عمالقةٌ بالون: 5- سوف نخلق حضارة للعقل في الفضاء السبراني

مع تطور الوب وظهور ما يعرف بالوب 2.0، كانت الشبكات الاجتماعية والمدونات قد بدأت في السيطرة على المشهد. ظهر موقع «بلوجر»، المنصة الأشهر للتدوين، في نهاية عام 1999، من تطوير شركة Pyra Labs، وهي شركة كان ضمن مؤسسيها إيفان وليمز (Evan Williams). استحوذت جوجل على هذه الشركة في 2003. بعدها أسس إيفان ويلمز مع آخرين في 2006 شركة تويتر كمنصة للتدوين المصغر، ثم لاحقًا في 2012 أطلق موقع ميديوم (Medium)، والذي أصبح واحدًا من أشهر منصات التدوين العالمية.

أما موقع يوتيوب فقد ظهر في سنة 2005 على يد ثلاثة من العاملين السابقين في شركة باي بال (PayPal) التي تُقدّم خدمات الدفع الإلكتروني، وهي شركة أسسها إليون ماسك (Elon Musk) وبيتر ثيل، أول من استثمر في فيسبوك سنة 2004، ثم استحوذت عليها شركة التجارة الإلكترونية الشهير eBay.

بعد عام من إطلاقها، استحوذت جوجل على يوتيوب سنة 2006. كان أحد مؤسسي يوتيوب ستيفن تشين (Steve Chen) قد عمل في فيسبوك في وقت مبكر قبل أن يتركها بعد عدة أشهر للمشاركة في تأسيس يوتيوب. أما فيسبوك، فقد أطلقه مارك زوكربيرغ في 2004.

كنت قد تعرّفت على يوتيوب أولًا، ثم تويتر وفيسبوك على الترتيب. في البداية، كانت تويتر توفّر لمستخدميها عدة خيارات لنشر تغريداتهم، إما عبر نسخة الوب العادية المتوفّرة للحواسيب أو عبر نسخة الوب المُلائمة للهواتف المحمولة أو من خلال إرسال رسالة قصيرة إلى رقم دولي ومن ثم تُنشر الرسالة على حساب المستخدم. وقتها لم يكن الإنترنت عبر الهواتف منتشرًا، وسعر الخدمة كان مرتفعًا، كما لم تكون الهواتف ذكية مثلما الحال الآن. كانت نوكيا تُسيطر على سوق الهواتف العالمية قبل ظهور آيفون وأندرويد. أذكر أن استخدام الرسائل القصيرة للنشر على تويتر كان شائعًا بين المدونين، وتكلفة الرسالة الدولية كانت خمسون قرش وقتها. في هذه الفترة كان نظام تشغيل الهواتف المحمولة «سمبيان» هو الأكثر شيوعًا، ولم يكن بالتطور الذي ظهر لاحقًا مع تطور عتاد الهواتف المحمولة وظهور أندرويد وآي فون.

من اليمين: أول هاتف يعمل بنظام التشغيل أندرويد، أول هاتف آي فون.

سنة 2003، أسس آندي روبن (Andy Rubin) مع آخرون شركة أندرويد لتُنتج نظام تشغيل للكاميرات الرقمية، لكن تطور النظام وأصبح موجّه للهواتف المحمولة، وخرج أندرويد كنظام تشغيل مفتوح المصدر ومبني على نواة لينكس لينافس سمبيان المسيطر على السوق. يُقال إن آندي قد عرض نظام التشغيل أندرويد على نوكيا لاستخدامه على هواتفها لكنها رفضت. في سنة 2005 استحوذت جوجل على شركة أندرويد وبدأت في تطوير نظام تشغيل يستهدف الهواتف المحمولة والأجهزة اللوحية.

كان أول هاتف آي فون قد ظهر في 2007 وباعت أبل الملايين منه، ثم لحقتها جوجل في 2008، وأصدرت أول هاتف يعمل بنظام التشغيل أندرويد. مع الوقت، انتشر آيفون وانتشرت الهواتف العاملة بنظام التشغيل أندرويد وانهار قطاع الهواتف المحمولة في شركة نوكيا حتى استحوذت عليه ميكروسوفت في 2013، ثم باعت العلامة التجارية لاحقًا -في 2016- لشركة HMD التي أسسها موظفون سابقون في نوكيا.

