1- «صديقي الله» لزياد رحباني
 
 

كلما ضاقت حلقاتها، يأتي الفرج على هيئة لحظة قديمة صافية مع عائلتي أو أصدقائي وأنا طفل، أو حتى ألبوم صور يفيض على روحي بلقطاتٍ مبهجة وأيامٍ دافئة، وكثيرًا ما أضبط نفسي وأنا أُقلِّب في بقايا ألعابي القديمة أو سكتش رسم يغلب عليه البراءة وربما السذاجة، فأبتسم وأنسى ما يكدِّر صفوي من هموم الكِبار الذين -على غفلة- أصبحتُ منهم.

ليس الأمر مجرد نوع من النوستالجيا، ولكنه رغبة كامنة في الحصول على وقت مُستقطع من الحياة فقط لأخذ شهيق ثم العودة لمصارعة الأمواج مرة أخرى. فالطفولة عالمها ساحرٌ وجذَّاب بكل ما فيه، وغالبًا ما نلجأ إلى اللعب مع الأطفال أو اللعب كما الأطفال لتصفية الذهن وإعادة الشحن.

وعلى غرار ذلك، في عالم القراءة تحتاج أحيانًا إلى قراءة كتب لا تحث آلات ذهنك على الدوران أو تجبرك على البحث والركض وراء المزيد من المعلومات. كتبٌ تطبطب على قلبك وتحتضن عقلك وتهدهده لكي ينام قليلًا وتصطحبه إلى رحلة في دروب الطفولة. ربما يحدث هذا مع رواية أو قصة أو ديوان شعر، لكن كتب الأطفال تؤدي هذه المهمة على أكمل وجه، نعم في كتب الأطفال أيضًا الملاذ من صخب الحياة.

لذلك، ومن خلال سلسلة من المقالات تحمل نفس العنوان، سوف أستعرض وأقترح بعض الكتب التي كُتبَت للأطفال أو كتبها الأطفال ولكن يُقبِل على قراءتها الكبار. ربما يجد البعض أن ما يُوجَّه للأطفال في الأدب على قدرٍ من السذاجة والسطحية، ولكن قد يظهر ذلك في الشكل والقالب لكي يتلاءم مع القارئ الصغير، لا في المعنى أو القيمة التي، بالتأكيد، يقدمها ذلك الأدب.

«صديقي الله» – زياد رحباني

عندما كان عاصي الرحباني يمشي في بيته رواحًا ومجيئَا مدندنًا لحنه الجديد، لمح ابنه ذي الست سنوات مصغيًا السمع له، فسأله: «ما رأيك يا زياد؟». رد عليه باهتمام بعد أن استغرق في التفكير قليلًا: «جميل، ولكن ربما يكون أفضل لو جاء الإيقاع أبطأ قليلًا».

هنا انتبه الوالد لموهبة ابنه وأذنه الموسيقية، فداوم على أخذ رأيه في ألحانه إلى أن تناهى إلى سمعه -يومًا ما- لحنًا يردده زياد، سأله: «أين سمعت هذا اللحن؟»، فأجابه: «لم أسمعه من قَبل، ولكنه يتردد في ذهني هذه الأيام». ربت عاصي على كتف ولده وتركه مبتسمًا ليكمل مذاكرة.

ليس غريبًا على طفل تربى في كنف الرحابنة وفيروز أن تظهر عليه علامات النبوغ مبكرًا، فيتأثر بما يسمعه ويراه من جلسات فنية وسياسية وأدبية في منزلهم، ومسرحيات وأغاني عائلته، ويكتب شعرًا وهو لما يتجاوز الحادية عشر من عمره. كتب ديوانه الأول «صديقي الله» وربما الأخير بين عامي 1967 و1968، ونُشر عام 1971 أي في سِن الخامسة عشر، في نفس توقيت ظهور أول لحن له لأغنية ضَلِك حِبيني يا لوزية لخالته المطربة اللبنانية هدى حداد. بعدها بعامين قدم أول لحن لأمه فيروز في أغنية «سألوني الناس» المهداة لوالده الذي كان مريضًا حينها، ثم توالت الألحان لفيروز وغيرها، فسلك طريق الموسيقى.

من المهم الوقوف عند تجربة زياد الرحباني الشعرية من خلال ديوانه «صديقي الله»، الذي لاقى قبولًا كبيرًا من جمهور القراء في الوطن العربي. في صفحة الكتاب على موقع جود ريدز، منحه القراء الكثير من الحُب والحفاوة قبل التقييمات، اشترك الجميع تقريبًا في الصمت في حَرم الجمال وكتابة اقتباسات من الديوان.

تقول سمر عبد الله (في العِقد الثالث من العمر): «كنت ناوية أقرأ شوية منها قبل ما أنام، لقيتني مشدودة جدًا وكملتها كلها ورجعت قريت اللي عجبني تاني. صعب اكتب ريفيو عن الكتاب. تأملات في الحياة والجمال والحرب والطفولة والله».

أما انشراح شبلاق (في العقد الثالث من عمرها) تقول: «رائع وجميل، أجهل كيف يمكن لطفل أن يكتب بهذا الأسلوب. قد يكون السبب هو بيئته التي ترعرع فيها، وأمه وأغنياتها المرهفة، يمكن للقارئ أن يستشعر عظمة إحساس الطفل وإيمانه ومحبته لله، ومنتهى البراءة في تصويره لتلك المحبة».

يتحفظ عمر نبيل (في العِقد الثالث من عمره) على طريقة مخاطبة زياد لله في بعض المواضع، ولكنه يرى أن هذه الأشعار «تَصور رائع للحياة بعقل طفل عبقري، رأى في الحياة ما لم يره الكبار».

عقدة أوديب .. ربما!

من المحاور الرئيسية لهذا الديوان، غياب والد زياد في كلماته وحضور أمه الطاغي. علاقته بأمه كعلاقة النبات بجذوره، من خلالها يكتشف العالم ويتحسس تفاصيله، يسألها دائمًا ويحكي لها ما يراه ويشعر به، وهي ربما لا تمنحه الإجابات الوافية طوال الوقت ولكنها تنير له الطريق ليعرف ذاته. صوته عذب ولغته أقرب للمناجاة والابتهال وهو يُكلمها أو يتحدث عنها. هي قطب حياته الأول وبعدها صديقه الله.

تجاهل زياد والده تمامًا في كتاباته إلا في موضع واحد يذكر فيه أنه يرسم بيوتًا وورودًا وأباه، ويرغب بعدها في تمزيق الرسم. ما أن رحل والده عام 1986 حتى بدأ يفرض شخصيته على والدته وعلى ألحان أبيه. ظهر هذا بدايةً في أمرين؛ أولهما كان انتزاع فيروز من عالم الأغنيات الحالمة والبيئة الريفية وإدخالها عالم المدينة والسهر حيث الأغنيات التي  تلمس نبض الشارع وتُعبِّر عنه. وثانيهما حين تصرف زياد في الأغاني المنتقاه من ألحان عاصي الرحباني لكي توضع في ألبومه «إلى عاصي»، وحذف من الألحان ما قد يبدو زائدًا عن الحاجة أو ثرثرة. لم يضع الألحان كما ألفها والده، ولكن فرض شخصيته عليها.

تتجلى علاقته بوالديه في مقطع من هذا الديوان يقول فيه: «ليتَهما يعرفان أن العِتابَ كالدخانِ يفنى/ ليتهما يعرفان أن الفرح أقوى من الحزن …». أتخيله كان ينوي النوم بينما والديه يتشاجران ويعلو صوتهما وينتهي إلى أذنيه، فيطلب من صديقه الله أمنية وهي أن يُعَرِّفهما أنّ «وقت الفرح أطول من الحزن»، وأن «العتاب يفنى كالدخان»، و«أنّ لحظة العمر الأَخيرةَ قد تنزل علينا تأخذنا ونحن نتخاصم». يغمض عينيه لينام، ولكن تتحرر دمعة واحدة من بين جموع المحبوسين في عينيه.

كتبها كما حدَّث نفسه بها لحظة أن سمعهما يتشاجران، فلم يقل ليت أبي وأمي، بل قال ليتهما، فهو في هذه اللحظة يكرههما لكثرة شجارهما، فخرجت منه غاضبةً، ولكن يغلفها الحزن الذي يتمنى أن يدركا أنه لا وقت للخصام. تأكيدًا لهذا الشعور يعترف زياد رحباني في أحد الحوارات فيقول: «لم أعش طفولة طبيعية، فتحت عيوني على مشاكل والديّ. ذات يوم بلغ غضبي ذروته، وحاولت الحصول على مسدس كي أطلق النار عليهما وأستريح. كنت طفلًا، ولحسن الحظ لم ينجح المشروع».

صديقه الله

لن تراه إلا طفلًا أخبروه بأن الله معه في كل مكان وكل وقت، ففهم أن الله رفيق دربه وصديقه، ضاربًا عرض الحائط باعتبارات التأدب مع الله، أو أنه يتعالى عن الموجودات وليس مساويًا لهم. فيخاطبه ويناجيه كأنه أمامه وأحيانًا يناديه للّعِب، ولكنه يعي تمامًا أنه في وقتٍ من الأوقات لا بُد وأن يصلي له ويمجده، ولكن حتى هذه يفعلها على طريقته البريئة النقية، إذ يقول: «إن لم أكن فرِحًا/ لا أستطيع أن أصلّي/ ما مِن مرةٍ صلّيتُ/ إلا وفي قلبي/ عصفورٌ يلعب/ وغصنٌ يلوّح». هو لا ينافق ويتلون ويقول ما لا يُظهر، فقط يقول ويفعل ما يمليه عليه قلبه، فيقول في مقطعٍ آخر: «لا أريد أن أصلي إلا ما أفهمه».

وكأي طفل يحب اللهو والمرح، يؤمن بأنه لا بد أن الوجود قد خرج من رَحِم الضحك، وأن الحياة في البهجة والفرح والموت في الحزن والدموع. يخاطب صديقه الله فيقول له: «لأنك ضحكتَ/ نحن في الوجود/ ضحكتَ يومًا/ فتفجرتْ مِن ضحكتك/ الناسُ والأطفال».

ثنائية الحرب والحياة

وعلى النقيض، تظهر مفارقة الحرب التي تُمثل الموت الذي يسلب من الأطفال لعبهم وضحكهم ويلبسهم السواد مبكرًا، فيُدرك جدلية الحياة والموت. وعيه بالحرب وتفسيره لها شامل ودقيق في آن واحد، فيصف ما حوله بعد أن هدأت نار الحرب واشتعل أثرها من خرابٍ ودمارٍ وموات وصفًا بديعًا حزينًا «الأشجارُ العاريةُ السوداء/ تقِفُ كالراهبات السُّود/ ديرُها الضبابُ والشبابيكُ المكسورة».

«البسيط متى عرف أنه بسيط

لم يعدْ بسيطًا.

الإنسانُ متى عرف الحقائق

سقط عن سرير الأحلام».

عرف زياد رحباني الموت في طفولتِه، فنضج وعرف معنى الحياة، وأدرك أهمية الوداع، أو الوداع اللائق والأثر الذي سنتركه من خلفنا للآخرين «فما الرحيلُ همّنا .. بل الوداع»، ويوصي أيضًا الجميع بكتابة سيرتهم وتفاصيلهم وذكرياتهم لأنه «ما دام الرحيل يكتبه هو/ فالوداع لنا/ نجعله أحلى وداع».

ويُطلعنا أيضًا على أثر الحرب في ذهن ونفس غيره من الأطفال «أَتيتُ الأولادَ المشردين بالأوراق/ وسألتُهم أن يرسموا أشجارًا/ فرسموا أغصانًا طويلةً فارغة/ نائمة على الأرض/ وعليها مدفعٌ وعسكر». وعندما يطلب منهم أن يرسموا زهورًا وبيتًا «فرسموا زهورًا ملقاةً في مياه المطر/ والعسكرُ يدوسُها»، يخبرهم أن يرسموا عصفورًا يغني كما كانوا يرسموه من قبل في لوحاتهم «فرسموا عصفورًا يبكي/ والمطرُ يهطل»، فيتركهم ويلملم أوراق وشتات نفسه بعد أن لَمسَ تَمكُن الحزن منهم ومنه.

صدمته بالحرب في 1967 أثرت عليه بشكل كبير وجعلته يعي ظروف دولته وينخرط في مشكلاتها في سِنٍ صغيرة. فظل مشاركًا في الحركة السياسية في لبنان إلى وقتنا هذا. ولكن ما يخص الشِعر، فقد وعى باكرًا حقيقة الموت على غفلة أو الموت المفاجئ، حيث يقول: «لحظة العمر الأَخيرةَ/  قد تنزل علينا تأخذنا/ ونحن نتخاصم/ ليتني لا أعرف ما أعرف».  

ويقول أيضًا: «حائرٌ أنا بين أن يبدأ الفرح وألاَّ يبدأ .. مخافةَ ينتهي».  هذه عقلية شخص خرج من بيته ورأى الموت يأكل الأشجار التي رآها نضرةً وشامخة منذ وقت قليل أثناء عودته إلى البيت بعد يومه الدراسي، ويأكل جيرانه ويحول أطفالهم إلى بكاء ودموع بعد أن رآهم يضحكون ويلعبون وكأنهم لن يكفوا عن اللعب أبدًا. فأصبح يخاف الفرح ﻷنه يخشى انتصار الحزن. طفلٌ كهذا لن يتعجب من كلام أمهاتنا حين يقلن: «خير اللهم اجعله خير» بعد وصلة ضحك في أحد المساءات.

ليستْ لغةُ طفل، بل لغة ناضجة ومصقلة بثقافة ووعي. يستمدها بشكل أساسي من بيئته التي تُشكل وعيه، وتنطبع على أفكاره ولغته، فعالمه الصغير هو بيته ومدرسته وأبيه وأمه والضيعة والأحراچ، من خلالهم يتواصل مع العالم الخارجي ويُسقِط عليه أفكاره.

أفكاره متنوعة وكبيرة، ولكنها خرجت من وعاء صغير، لذا يتعجب كل مَن يقرأ الديوان ويربطه بتاريخ كتابة القصائد. يتساءل الجميع كيف لطفل أن يكتب عن الحب والموت والحياة والله والصلاة وغيرها من الأفكار الشائكة بهذا الوعي والنضج.

تمتلئ الصور البلاغية التي يستخدمها بدرامية ومشهدية عالية، كما يستخدم التشخيص فيبثُ الحياة في الجمادات ويكسبها إنسانية؛ فالأرض تنجرح وتنزف والبيوت تبكي في قوله «ورأينا المهاجمين يجرحون الأرض بالسلاح/ ورأينا البيوت في البعيد/ تبكي وهي تتهدم». وعندما يقول في مقطعٍ آخر «والقمرُ ساهرٌ على الساقية السكرى/ والأحجار تحكي الحكاياتِ الصغيرة» أو «ونقّطَ المطر تغني فوق الحجارة»، فهو يُشخِّص الطبيعة، ويحولها ذواتًا إنسانية حية وناطقة، تحس بإحساسها، وتتفاعل معها.

يمتلك هذا الصبي خيالًا بِكرًا، يبني به تراكيب بديعة، فيقول: «العمرُ يفرُ من ساعة على طاولة في بيتنا» ملخصًا فلسفة الزمن وتفاعله مع المكان وتأثيره على العمر والأشخاص.

يقول: «أليس في كل ثانية من الحياة،

إنسان يضحك؟

إذن في الأرضِ ضحك متواصل»

فخبراته الصغيرة في بيته المتوتر منحته شخصية مستقلة وفلسفة خاصة في التعامل مع مفردات الحياة ووجهة نظر فيما حوله، فحين تسأله أمه عن رأيه في فستان ترتديه، لا يجيب عليها بطريقةٍ تقليدية، بل يُلخِّص فلسفة الجمال في إجابته ويقول: «في دنيانا يا أمي/ لا يوجد فستانٌ بشع/ ما دام لكلّ فستان/ واحدةٌ تُحب أن ترتديه». ويُفلسف التكديس القهري ويطرحه برؤية مغايرة، لا تخرج إلا من شاعر بروح طفل «زوايا بيتنا مليئة بالأشياء/ خزانات بيتنا مليئة بالأشياء/ وتحتَ كلّ سرير أشياء عتيقة/ نحن نحب الأشياء وإنْ قلّ استعمالها/ أو صارت لا فائدةَ منها/ لا نعطيها أحدًا ولا نرميها/ نُحس أن للأشياء أرواحًا/ تَحزن إذا أَبعدوها عن أصحابها/ وغداً يمتلئ بيتُنا/ ولا يعود لنا مكان».

مَن يتتبع خُطى زياد، يجده يستلهم أشعاره وألحانه من تجاربه الشخصية وعلاقاته العاطفية والمشكلات السياسية والإنسانية المحيطة به. ويبدو أن هذا هو نهجه من البداية، أن يأخذ الخاص ويتيحه لعامة الناس، أن يكتب بصدق وأن يصدق ما يكتب، فربما تُلامس تجربته الشخصية أحدًا ما عاش تجربة مشابهة، فيسمع ويعشق أو يسمع ويبكي. الصدق أهم ما يميز هذا الديوان وأيضًا جرأته المتغلفة ببراءة الطفولة التي تجعل ديوانه كضحكاتِ أمه له التي لو عَدَّها لرافقتْه طوال صعوده، ووقعتْ مِن بَعده الضحكات على الدرج، وأزهرتْ زهرًا.

اعلان
 
 
محمد سمير مصباح