصول على المواد البترولية واحدة من أهم العناصر تعتمد عليها اللجنة الوزارية للتسعير التلقائي في تحديد أسعار الوقود.

وقد استندت لجنة التسعير في قرارها الأخير بخفض الوقود إلى انخفاض متوسط أسعار البترول عالميًا، كواحد من العناصر التي أثرت على تكلفة الطاقة بمصر ومن ثم سمح ذلك بنزول أسعار البنزين.

لكن تحديد تكلفة الحصول على المواد البترولية ليست مسألة بسيطة تقتصر على متابعة أسعار النفط العالمية وإنما تتداخل فيها العديد من العوامل الأخرى.

ويقول مدحت يوسف، النائب الأسبق لرئيس للهيئة العامة للبترول، إن تحديد تكلفة إنتاج المواد البترولية «تستند إلى معادلة معقدة تشمل عدة متغيرات هي تكلفة استيراد البترول من السوق العالمي وتكلفة شراء البترول من حصة الشريك الأجنبي في السوق المحلي، بالإضافة لحصة مصر من البترول وفقًا للعقود الموقعة مع الشريك الأجنبي وتكلفة تكرير البترول في الشركات المملوكة للدولة والشركات المملوكة للقطاع الخاص، وكذلك تكلفة استيراد بعض كميات من البترول المكرر -بسبب العجز الحالي في القدرات المحلية من التكرير، فضلًا عن تكلفة النقل والتسويق».

وتكرير البترول هو فصل مكونات البترول الخام كل على حدة تمهيدًا لتحويله للمنتجات البترولية المتداولة في الأسواق.

«مع العلم أنه يعد لكل عنصر من العناصر السابقة وزنًا نسبيًا مختلفًا في تلك المعادلة، لأن الكميات المنتجة مثلًا من المواد البترولية محليًا تختلف عن الكميات المستوردة، وهكذا بالنسبة لبقية عناصر تلك المعادلة»، حسبما يضيف يوسف الذي شغل في السابق كذلك منصب نائب رئيس شركتي ميدور وموبكو للتكرير.

ويوضح نعمان خالد، محلل اقتصاد كلي في بنك الاستثمار سي أي كابيتال، أن ثمة عوامل محلية أسهمت في الحد من تأثير انخفاض أسعار النفط العالمية على قرار لجنة التسعير التلقائي في مصر.

وكان السعر العالمي لمزيج برنت انخفض عالميًا من 68 دولارًا في المتوسط في ثلاثة أشهر، من أبريل حتى نهاية يونيو، إلى 62 دولارًا في المتوسط في الثلاثة أشهر اللاحقة، من يوليو حتى نهاية سبتمبر، وهو انخفاض يقترب من 9%، في حين أن الانخفاض بسعر بيع منتجات البنزين الثلاثة للجمهور في مصر بلغ 3% تقريبًا.

ومزيج برنت هو أحد أنواع البترول الخام المستخرج من حقول في بحر الشمال قبل أن ينضب لاحقًا، وهو يستخدم حاليًا فقط كمعيار لتسعير أنواع النفط الخام المختلفة.

ويوضح خالد «في الوقت الذي انخفض فيه سعر البترول عالميًا ارتفعت تكلفة التكرير في الشركات الحكومية بسبب أعمال صيانة دورية في نفس الفترة من كل عام، تحديدًا في شهر سبتمبر».

لكن هناك محللون يرون أن تكلفة الحصول على البترول في مجملها لم تكن العامل الحاسم في الخفض الأخير، وإنما ارتبط الأمر بسعر الصرف، الذي أشار إليه مجلس الوزراء وهو يشرح الأسباب القائمة وراء قرار لجنة التسعير.

«ارتفع سعر الجنيه مقابل الدولار خلال الأشهر الثلاثة السابقة بنحو 3%، وهي نفس نسبة الانخفاض الأخير في أسعار البنزين تقريبا»، تبعا لمحمد أبوباشا، نائب رئيس بحوث الاستراتيجية الكلية بقطاع البحوث بالمجموعة المالية هيرميس، الذي يستنتج مما سبق «أن يكون تسعير البنزين قد استبعد لسبب أو لآخر تأثيرات تراجع سعر مزيج برنت واستند في المقام الأول لارتفاع سعر الجنيه» على حد قوله.

هل انخفضت تكلفة الحصول على النفط حقًا؟

هناك رأي ثالث يرى أن كلًا من أسعار النفط العالمية أو سعر صرف الدولار في مصر لم يكونا العاملان الحاسمان في تحديد أسعار البنزين، كما يقول لـ «مدى مصر» مصدر مسؤول سابق رفيع المستوى في وزارة البترول طلب عدم ذكر اسمه.

وعلى صعيد سعر الصرف يوضح المصدر أنه بالرغم من استمرار تعافي الجنيه مقابل الدولار خلال الأشهر الثلاثة السابقة على قرار لجنة التسعير التلقائي في أكتوبر، لكن سعر صرف الدولار للسلع الأساسية المستوردة، ومنها سلع بترولية، كان يتحدد إداريًا من خلال «الدولار الجمركي»، وكان سعر الصرف ثابتًا عند 16 جنيهًا لأكثر من 30 شهرا، بل وزاد سعر الصرف للمستوردين مع إلغاء الدولار الجمركي في مطلع سبتمبر الماضي.

والدولار الجمركي هو تسعير إداري للعملة الصعبة، بدأته الدولة في يناير 2017، والهدف منه هو السماح للمستوردين بسداد الجمارك المستحقة على بضائعهم والحصول على العملة الأجنبية على نحو يحد من تكاليف أسعار الواردات في حال ارتفاع سعر الدولار في السوق.

وبعد إلغاء الدولار الجمركي في مطلع الشهر الماضي، أعلنت مصلحة الجمارك عن سعر الدولار الذي ستقبل التعامل به عند 16.62 جنيه، والذي يتفق مع الأسعار المعلنة من البنك المركزي.

وبصفة عامة فإن المصدر يرى أن العوامل المؤثرة على تكلفة الحصول على البترول لا تنعكس على السعر النهائي للمنتج بشكل سريع، لذا فهو يشير إلى أن «تراجع أسعار النفط العالمية ( في الفترة من يوليو إلى سبتمبر) لا يمكن أن ينعكس بهذه السرعة على تكلفة المواد البترولية لأن العقد الموقع لشراء كمية معينة من البترول الخام مثلا لن يصل إلى خزان سيارة المواطن العادي قبل فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، أي أن الصفقات الأرخص نسبيًا، التي عقدتها الحكومة لشراء النفط لم تصل بعد إلى المستهلك»، مفسرًا ذلك بأن تكلفة المواد البترولية لم تنخفض فعلًا بما يبرر انخفاض بقيمة 25 قرشًا في سعر البيع للجمهور.

في «حقيقة الأمر، الحكومة غالبًا أرادت إضفاء بعض المصداقية على آلية التسعير التلقائي للمواد البترولية في أول تحريك للأسعار بعد تأسيسها»، كما يقول المصدر، مضيفًا أن «خفض السعر يسمح بتبديد شكوك الجمهور في معنى تحرير سعر المواد البترولية، لأن الجمهور ليس مقتنعًا بأن أي تحرير للأسعار قد يسمح بانخفاضها وإنما يتوقع ارتفاع الأسعار فقط».

ماذا عن التضخم؟

ساهمت الارتفاعات المتوالية في أسعار الوقود بين في الفترة بين منتصف عامي 2014 و2019 إلى جانب أسباب أخرى كتحرير سعر الصرف في الارتفاعات القياسية التي شهدتها معدلات التضخم خلال تلك المدة، وهو ما قد يستدعي في المقابل التساؤل حول تأثير «الربع جنيه» المثير للجدل في خفض التضخم.

ويرى محللون أنه «من غير المرجح أن ينعكس الانخفاض في أسعار الوقود إيجابيًا على معدل التضخم في الأجل القصير حتى لو كان الخفض أكبر من مجرد 25 قرشًا»، حسبما يقول أبوباشا، موضحًا أن «الشركات عموما ستتريث طويلًا قبل أن تتخذ قرارًا بإعادة تسعير منتجاتها بناءً على تراجع أسعار الوقود لأن انخفاض أسعار الوقود هو أمر غير متعارف عليه في مصر على نحو ينبغي التأكد أولًا من استدامته قبل اتخاذ قرار بناءً عليه».

ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أن نشير إلى أن الدولة اعتمدت مؤخرًا على وسائل جديدة تقلل من تأثرها بصدمات ارتفاع أسعار البترول عالميًا، وهو ما سيحد من تأثير تذبذب أسعار النفط العالمية على أسعار المحروقات المحلية، ومن ثم من تأثر التضخم بأسعار الطاقة. حيث وقعت الحكومة المصرية عقدين للتحوط ضد مخاطر ارتفاع أسعار البترول في سنة 2019/2018، ثم في 2020/2019.

وعقود التحوط ضد مخاطر أسعار البترول هي اتفاقات بين الحكومات ومؤسسات مالية، تسدد بموجبها الحكومات المستوردة للنفط  أقساط سنوية لتلك المؤسسات مقابل تحمل الأخيرة تسديد تكلفة أي ارتفاع في أسعار البترول في السوق العالمي عن مستوى معين يجري الاتفاق عليه مسبقًا مع تلك المؤسسات.

وأدرجت الحكومة المصرية في موازنة 2020/2019 -السنة المالية الحالية- سعرًا لبرميل البترول يبلغ 68 دولارًا، يمثل توقعاتها بشأن سعر البترول خلال السنة المالية الجارية، ويمثل كذلك الحد الأقصى الذي ستتحمل تسديده على أن تتحمل مؤسستي «جي بي مورغان تشيس» و«سيتي غروب» الأمريكتين أي تكلفة إضافية في حال ارتفعت أسعار النفط في السوق العالمي عن هذا الحد.

أما تكلفة  أقساط عقود التحوط تلك، «فتُضيفها الحكومة إلى تكلفة إنتاج المواد البترولية وبالتالي إلى سعر البيع للمستهلك.. لكنها لا تمثل إلا تأثيًرا هامشيًا على كل حال، بسبب قيمتها الهامشية قياسًا إلى إجمالي تكلفة إنتاج المواد البترولية» كما يقول المصدر.

لكن من ناحية أخرى، فـ «الحماية» التي تمنحها هذه العقود لا يمكن أن تمنع ارتفاع أسعار البيع للمستهلك في حال ارتفعت تكلفة إنتاج المواد البترولية لأي سبب آخر بخلاف سعر خام النفط في السوق العالمي.

ويقول مدحت يوسف إن عقود التحوط تحمي الموازنة من تأثيرات التذبذب في أسعار البترول في السوق العالمي فقط، وليس تأثيرات بقية عناصر التكلفة النهائية لإنتاج المواد البترولية، فـ «مثلا لا يمكن لمثل هذه العقود أن تقلل من تأثير التذبذب في أسعار الصرف أو تأثير ارتفاع حجم الواردات من المواد البترولية مقابل الاستهلاك من الإنتاج المحلي ولا تكلفة النقل والتكرير والتسويق»، ما يعني «أن التذبذب في أي من تلك العناصر سيظل مؤثرًا في تكلفة الإنتاج وبالتالي في سعر البيع للمستهلك الذي تحدده لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية».

لكن في كل الأحوال لا يسمح قرار تأسيس لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية بخفض الأسعار أو رفعها إلا بنسبة 10% من السعر الساري  كحد أقصى، وهو ما يعني «أن اللجنة ستخفض سعر البيع للمستهلك بحد أقصى 10% حتى في حال انخفضت التكلفة عن هذا الحد، مقابل أن تلتزم بعدم رفع الأسعار إلا بنفس النسبة كحد أقصى حتى لو ارتفعت التكلفة.. فيما يشبه عقد لاقتسام المخاطر بين المستهلكين والحكومة»،  حسبما يقول يوسف.

اعلان
 
 
بيسان كساب