بين السجن والعالم.. مِرسال
 
 

«محسن* بيطمن عليكم وبيقولكم ما تنسوش تجيبوا صورة لأم أحمد* هي وأحمد* وهاتوا مرهم تنضيف لوشه عشان الحبوب عاملة بقع سودا، وكل سنة وأنتم طيبين، وهاتوا أبويا معاكم ضروري علشان نفسي أشوفه ولو هو ما بيحبنيش مش هييجي، وهاتوا حاجة لحمو النيل ضروري».

رسالة تسلمتها ليلى* خلال زيارتها لأخيها المحبوس احتياطيًا في أحد سجون الصعيد خلال الأشهر الماضية، وهي رسالة تخص مسجونًا جنائيًا زميلًا لأخيها في العنبر. كان على ليلى أن تصل الرسالة لذوي هذا المسجون.

 عشرات الرسائل تصل إلى ليلى بنفس الطريقة أو بطرق أخرى، كما تصل إلى العشرات وربما المئات غيرها، محملة بطلبات بسيطة، وإنسانية، ولكنها في عرف الأمن ممنوعة، رغم أنها من الحقوق التي نص عليه القانون والدستور، ربما لقناعة خاطئة لدى الأمن أن المدان أو المتهم ليس لديه حقوق، أو هي رغبة أمنية قديمة في التنكيل بمن يقع بين أيديهم بأي شكل.

تقول ليلى لـ «مدى مصر» «كل شهر بروح زيارة لأخويا، ويديني رسايل مكتوبة أبلغها، وكان بيضطر يخفيها عشان لو إدارة السجن عرفت بيمنعوا، واتفتش قبل كده كذا مرة عشان ما يجيش الزيارة بجوابات زمايله». تتذكر ليلى أن من ضمن هذه الرسائل رسالة لمسجون لم يتلق زيارة من أسرته لمدة عام كامل.

يلجأ السجناء، احتياطيًا أو المحكوم عليهم، إلى تسليم الرسائل في غفلة من رجال الأمن، رغم نص المادة (38) من قانون تنظيم السجون أن «يكون لكل محكوم عليه الحق في التراسل، ولذويه أن يزوروه وذلك طبقًا لما تبينه اللائحة الداخلية، وللمحبوسين احتياطيًا هذا الحق دون إخلال بما يقضي به قانون الإجراءات الجنائية بشأنهم في هذا الصدد». أجريت تعديلات على القانون في أكتوبر 2015، بقرار جمهوري، وتغيرت هذه المادة لتصبح «يكون لكل محكوم عليه الحق في التراسل والاتصال التليفوني بمقابل مادي ولذويه أن يزوروه مرتين شهريًا تحت رقابة وإشراف إدارة السجن». ولكن طبقًا لشهادات من يوصلون الرسائل من وإلى السجون وأماكن الاحتجاز، في أغلب الأحوال يرفض الأمن خروج الرسائل من السجن، وفي حال إلقاء الرسائل من سيارات الترحيلات أو محاولة إبلاغها شفهية لأحد المارة في الشارع، يتم الاعتداء عليهم بالضرب، ويسعى أفراد الأمن لتقطيع الرسائل.

عن المرة الأولى التي تلقت فيها ليلى رسالة مسجون، تقول «كنت قدام قسم مصر القديمة وكان فيه عربية ترحيلات، وحد نده عليّ وقالي همليكي رقم وبلغي أهلي إني اتقبض عليّ، فجبت قلم وخدت الرقم وبلغت أهله، المرة التانية كنت بشتري حاجة من جنب سجن الاستئناف وحد نده عليّ وملاني رقم وقالي أبلغ رسالة لمامته (أنتو مش بتزوروني ليه؟)، وكلمت مامته قدام السجن وبقيت بنقل الكلام بينهم».

أما نازلي حسين، عضو مجموعة لا للمحاكمات العسكرية، فتقول عن المرة الأولى التي تلقت فيها رسالة من مسجون، إنها كانت من شخص داخل سيارة ترحيلات، وأنها ارتبكت بشدة، تقول «حد فضل بينده بينده وراح رامي ورقة، وطيت خدت الورقة، وكنت خايفة شوية وقتها، بس مكنتش شايفة الشخص وفي نفس الوقت كنت عايزة أطمنه. بس كنت خايفة من الناس الكتير اللي حوالين العربية. والأمن ساعتها وبعدها كان دايمًا بيحاول يمنع أن حد ياخد الورق، بس ساعتها زعقت وخدت الورق».

«حسن* بيقولكم أنه اتنقل سجن أبوزعبل حاولوا تروحوله زيارة هناك ضروري، وشكرا للمتصل»، أبلغت نازلي هذه الرسالة من مسجون بأبو زعبل لأسرته.

«أنا في ليمان مشدد تعالولي زيارة يوم الإتنين، وهاتوا معاكوا صوركوا». رسالة أخرى كتبها مسجون جنائي على ورقة بها رقم هاتف وسلمها لزميل له مسجون آخر أثناء زيارة أسرته له، كي تتصل الأسرة بشقيق هذا المسجون لأنه لا توجد لديه وسيلة أخرى للاتصال بهم.

كانت أغلب الرسائل التي نقلتها ليلى من سجن الاستئناف للابلاغ عن مكان احتجازهم. وتضيف: تكتب الرسائل على أوراق كشاكيل، وفي الأغلب تكتب على أوراق علب السجائر وعلب الشاي، وكان مسجونو سيارة الترحيلات تحديدًا عادة ما ينسخون أكثر من نسخة لنفس الرسالة لعدم تأكدهم أن من سيجدها سيوصل الرسالة.

بحسب المحامي الحقوقي مختار منير، للمعتقل حسب الدستور المصري وقانون الإجراءات الجنائية، الحق في إبلاغ ذويه بمكان اعتقاله.

تنص المادة (54) من الدستور المصري على «الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تُمس، وفيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد، أو تفتيشه، أو حبسه، أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق. ويجب أن يُبلغ فورًا كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكٌن من الاتصال بذويه و بمحاميه فورا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال 24 ساعة من وقت تقييد حريته».

بيننا تنص المادة (139) من قانون الإجراءات الجنائية على «يبلغ فورًا كل من يقبض عليه أو يحبس احتياطيًا  بأسباب القبض عليه أو حبسه، ويكون له حق الاتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع والاستعانة بمحام، ويجب إعلانه على وجه السرعة بالتهم الموجهة إليه».

يضيف منير أنه في حالات الانتقال من مكان احتجاز لآخر، لا يوجد نص محدد، ولكن هناك قاعدة في القانون أن القاعدة الأصغر تنطبق على الأكبر، وبالتالي لو كان من حق المسجون إبلاغ ذويه باحتجازه، فمن حقه أيضًا إبلاغهم بنقله من مكان احتجاز لآخر، أما جلسات المحاكمات وتحقيقات النيابة فمواعيدها يجب أن تكون معلنة للمحامين.

الأمر يتعلق أيضا بغياب معلومات أساسية خاصة بالسجين لا يعرف عنها شيئًا مثل قرارات الإفراج.

«أحمد* بيقولكم خلي المحامي يروح بكرة ضروري مصلحة السجون برقم الصادر ….. ويشوف الإفراج بتاعه هناك ويمضي الاجراءات ولو بأي طريقة.. بس الاهتمام  لأن إفراجه المفروض 17-7-2015 ومش عايزينه يتأخر، ولو المحامي عمل اشتغالات أو مش فاضي يروح عم حسين* وممكن أنتي تروحي معاه وبـ 500 جنيه بالكتير أوي هيخلصوا الإجراءات. وابعتولي الرد على الراديو إذاعة راديو هيتس من 7 لـ 9 مساء»، رسالة أخرى أبلغتها نازلي إلى أسرة مسجون.

بعض الرسائل تبعث للأهالي لإخبارهم معلومات تخص زيارة استثنائية، وبعضها للإبلاغ عن أنهم تم اعتقالهم، خاصة تلك المرسلة من سيارات الترحيلات أو الأقسام. هناك رسائل أخرى تبلغ بموعد محاكمة، أو بتحديثات قانونية، أو رسائل غير مفهومة عن توصيل أمانة معينة.

بحسب ليلى ونازلي غالبًا ما يكون محتوى الرسائل حول طلبات يحتاجها المساجين في الزيارة التالية «صور ولاده، طلبات بقالة، فوط، ملايات، حلل، جوابات للأم عشان عايز يشوفها، أو للعيال يروحوا المدرسة، أدوية، فلوس». في النهاية، بحسب نازلي، الطلبات تأتي متأخرة للغاية، فالمسجون سيضطر للانتظار أسبوع على الأقل لإرسال رسالة، ثم سينتظر أسبوعين بعد إبلاغ الرسالة حتى الزيارة التالية.

«كلمة أن فيه جواب ليا دي كانت بتحمسني جدا، ورغم إني في أوقات وأنا بين الأربع حيطان في الزنزانة مكنتش بلاقي حاجة أقولها، فأكتب أي كلام بس عشان السعادة بتاعة إني مستني الرد على الجواب، اللي هييجي بعد أسبوع أو اتنين. الجوابات اللي كانوا أصحابي بيبعتوهالي بيحكوا فيها عن شغلهم وحياتهم كانت بتونسني جدًا. أنا لسه محتفظ بالجوابات دي، وفي جوابات محتفظ بيها أنا اللي كتبتها بس ما راحتش لأصحابها»، يحكي محمود* لـ «مدى مصر» عن الرسائل في فترة حبسه في قضية سياسية لثمان أشهر خلال العام 2018.

عادة في الزيارات كان محمود يخفي الرسائل ويطلب من أسرته إخفائها حتى لا يقرأها حراس القسم أو السجن، ثم يسخرون بعد ذلك من حياة المساجين الشخصية، الأمر يختلف من مكان احتجاز لآخر بالنسبة له وبالنسبة لمسجونين آخرين كذلك، فهناك سجون أكثر مرونة من سجون أخرى، لكن في النهاية السجناء السياسيون دائمًا ما كانوا أسعد حظًا من الجنائيين في موضوع المراسلة.

في كل زيارة لأسرته كان محمود يخرج بعدد كبير الرسائل التي تخص زملائه الجنائيين، كان يعطيها لوالدته وهي تقوم بالاتصال، وفي إحدى المرات مزق حراس السجن الرسائل. وأحيانا كان هو شخصيًا يكتب جواب ويعطيه لأسرته في الزيارة بالطلبات التي يحتاجها، لأن الزيارة قد تكون بضع دقائق فقط بحسب قوله. وفي إحدى انتقالاته من مكان احتجاز لآخر، كتب محمود رسالة لأسرته وأعطاه لأمين الشرطة في القسم المحتجز به، ليبلغ أسرته عن مكان احتجازه.

بدأت نازلي في تلقي رسائل المسجونين في 2011. تقول «في مايو 2011 وقت قبضة العباسية، كان فيه مئات مقبوض عليهم. وكانت أول مرة نبتدي نعمل إعاشة لمساجين، قبلها كانت القبضات أخف نسبيًا. كنت عضوة في مجموعة لا للمحاكمات العسكرية. ابتدينا نبقى الواسطة بين الأهالي والمحامين. في الوقت ده ابتديت ألف على الأقسام والمحاكم ونسأل عليهم في معسكرات الأمن المركزي. ابتديت بقى يجيلي جوابات من عربيات ترحيلات قدام أماكن الاحتجاز دي، بس الأكتر كان بيجيلي في الزيارات، أما مباشرة، أو لما بابقى مستنية حد من الأهالي برة السجن، فابنهم يديهم جواب وهم يدوهولي، وكان فيه أهالي كتير هي بتوصل الرسالة للرقم المكتوب على الجواب».

أما ليلى، فظلت تذهب إلى سجن الاستئناف بشكل منتظم فقط لنقل الرسائل، قبل منع الأمر تمامًا حاليًا، تقول «كان فيه كشك جنب السجن بيبيع كروت شحن، والمسجون يطلب منه يكلم أهله مقابل أن أهله يحولوا لتليفون الكشك رصيد». أما نازلي التي ظلت متطوعة في إعاشة المساجين في الفترة ما بين 2011 وحتى 2016، أصبح لديها أماكن مخصوصة في بعض الأقسام، مثل قسم قصر النيل، وبات أمناء الشرطة هناك يعرفونها جيدًا، والمحاكم التي اعتادت الذهاب إليها، مثل محكمة عابدين، والتي بات لديها مكان خاص في المقهى المواجه للمحكمة تجلس فيه بالساعات، خاصة في الفترة بين 2011 و2013.

منع المراسلات في رأي منير هو جزء من سياسة التنكيل بالمساجين عمومًا، «عشان يبقى محروم من التواصل الخارجي، عشان كده بيمنعوا كمان أوقات الكتب والجرايد. جزء من الموضوع كمان هو لمنع الأشخاص المقيدة حريتهم أنهم ينقلوا اللي بيدور في السجن لبرة السجن، يعني عشان ما يقدروش يحكوا عن اللي بيتعرضوله داخل السجن»، يضيف منير.

*تم تغيير هذه الأسماء لحماية هوية أصحابها

اعلان
 
 
هدير المهدوي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن