سهرة مع الفيلم النادر «مأساة الدكتور حسني»
 
 

أثناء مشاهدتي لهذا الفيلم أحسست أني شاهدته من قبل، ثم تذكرت. لقد شاهدته بالفعل على إحدى  قنوات التلفزيون المصري الأرضي منذ سنوات عديدة، بل وتذكرت تعليق أحد النقاد بعد الفيلم على مشهد يخدع فيه المخرج المشاهد بين الحلم والواقع. سعدت بكوني عثرت مرة أخرى على الفيلم، ولكوني استمتعت به أيضًا لدرجة أني شاهدته مرتين. 

فيلم سهرة اليوم هو «مأساة الدكتور حسني»؛ وهو فيلم نادر من قناة «ماسبيرو زمان» المتخصصة في عرض القديم والنادر من برامج ومسلسلات التليفزيون المصري. يتميز الفيلم الدرامي القصير (30 دقيقة) بأجواء التشويق والغموض، فهو فيلم يلعب مع المُشاهد ويتلاعب به، بين العقل الواعي والعقل الباطن وبين الحلم والواقع، وفي قالب تحليل نفسي وما وراء الطبيعة. 

من المفترض أن الفيلم مأخوذ عن قصة للكاتب الإنجليزي سومسرت موم بعنوان «اللورد مونتدراجو»، وقام المخرج حسين الوكيل بتمصيرها. ولكن بالبحث على الإنترنت وجدت أن الفيلم المصري على الأرجح مقتبس من حلقة تلفزيونية بعنوان «لورد مونتدراجو» من إنتاج «بي بي سي» عام 1969. في النسخة المصرية، يتحوّل الصراع من كونه بين لورد إنجليزي ووزير الخارجية مع نائب معارض في البرلمان، ليصبح صراعًا بين أستاذ جامعي ومعيد في الجامعة.

في وسط محاضرته في مدرج الجامعة والتي بعنوان «صور اشتراك المواطن في الحياة السياسية»، وبعد أن تقع عين الدكتور حسني (محمود مرسي) على مُعيد حديث التعيين يبتسم له باستخفاف، يقف الدكتور فجأة ليغني «العتبة جزاز والسلم نايلون في نايلون» لينقلب المدرج إلى فوضى ويغني الجميع الأغنية الشهيرة، وتتحوّل المحاضرة لمهزلة.

من خلال هذا الفيلم القصير (30 دقيقة)، وفي حبكة دراما نفسية، نتابع قصة العلاقة الغريبة بين الدكتور والمعيد الذي يظهر له في أحلامه، ليحوّل حياته إلى جحيم. يمثل المعيد للدكتور كل ما يزعجه: «الولد ده تعدى كل الحدود، قمصانه ألوانها فاقعة مبتذلة، بنطلوناته ضيقة بطريقة رقيعة، وصدره دايمًا مفتوح عشان تبان السلسلة الدهب اللي معلقها في رقبته وشعره من كتر ما هو طويل يتهيألي إنه مخاصم كل الحلاقين، المهم إن مظهره المخنث وعربيته، والكلام اللي بيتحكي عن مغامراته النسائية خلته شخصية بارزة وسط الطلبة، بتفاهتهم طبعًا، وبعد ما اتعين معيد.. بلغت بيه الوقاحة إنه ينتقد آراء الدكاترة اللي علموه وللأسف الطلبة معجبين بيه».

يقوم ببطولة الفيلم محمود مرسي، والذي نستطيع القول من خلال تتبعنا لتاريخه، إنه كان متحمسًا للتجارب الجديدة والمختلفة، كما نرى مثلًا في اختياره للمشاركة فيلم «الليلة الأخيرة» (1963) لكمال الشيخ، وفي «شيء من الخوف» (1969) لحسين كمال، أو في «زوجتي والكلب» (1971) الفيلم الأول لسعيد مرزوق. يشارك مرسي البطولة الفنانة ذات الحضور الخاص ماجدة الخطيب التي تلعب دور الطبيبة النفسية، والتي بدورها قدمت أدورًا مميزة في تاريخها السينمائي، متنوعة ما بين الكوميدي والدرامي والسياسي، مثل «زائر الفجر» (1975) لممدوح شكري، و«ثرثرة فوق النيل» (1971) لحسين كمال، «العوامة رقم 70» (1982) لخيري بشارة.

أما مخرج فيلم الليلة فهو حسين الوكيل، الذي رغم تميزه في هذا الفيلم، من حيث تقديمه لعمل مشوق سريع الإيقاع، بأداء تمثيلي متميز واستخدام لأدواته من مونتاج وتصوير وديكور بشكل يشير لمخرج متمكن، إلا أن مشواره الإخراجي بعد ذلك لم يكن بنفس القوة، قد يكون أشهرها «الفول صديقي» (1985) لسمير غانم، وفيلم «شقة الأستاذ حسن» (1984) من بطولة يسرا وفاروق الفيشاوي. 

فيلم الليلة سهرة شيقة تستمتع فيها بأجواء بدايات السبعينيات، سواء في الجامعة مع الموسيقى والتفاصيل الصغيرة مثل الاهتمام بالكرة وانتظار أخبارها في الصحف، في فيلم نادر يستحق المشاهدة ستظل مشدودًا إليه حتى اللحظة الأخيرة.

اعلان
 
 
محمد يحيى 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن