تدوينة| 600 يوم حبس احتياطي.. الكتابة كوسيلة للمقاومة

كُتب علينا الشقاء كما كُتب على الذين من قبلنا.

إن الصراحة في أغلب الأحيان لا تدفع الأمور للسير قدمًا ولا تُحسّن من صورنا لدى الآخرين أو لدى أنفسنا، بل على الأرجح تؤدي إلى النقيض حيث تعقيد الأمور واهتزاز صوتنا وثقتنا في عيون الآخرين وعيون أنفسنا. الصراحة تدفع الأمور نحو الأسوأ، لكن على الأقل هذا الأسوأ يكون حقيقيًا وواضحًا وغير مزيف؛ وجلّ ما نحتاجه في هذه الظروف ألا نكون مزيفين أمام أنفسنا، إنه وقت المصارحة، وقت الفضح والتعري، وقت الأسوأ الحقيقي.

إنها مرحلة احتقار الذات، واحتقار الحياة بكل ما فيها من صراعات وعذابات وأكاذيب، احتقار البشر ذوي الفكوك الجاهزة لتهشيم كل شيء؛ الرؤوس والأرواح والقلوب، احتقار المخالب المغروسة في جباه الأرض تمتص خيراتها وتُلقي بنيرانها علينا.

مرحلة المقت ولا شيء غير المقت.

مرحلة احتقار القوة الباطشة واحتقار الضعف الوديع، احتقار سذاجة الماضي وبؤس الحاضر وأحلام المستقبل، احتقار الأمل الذي يدفعنا نحو الحياة، نحو العذاب.

الأمل هو الشر الخالص، هو الألم في كل لحظة والانكسار حين تنهار الأحلام، هو انتظار ما لا يأتي وتوقع ما لا يقع، ومناجاة من لا يستجيب ونداء من لا يسمع.

الأمل هو الضعف، هو قشة الغارقين وحلم الضائعين التائهين.

نحن الضائعون التائهون، نحن حبوب رمل في مهب الريح، زغب في وسط العاصفة، أو حصوات محشورة بين الفراغات أسفل بيادة أحدهم.

أرى نفسي كنملة عالقة في قطرة ماء تسقط من شاهق إلى جوف بئر بلا قرار!

إنها مرحلة الانحطاط، ألاحظه بوضوح في كل تفصيلة أعيشها. كل هذا الانحطاط المستمر -الذي أنا جزء أصيل منه- جعل مني كتلة جمادية لا تشعر، لكنها قابلة للكسر من أي طَرقِ أو خدش على جدارها الرقيق. الدرس الراسخ الذي يزرعه السجن بصدورنا هو الانحطاط.

أشياء عديدة نخجل من مجرد تذكرها أو خطورها على البال. نخجل من محادثة أنفسنا بها ونخشى أن يعلمها عنّا الغير. سقطاتنا الأخلاقية، الطُرق التي نفكر بها في لحظات الضعف والانهيار. تتبعنا لعورات الغير التي يخجلون منها وما نحن منها ببراء. كل الأشياء التي أشعرتنا سلفًا بكل وقاحة وخسة وهدوء كمن يُلقي السلام على غريب ثم يذهب، نقدّم الصورة المكروهة لأنفسنا بابتسامة بلهاء كمن يقدّم مشروب مجاني إلى ضيف ثقيل ونتجرعها ككأسِ نبيذ.

إنها مرحلة الانحطاط التي تدفعنا لأي فعل أرعن كي نشعر بأننا لا زلنا بشرًا حتى وإن كُنّا منحطين. بشري منحط خير من جماد بلا روح. الجماد يستحيل أن يصير إنسانًا، أمَّا البشري المنحط فمن الجائز أن يتحسن ويتعدل ويصير إنسانًا.

ما الذي فعلوه بنا؟!

الصراع المظلم الذي يغلِّفني بأذرعه العملاقة يصنع خللًا في العقل يجعله يلتف حول نفسه ويعمل ضد ذاته. هذا الفراغ يمنح العقل وقتًا زائدًا وإضافيًا وإضافيًا وإضافيًا كي يسأل كل الأسئلة التي أتحاشاها لأجدها في مرماي أينما وليت نظري. يمنحني وقتًا كي أتذكر كل لحظات الإخفاق والألم بتفاصيلها كافة، وبالتتابع الممل، يمنحني وقتًا كي أفكر في الوقت نفسه بمفهومه المجرد، في الوقت الذي مَّر مني والذي سُلب مني ولا زال يُسلب، في الوقت الذي خسرته لانشغالي عنه بمحاولات إقناع ذاتي بمقدرتي على الاستمرار.

اليوم علمت أن الوقت أبدًا لم يكن في صالحي ولن يكون.

لقد سأمت هذا المكان البغيض، كل ما حولي يتسم بالوخامة. هذا المكان جيفة وخيمة تبتلع كل ما تدب فيه الروح، الهواء وخيم مسموم لا يتحرك، الأرض ملعونة والبشر جثث راكدة، أمَّا السماء، فلا سماء لهذه الأرض.

قديمًا أخبر الرب الإنسان أن يخرج من تحت سمائه إن أراد عصيانه، واليوم وجدت أرضًا بلا سماء تخرج عن طوع الرب، يمارس فيها البشر كل الأمور البغيضة دون مساءلة ودون حسبان. إنه الجحيم!

والسادة القضاة لا يؤمنون بالسأم كدافع لإعادة النظر في أحوالنا، لا يدركون أن السأم أيضًا قاتل بارع يقتل بكل بطء وسلاسة وبأصابع متمرّسة لا تترك أثرًا، يملأ أجسادنا ويحشوها بالوخامة كجثث محنّطة.

قطيع هائم من الثيران الغاضبة المتصارعة يدور في أرجاء رأسي، ملايين الأقدام لجيش من الأعداء تدب فوق أوتار خلايايّ العصبية. إلى متى المواجهة. إلى متى الصمود؟!

ثعابين تسعى بين ثنايا المخ تلدغ وتبث سمومها دون رادع، خفافيش تمص الدماء وتثير زوبعة من الفوضى، تتخبط في جدران جمجمتي كأمواج متلاطمة وتطاردني أصواتها ليل نهار، أمر عصي على السيطرة.

من يقتل الخفافيش؟! 

لقد وقعت في غمار تجربة –لحسن حظي أو لسوئه– لم تُتح للكثيرين، أطلّت بوجهها القبيح وجثمت على صدري، وأطالت واستطالت واستراحت وأتعبت وأرهقت ونشَّفت الدماء وأطفأت الحماس وأجهضت الأحلام وهشَّمت بهراواتها قناديل طريق الغد وداست بعجلاتها الحربية وبياداتها الغشيمة على أزهار الأمل وورود الحب ليحل محلها الموت والخراب والكراهية واليأس والعجز ورديم هائل من آمال منتهكة.

لم أكن في صراع مع السجن بل كان الصراع مع ذاتي، يوميًا في شجار مع ذاتي، في حيرة من نفسي، حيرة بين أمرين، فكرتين، طموحين، حلمين، نهايتين.. صراع يومي أفقد فيه باستمرار جزءًا مني، كنت كالمجذوم.. أتمايل، أترنح، أتهاوى، أنطرح أرضًا.

انتصرت على الأصفاد والحديد والقضبان والأبواب الموصدة، وانهزمت من ذاتي، وكنت أظن أني كالعنقاء سأنهض من تحت الرماد أكثر قوة وشبابًا، فوجدت أن الجناحين احترقا تمامًا وتكسّرا، وبان نحول الجسد وهزاله وانجلى أمامي الضعف والعجز واليأس والخوف كموانع خطرة عليّ اجتيازها وتجاوزها في طريق العودة إلى نفسي.

أضغط مواضع الضعف دونما تأوه حتى تقوى، أهرب من عجزي كهربي من عقرب في الطريق، أسبح في بحر مخاوفي نحو شاطئ من الأمان وقليل من الدفء من شموس الإنسانية، أمّا اليأس، فأقفز فوقه، أتجاوزه، أعبره عبور السبيل، أزحف عبر مسالكه المتهالكة وعبر ممراته الضيقة الصلبة، يمزق لحمي نتوءاته وأحجاره الحادة، وتلدغني حشراته وزواحفه، وتعضَّني قوارضه، فأتابع الزحف نازفاَ من مشاعري وأحلامي آملاَ أن ينتهي ممر اليأس ببقعة ضوء.

أسعى نحو النور.

انقضت 600 يومًا لي في الحبس الاحتياطي، لم أتوقف خلالهم عن الكتابة وإن كانت كتابات بسيطة على فترات متباعدة، المهم أني لا زلت قادرًا على البوح والتعبير.

لا زلت أكتب ولا أعرف لمن، ولا أعرف إن كانت كلماتي ذات أهمية أم لا، ولا أعرف حتى إن كانت تُقرأ أم تُهمل، لا أعرف لماذا أكتب، ربما لأثبت لنفسي أني ما زلت إنسانًا قادرًا على قراءة الواقع وفهم قدر من الحياة والتعبير عنها في كلمات، ربما لاستجداء التعاطف الإنساني وجذب انتباه القلوب، ربما لمجرد الحديث مع النفس دون قيود.

ألف دافع قد يشدني نحو الكتابة ولا أعرف أيهم الدافع الحقيقي، لكن الأكيد أني لا زلت أكتب لأن الكتابة وسيلتي الوحيدة للمقاومة ووسيلتي الوحيدة للحياة.

مصطفى اﻷعصر

سجن القاهرة للمحبوسين احتياطيًا

طره تحقيق

4/10/2019

اعلان
 
 
مصطفى الأعصر