أصبح الإنترنت منتشر بأسعار معقولة وبدأت الهواتف الذكية بالانتشار في مصر، تزامن ذلك مع تطور البنية التحتية الذي بدأ قبل ذلك بسنوات، و دخلت شركة اتصالات مصر في سوق الهواتف المحمولة في مصر سنة 2007م لتكون أول شركة تقدم تقنية الجيل الثالث، ليصبح هناك ثلاث شركات تقدم خدمات الهواتف المحمولة. وظلت المصرية للاتصالات مسيطرة على سوق الهواتف الثابتة والبنية التحتية للاتصالات.

في هذه الفترة، ظهر عدد من المواقع الاخبارية. أطلقت صحيفة الدستور موقعها الإلكتروني، وأطلقت مؤسسة المصري اليوم للصحافة والنشر موقعها الإلكتروني ليقدم خدمات إخبارية تختلف عن الإصدارات الورقية. كما أُطلق موقع اليوم السابع ليقدم محتوى خبري يختلف عن النسخة الورقية، وأصدرت دار الشروق للنشر موقع (بوابة الشروق) بعد الجريدة.

مع ظهور الشبكات الاجتماعية، أخذت شعبية المدونات في التراجع حتى سيطر فيسبوك وتويتر وغيرهما على الوب. في حين أن الشبكات الاجتماعية قد وفّرت أدوات متطورة للتواصل والترفيه ووُظفت في العمل العام جيدًا، إلاّ أن تراجع شعبية المدونات كان سيئًا على مستوى المحتوى المكتوب خاصة أن الشبكات الاجتماعية كانت وما تزال لديها مشاكل تتعلق بالأرشفة والبحث بعكس المدونات.

ومع تطور الويب والمواقع الإلكترونية ومحركات البحث على الإنترنت، والبريد الإلكتروني وانتشاره، والقوائم البريدية والمنتديات، وتطبيقات الدردشة ثم تطبيقات وِب 2.0 كالمدونات والشبكات الاجتماعية، والهواتف الذكية المتطورة والحواسيب اللوحية، تضخّم حجم البيانات المتاحة على الشبكة، وأصبحت طرق الوصول إليها أكثر سهولة. فالشخص الذي  يلتقط صورة لمعلَم محلّي ويكتب عنها نصًا وينشرها مباشرة على الإنترنت في أقل من دقيقة، يُغذّي الإنترنت بمعلومات عن الموقع الجغرافي الذي التُقطت الصورة فيه ووقت التقاطها، بالإضافة للصورة نفسها والمعلومات المكتوبة عنها. كل هذا بالإضافة للجامعات التي تنشر موادها الدراسية أو ترقمن مكتباتها على الإنترنت، أو مواقع التعليم عن بُعد والمواقع الإخبارية، والمؤسسات البحثية والعلمية، والناشرين والحكومات التي تنشر محتوى عبر الإنترنت، وحتى الذكاء الاصطناعي وتطوره إلى أن أصبح يُنتج محتوى جاهزًا للنشر على الشبكة. كل ذلك يساهم في تغذية الشبكة بمليارات البيانات يوميًا.

صورة من مظاهرات إضراب 6 أبريل 2008

في 2008، دعت مجموعات عمالية في مصانع غزل المحلة لإضراب عام عن العمل يوم 6 أبريل. استجاب عدد كبير من المواطنين للدعوة والتقطتها مجموعة من النشطاء لتظهر أول دعوة لعصيان مدني في مصر عبر فيسبوك ويستجيب لها الآلاف. كانت الصفحة التي أُنشئت على فيسبوك للدعوة للإضراب قد تجاوز عدد متابعيها 70 ألف خلال أيام، وانتشرت رسائل نصية عشوائية تدعو للإضراب تحت شعار (خلّيك بالبيت). و في يوم 6 أبريل، كانت هناك دعوات عديدة للتظاهر في القاهرة والمحافظات وأعتُقل عدد كبير من النشطاء من منطقة وسط البلد والإسكندرية، ما دعا محامون حقوقيون لتكوين (جبهة الدفاع عن متظاهري مصر) وما تزال الجبهة نشطة حتى الآن.

في هذه الفترة كنت أعمل كمطور مواقع بجانب دراستي لهندسة الاتصالات. لاحقا عملت مع منظمات مجتمع مدني مصرية على توظيف الإنترنت في قضايا حقوق الإنسان ثم عملت بالشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان.

خالد سعيد، أيقونة الثورة

في 2010 قُتل خالد سعيد على يد أفراد من الشرطة في الإسكندرية. كانت أخبار التعذيب الممُنهج من الشرطة يُتداول على نطاق واسع خاصة مع عمل منظمات حقوقية مصرية على قضايا التعذيب، كمركز النديم، وأيضا بسبب انتشار مقاطع فيديو تعرض مشاهد تعذيب مواطنين داخل أقسام الشرطة، غير أن قضية عماد الكبير كانت الأشهر خاصة بعد أن سُجن أول ضابط شرطة بسبب التعذيب.

لقطة من خبر عن خالد سعيد ، نُشر في صحيفة اليوم السابع

تناول الإعلام الرسمي والموالي للسلطة قضية مقتل خالد سعيد بحقارة، حتى إنهم أسموه (شهيد البانجو) بعد أن أعلن ياسر رفاعي المحامي العام الأول بالإسكندرية عن براءة الداخلية من مقتل خالد سعيد وأن سبب الوفاة نتيجة أسفكسيا الاختناق بسبب ابتلاع لفافة بلاستيكية من البانجو، ما دعا نشطاء للتظاهر دعمًا لقضية خالد في القاهرة والإسكندرية، ربما كان أكبرها مظاهرة أمام لاظوغلي أٌعتقل فيها العديد من النشطاء. وأصبحت قضية خالد سعيد وصفحة دعم قضيته على فيسبوك محركًا لثورة يناير.

لم يكن مقتل خالد سعيد هو الحادثة الوحيدة في هذه الفترة، ففي نهاية 2010 كانت أخبار حادثة تفجير كنسية القديسين التي حدثت عشية رأس السنة بالإسكندرية تملأ الإنترنت والإعلام، وعلى أثر ذلك قُبض على سيد بلال مع مجموعة من السلفيين من الإسكندرية، وقُتل بلال إثر التعذيب الذي تعرّض له.

في هذه الفترة، كانت الشبكات الاجتماعية والإنترنت قد أصبحت محركًا أساسيًا للحراك السياسي والاجتماعي ولديها شعبية عالمية تؤهلها للعب دورًا في التنظيم والدعوة للتحركات السياسية. ربما كانت الدعوة للإضراب في 6 أبريل في مصر والمظاهرات الإيرانية التي أعقبت إعادة انتخاب أحمدي نجاد، والتي اٌستخدم فيها تويتر على نطاق واسع قد لفتت الانتباه عالميًا تجاه ما يمكن للإنترنت أن يلعبه في التغيير السياسي.

تكشف التسريبات التي خرجت من مقار أمن الدولة في 2011 بعد اقتحامها من قبل مجموعة من المتظاهرين أن الحكومة المصرية قد وعت لخطورة الإنترنت كأداة للتغيير السياسي في سنة 2008 واشترت برمجية التجسس FinFisher من إنتاج شركة بريطانية تدعى Gamma Group. هذه البرمجية تُمكّن أجهزة الأمن المصري من مراقبة الاتصالات بما في ذلك المكالمات الهاتفية والرسائل القصيرة ورسائل البريد الإلكتروني وتطبيقات الدردشة وتسجيل ما يحدث حول أجهزة الحاسب الآلي عن طريق الكاميرا المرتبطة بها. استوردت السلطات المصرية برمجية FinFisher عبر شركة MCS Holdings وهي شركة مصرية محلية، كوكيل لشركة Gamma Group، وأثبتت الوثائق استخدام السلطات المصرية للبرمجية على مدار خمسة أشهر لمراقبة اتصالات نشطاء سياسيين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

كان محمد البرادعي قد عاد إلى مصر في وقت مبكر من نفس سنة مقتل خالد سعيد واستقبله المئات بمطار القاهرة على إثر دعوة لاستقباله انتشرت على الإنترنت. أذكر هتاف (شد القلوع..يا برادعي.. مافيش رجوع.. يا برادعي) في حين أن البرادعي قد خرج من صالة كبار الزوار. ثم كوّنت مجموعات سياسية كانت على اتصال بالبرادعي (الجمعية الوطنية للتغيير) والتي تشابهت مطالبها مع مطالب حركة (كفاية) التي كانت قد تفككت وخفض تأثيرها.

العنوان مقتبس من “إعلان استقلال للفضاء السبراني” تأليف : جون پِري بارلو (1996) وترجمة أحمد غربية (2005)

الحلقات السابقة من «عمالقةٌ بالون»:

1- مواطن جديد آتٍ للفضاء السيبراني

2- اكتشاف العالم الموجود في كل مكان وفي اللامكان

3-  بلُج أم بلوغ؟

4- نخلق عالمًا يمكن فيه لأيٍّ كان في أي مكان التعبير عن رأيه

اعلان
 
 
محمد الطاهر 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن