بنات في الصعيد.. لهن في كرة القدم حياة

فتيات صغيرات السن في صعيد مصر لم تتجاوز أعمارهن الـ 15 عامًا، كانت حياتهن اليومية روتينية للغاية ما بين الاستيقاظ مبكرًا للقيام بالأعمال المنزلية وبعض الزيارات العائلية. كان لديهن حلم بسيط بممارسة كرة القدم، ولكن هل يسمح مجتمعهن القائم على التقاليد والعادات بهذا الحلم؟

 قررت الفتيات مواجهة المجتمع وتقاليده المترسخة حتى يحققن حلمهن، خاصة بعد أن جاءت لهن الفرصة للالتحاق بمشروع «ألف بنت.. ألف حلم»، التابع لوزارة الشباب والرياضة، والذي دشنت الوزارة بموجبه عددًا من المراكز التدريبية بثماني محافظات في صعيد مصر منذ مارس 2017 الماضي بالتعاون مع المركز الثقافي البريطاني، والمحافظات هي (بني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج والوادي الجديد وقنا وأسوان والأقصر).

 اخترنا محافظة المنيا لتكون النموذج الذي نقدمه نظرًا لأنها المحافظة التي مرت بالعديد من الأحداث المؤسفة منذ 2013، والتي نتجت عن تردي الأوضاع الثقافية والفكرية بسبب الجهل والعادات والتقاليد والتعصب الفكري وتكرار حوادث العنف.

في محافظة المنيا التي تبعد 248 كيلو متر عن جنوب القاهرة العاصمة، وفي منطقتين مختلفتين. الأولى قرية البرجاية التي تبعد عن مدينة المنيا حوالي 15 كيلو مترًا، والثانية مركز ديرمواس الذي يبعد عن مدينة المنيا حوالي 80 كيلو مترًا. كانت حكايتنا.

في قرية البرجاية تكون فريق صغير من الناشئات ما زال في بداياته، بنات تتراوح أعمارهن من عشر سنوات إلى 15 سنة ضمن مشروع «ألف بنت ..ألف حلم»، ويعتبر نواة لتأسيس فريق كرة قدم نسائي في صعيد مصر.

لم يكن إقناع الأهالي بمشاركة الفتيات في المشروع بالأمر السهل، بل خصصت إدارة مركز الشباب أحد الموظفين للتواصل مع الأهالي بشكل يومي لمتابعة التدريبات، واختارت وزارة الشباب والرياضة مدربة للفتيات، والتي كانت إحدى أعضاء منتخب مصر للكرة النسائية، لتدريب الفتيات وكسب ثقة أولياء الأمور.

ولضمان استمرار الفتيات جرى اتفاق مع إدارة مركز الشباب على منع وجود الشباب أثناء التدريب لأن وجود أحدهم يحول دون وجود الفتيات للتمرين حسب رغبة أولياء الأمور وعادات وتقاليد القرية.

«عيب أن البنت تلعب رياضة وكرة قدم تحديدًا» تلك هي الصورة النمطية عن ممارسة الفتاة للعبة كرة القدم، وهذه الصورة التي حاولت الفتيات تغييرها، ولكنهن يقابلن يوميًا عددًا من المضايقات خلال طريقهن إلى مركز الشباب. تلك المضايقات التي اعتدن على عدم الرد عليها والسير بشكل جماعي إلى الملعب لتجنب أي مضايقات.

تقول نشوى جابر، مدربة الفريق واللاعبة السابقة في منتخب مصر النسائي لكرة القدم، إن الملعب والمعدات التدريبية والملابس هي الإمكانيات التي وفرها المشروع، بالإضافة إلى أدوات رسم الملعب وكرات للتدريب، إلا أنه لم يسلم الفتيات أحذية كرة القدم الخاصة، ورغم ذلك الفتيات يتدربن، وكل واحدة منهن أصبحت لديها إمكانيات خاصة في التعامل مع الكرة.

الكرة النسائية «معدومة» على حد وصف جابر، وتعاني من الافتقار للدعم من الأجهزة المعنية خاصة في الصعيد، وبالتالي تخاف من مواجهة عدم السماح للفتيات من استكمال التدريبات بسبب نقص الاهتمام، ولكن في الوقت نفسه ترى جابر أن روح الإصرار لدى الفتيات هي التي تضمن استمرارهن في التدريب.

آية المحمدي عمرها 13 سنة، طالبة في الصف الثاني الإعدادي بمدرسة البرجاية الإعدادية، اعتادت الاستيقاظ مبكرًا ثم ارتداء زيها الرياضي استعدادًا للذهاب للتمرين في مركز شباب القرية الذي يبعد عنها مسافة قدرها اثنين كيلو متر تسيرها ثلاث مرات في الأسبوع، بين حواري وشوارع قريتها الصغيرة والأراضي الزراعية، وتحت درجة حرارة مرتفعة. هي قائد فريق الفتيات التي تهتم بأمور التنسيق وإبلاغهن بمواعيد التدريب بعد التنسيق مع المدربة، كما تهتم أيضًا بأمور الفتيات المعنوية، وتتدخل إذا استدعى الأمر لإقناع أولياء الأمور إذا رفض أحدهم مرة أن تذهب ابنته إلى التدريب.

انضمام آية لفريق رياضي يعتمد على روح التعاون بين أفراده في المقام الأول كشف لها عن شخصية القائد بداخلها رغم سنها الصغير، والممزوجة بطبيعتها الأنثوية والريفية أيضًا.

إلا أن ذلك التغير في حياة «آية» كانت له أسباب أخرى ودوافع قوية من خارجها، فقد كان والدها هو الحافز المشجع الأول لتخطو هذه الخطوة التي لها تأثيرها الفعال في حياتها.

كان والد آية في أوقات الفراغ التي تجمعه بابنته يلعبان الكرة بعض الوقت أمام منزلهما أو في ساحة صغيره بجواره، وهذه الصورة كانت شديدة الغرابة بالنسبة لأهالي القرية، ولكن والدها يؤمن أن من حق الفتاة أن يكون لديها وقت محدد للرفاهية وممارسة رياضة تحقق لها ذاتها وتشبع فيها وقت فراغها. الآن ذلك يساعدها بأمور كثيرة في حياتها، وأهم هذه الأمور الاجتهاد والتفوق الدراسي، وخاصة في هذا السن الصغير.

أما تبارك إحدى عضوات فريق الفتيات بالقرية فلها حكايتها؛ قبل أن تلتحق بالفريق كانت تلعب الكرة مع أخيها الصغير والأولاد من جيرانهما، وتقول: «كنت بحدد الملعب على الأرض ونلعب ماتش صغير أنا والأولاد الأصغر مني وكان أخويا بيلعب معانا وكان وجوده شرط أساسي إني العب كورة وكمان لازم أقف جون عشان محتكش مع الأولاد».

ومع شغفها وحبها للكرة القدم وممارستها لها في أي مكان، كانت توجه لها العديد من الانتقادات القاسية وكذلك تتعرض للعقوبات برغم سنها الصغير. كما كانت تمنع هي وصديقاتها من ممارسة هوايتها في المدرسة لأنها في مدرسة مشتركة، والأولاد يستحوذون على الكرة في حصص الألعاب ولا يسمحون للبنات باللعب دون أن يتدخل أي من المدرسين، ما كان يشعرهن بالظلم والقهر حسب قولها.

وفي مدينة دير مواس، آخر مراكز محافظة المنيا من جهة الجنوب بجوار محافظة أسيوط، حيث التمسك أكبر بالعادات والتقاليد، نشأ فريق آخر من الفتيات، تطلب وجودهن عزيمة أكبر في مواجهة تلك العادات والتقاليد بالمجتمع الذي يمجد الذكر على حساب الأنثى.

لم يكن المشهد مألوفًا بالنسبة للجميع حتى للفتيات أنفسهن في البداية، بعد أن استطعن السيطرة على تلك المساحة الخضراء، وأصبح لهن وقتهن المسموح به والمكان الآمن لممارسة هوايتهن غير التقليدية، ولكن بعد مرور الوقت رضخ الجميع لرغبتهن واستمعن إلى صوت طموحاتهن دون أي مقاومة تذكر، وأصبحت العيون التي قمعت حريتهن من قبل تترقبهن من خلف الأسوار وتنظر إلى ما يستطيعن أن يفعلن.

هند، صاحبة التسع سنوات، وعضو فريق الفتيات في ديرمواس، تمارس لعبة القدم منذ كان عمرها سبع سنوات، ورغم صغر سنها إلا أنها تعتبر أشهر لاعبة كرة قدم في المدينة، الجميع يشجعها من اللاعبين الكبار والصغار، ومع ذلك لم يمنع صغر سنها تعرضها للمضايقات حيث تقول: «أهالي المراكز والقرى المجاورة يعتقدون أننا نختلط بالشباب في مركز التدريب»، فكانت هذه النظرة من الجميع لها ولزميلاتها تضايقهن، ولكنها حاولت الرد بطريقتها: «إحنا مش بنختلط بحد، وفي كتير مش فاهمين أننا بنيجي نلعب وبس، وإحنا قدرنا نغير الفكرة دي وعزمنا ناس كتير يحضروا التدريب ويتفرجوا على لعبنا».

في خلال أحداث كأس العالم في روسيا 2018، كانت هند وصديقاتها لهن استديوهاتهن التحليلية الخاصة، وبعد مشاهدة المباريات والتعقيب على أجواء المباراة وأداء اللاعبين، ولصعوبة تجمعهن في أوقات كل المباريات اتفقوا على إنشاء جروب خاص بهن على الواتس لإيجاد مساحة تتيح لهن اللقاء وإن كان عن بعد، وتوضح هند: «إحنا نشوف الناس بتلعب إزاي، وبنفكر في طريقة اللعب عشان نلعب زيها وأحسن، وكل الماتشات اتفرجنا عليها وكنا بنقعد نحلل الماتش سوا».

حكايات فتيات الصعيد مع ممارسة كرة القدم تحوي في طياتها قدرًا كبيرًا من الإصرار والتحدى لمواجهة المجتمع الصعيدي الذي تحكمه التقاليد والعادات، حكايات بها من الأمل ما قد يفتح بابًا كبيرًا لغيرهن من الفتيات.

أول فريق كرة قدم نسائي رسمي مسجل في الدوري المصري في محافظة المنيا بقرية البرجاية أثناء تدريبات الإحماء علي ملعب القرية

فريق مشروع «ألف حلم.. ألف بنت» أثناء مباراة تدريبية على ملعب مركز شباب مدينة ديرمواس - صورة: محمد حكيم

صورة: محمد حكيم

فريق مشروع «ألف حلم.. ألف بنت» داخل غرفة تغير الملابس بمركز شباب مدينة ديرمواس جنوب محافظة المنيا - صورة: محمد حكيم

الشباب يشاهدون الفتيات من خارج أسوار المعلب أثناء وقت تدريبهن بمركز شباب مدينة ديرمواس - صورة: محمد حكيم

آية وتبارك أثناء فترة الاستراحة والاستماع إلى توجهات المدرب بمركز شباب البرجاية - صورة: محمد حكيم

إحدى لاعبات فريق كرة القدم النسائية بعد انتهاء مباراة تدريبية شاقة - صورة: محمد حكيم

فريق مشروع «ألف حلم.. ألف بنت» أثناء استماعهن إلى توجيهات المدرب قبل أدائهن مباراة تدريبية بمركز شباب مدينة ديرمواس - صورة: محمد حكيم

بعد انتهاء التدريب ومغادرة أرض ملعب مركز شباب قرية البرجاية ظهرًا - صورة: محمد حكيم

فريق كرة القدم النسائية بالمنيا أثناء تدريبات اللياقة البدنية بتوجيهات المدرب - صورة: محمد حكيم

هند، ذات التسع سنوات، أصغر مشاركة في فريق «ألف حل ألف بنت» بمركز شباب ديرمواس - صورة: محمد حكيم

اجتماع فريق مشروع «ألف حلم.. ألف بنت»، مع المدرب داخل غرفة الاجتماعات بعد انتهاء التدريب بمركز شباب مدينة ديرمواس - صورة: محمد حكيم

فريق كرة القدم النسائية بالمنيا أثناء تدريبات المهارات بمركز شباب قرية البرجاية - صورة: محمد حكيم

تبارك أثناء تدريبها على المهارات الفنية مع صديقاتها بالفريق داخل إحدى الزراعات المجاورة لمنزلها بقرية البرجاية - صورة: محمد حكيم

تبارك تلعب بالكرة مع أخيها الصغير في إحدى شوارع القرية بجوار منزلها - صورة: محمد حكيم

تبارك أثناء أدائها بعض المهارات الفنية في إحدى الحقول الزراعية بجاور منزلها - صورة: محمد حكيم

Read in English
 
 
اعلان
 
 
 
 
More from Panorama