تعديل الضرورة لمسار «رئيس الضرورة»

وفقًا للنتائج المعلنة، حاز المرشح عبدالفتاح السيسي على ثقة نحو 96% من الناخبين الذين شاركوا في أول استحقاق رئاسي عقب عزل الرئيس الراحل محمد مرسي. على أرض الواقع وبعيدًا عن الأرقام التي أعلنتها لجنة الانتخابات الرئاسية، لا يستطيع أحد أن يشكك في شعبية السيسي في ذلك التوقيت، فصور الرجل رفُعت في مسيرات تأييد وتفويض، والخوف من المجهول والرغبة في الاستقرار صنعت من وزير الدفاع بطلًا شعبيًا.

نافس السيسي في شعبيته الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، على حد ما كان يعتقد الأستاذ محمد حسنين هيكل حينها، أسست تلك الشعبية لـ «رئيس الضرورة» ذي الخلفية العسكرية؛ شرعية سياسية كان من الممكن أن يستند عليها في وضع قواعد مصر الجديدة التي خرج من أجلها الملايين في 2011 و2013، دولة مدنية ديمقراطية حديثة تخاصم سوءات الماضي وتنطلق نحو المستقبل.

كيف تعامل السيسي مع تلك الشرعية؟ وهل سعى إلى الحفاظ على شعبيته وعلى ثقة من راهنوا عليه سواء من كتل الاستقرار أو من شركائه في حلف 25 يناير و30 يونيو الذين تمردوا على القمع والديكتاتورية واحتكار السلطة والثروة، ودعوا إلى سيادة الدستور والقانون ورفعوا في مسيراتهم شعارات الحرية والكرامة والعدالة؟

في يونيو 2014 وقع السيسي، مع سلفه الرئيس المؤقت عدلي منصور، على وثيقة لتسليم السلطة، تعهد فيها بـ «احترام ثورة 25 يناير وما حملته من طموحات وآمال وتطلعات، وثورة 30 يونيو المكملة التي صوبت المسار»، وقبل أن يجف المداد الذي كُتبت به الوثيقة سارع الرئيس الجديد إلى التخلص من أحمال يناير وأعبائها، ثم تنكر لشركاء 30 يونيو، فبدا أن الرجل لا يؤمن بالحرية ولا بالتعددية ولا يعرف سوى منهج الأمر والطاعة الذي خبره خلال خدمته الطويلة في القوات المسلحة.

وبعد أسابيع قليلة من وصوله إلى «الاتحادية» فتحت السجون أبوابها مجددًا لشباب الثورة بدعوى مخالفتهم لقانون التظاهر، ووصدت أبواب الحوار، وأصبح الرئيس الزعيم مصدرًا لكل السلطات. وعندما أدرك الساسة وأصحاب الرأي أن النظام الجديد قرر إماتة السياسة، ومكن الأجهزة الأمنية من مؤسسات الدولة، اختاروا طوعًا أو كرهًا الانزواء وهجر المجال العام، بل هجر الوطن كله هربًا من القمع، يستثنى من ذلك من قرر الدخول بقدميه حظيرة النظام والتحق بكتائب التهليل والتسبيح بحمد رجل القصر الجديد.

لم يدرك السيسي بعد انتخابه بشهور قليلة أن كتلة التأييد التي أتى على أكتافها بدأت في التآكل، وأن حالة التململ وفقدان الثقة في المستقبل أصبحت تتسع مع الوقت، خاصة بعد أن أحكم الأمن قبضته على معظم الملفات: «السياسة، الانتخابات البرلمانية، الجامعات، المحليات، والإعلام»، وفي الاقتصاد كفر البسطاء بالوعود المتكررة بالسيطرة على الأسعار التي أنهكت جيوب الفقراء.

في مقال نشره بـ «الشروق» في أكتوبر 2014 بعنوان «كتلة التململ الحرجة» عبر الأستاذ عبدالله السناوي عن تلك الحالة قائلًا: «شيء من الشك في صحة الرهان بدأ يتسرب، وهذا مؤشر لما قد يحدث تاليًا ما لم تتدارك أسبابه»، محذرا من أن «كتلة التململ الحرجة قد تخرج عن صمتها الطوعي على أي أخطاء تجري لإتاحة الفرصة كاملة أمام الرئيس للتصرف في الملفات الصعبة إلى الجانب الآخر بجوار كتلة النار، وهذا مشروع انهيار محقق للنظام والمجتمع معًا، فالبلد لا يحتمل اضطرابًا جديدًا أو تصدعًا آخر فى بنية دولته التي تعافت بالكاد».

السناوي قصد بـ«كتلة النار» احتجاجات الإخوان وأنصارهم التي لم تتوقف في الشوارع والجامعات، مشيرًا إلى أن استمرار الإحباط قد يؤدي إلى تقارب كتلتي «التململ» و«النار»، وهو ما قد ينتهي بموجة ثورية جديدة تطيح بكل شيء، «هذا كله كلام في السياسة طبيعي ومشروع وغيابه يفتح أبواب جهنم على احتمالات أن تفلت الأزمات من عقالها وتقترب كتلة التململ الحرجة من كتل النار المشتعلة في مصر والمنطقة أو أن تنقلب المعادلات كلها وتتهدد الدولة في وجودها».

بالصدفة البحتة وفي ذات العدد من «الشروق» نقلت زميلتنا الصحفية دينا عزت عن مصدر مطلع تلقي السيسي تقريرًا مطولًا «يحذر من تزايد درجة الغضب بين دوائر سياسية عديدة شاركت في تحالف 30 يونيو.. وحمل التقرير رسائل تحذيرية من شخصيات سيادية وأخرى سياسية من المشاكل الكبيرة الناجمة عن الإفراط في استخدام أدوات الأمن لمواجهة كل أشكال الغضب والمعارضة السياسية».

وقال المصدر، وفقًا لتقرير «الشروق» إن الرئيس يعلم أن هناك غصة فى حلق الكثيرين من حلفاء 30 يونيو، خاصة من الشباب الذين كان بعضهم أعضاء فى اللجان التنسيقية لـ30 يونيو، وهم الآن فى السجون دون تهم واضحة أو بتهم تتعلق بخرق قانون التظاهر الذي وعد الرئيس أكثر من مرة بمراجعته، ولكنه أجل هذه الخطوة بناء على نصيحة شخصية أمنية رفيعة تحظى بثقة رئاسية كبيرة».

وأشار التقرير إلى أن الرئيس «تلقى نصيحة أمنية بتأجيل انتخابات البرلمان حتى النصف الثانى من العام المقبل ريثما يتم الانتهاء من تخطيط المشهد السياسي بما يضمن برلمانًا مواليًا بالكامل».

وأنهت زميلتنا تقريرها بأن هناك حالة من التحسب في دوائر الحكم حول إمكانية المضي قدمًا في اتخاذ المزيد من خطوات الإصلاح الاقتصادي في ظل حالة القلق السياسي والتوجس المجتمعي.

بعدها بشهرين، تحديدًا في ديسمبر 2014، دعا الأستاذ هيكل السيسي إلى الثورة على نظامه، موجهًا انتقادات لتوجهات الرئيس الذي بشر به وراهن عليه ووصفه بـ«مرشح الضرورة»، وقال في مقابلة تلفزيونية: «المستقبل لا يمكن أن يبنى على مصنع أو طريق أو قناة، لكن يجب أن يوضع هذا كله في سياق ورؤية، وضمن نظرة نقدية لكل شيء، حتى نستعيد روح الثورة، سواء في 25 يناير أو 30 يونيو»، مشيرًا إلى أن الشعب المصري الذي ثار في سبيل التغيير، «لا بد أن نصغي لصوته، ولا بد من الاستجابة لمطالبه».

وبعد أقل من عام على هذا التاريخ تيقن هيكل من أن شعبية السيسي قد وصلت إلى مرحلة الانهيار بفعل غياب الرؤية وتبنى سياسات أضرت بالأغلبية العظمى من الشعب، وقبل وفاته بأسابيع وجه الأستاذ إلى الرئيس، الذي بشر به، رسالة قال فيها: «لا تستطيع أن تستعيد سلطة وشعبية جمال عبدالناصر بسياسات إسماعيل صدقي».

رسالة هيكل المشفرة والتي وصلت إلى معظم من سمعها أو قرأها باستثناء من أُرسلت إليه، قصد بها أن سياسات السيسي وتوجهاته لا تختلف عن سياسات إسماعيل باشا صدقي، رئيس وزراء مصر الأسبق، الذي حكم البلاد بالحديد والنار، وانقلب على دستور 1923 وعطل البرلمان وانقض على خصومه وسيطر على الجهاز الإداري للدولة ليضمن تزوير الانتخابات لصالح حزبه، واعتدى على الصحافة وأصحاب الرأي، وهي سياسات لا تصنع شعبية ولا تؤسس لشرعية.

لم يصغ السيسي إلى نصائح الداعمين والمؤيدين ولا حتى المبشرين به ومضى في طريقه، فترك الأجهزة تهندس معركة الانتخابات البرلمانية لتفرز مجلس نواب دعم الرئيس، ثم نفذ شروط صندوق النقد الدولي التي دهست الفقراء والمعوزين وحملت الطبقة الوسطى أعباء تفوق قدرتها على الاحتمال، ومكن الأجهزة الأمنية من إدراة معظم مؤسسات الدولة، فارتفع منسوب الغضب، وبدأ رصيد الشرعية الشعبية الذي اتكأ عليه السيسي في التآكل أسرع مما كان أحد يتخيل.

ما زاد الطين بلة وجعل في الحلق غصة تفريط النظام في جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية في أبريل 2016، وما تبع ذلك من اقتحام نقابة الصحفيين عقابًا لها على فتح أبوابها للمحتجين على قرار التنازل، ثم تجاهل الأحكام القضائية بأحقية مصر في الجزيرتين. حولت تلك الأزمة نظام السيسي من نظام يسعى إلى لملمة ما تبعثر من شرعية بفعل إجراءات وسياسات ومشروعات ليست لها جدوى اقتصادية، إلى نظام قرر فرض شرعيته بالقوة الغاشمة «ماحدش يتكلم في الموضوع ده تاني»، وهو ما صعّب أي محاولة لجبر شروخ الشرعية.

قررت أجهزة النظام بعد التنازل عن «تيران وصنافير» السيطرة الكاملة على الإعلام المصري بكل منصاته، حتى لا يتكلم أحد في هذا الموضوع أو في غيره، وشرعت في تأميم القنوات والصحف أو إخضاعها للعمل تحت السقف الذي يحدده «رئيس تحرير مصر»، ومن رفض التأميم والإخضاع تم حجبه حتى وصلت المواقع المحجوبة إلى أكثر من 500 موقع، ومع الوقت قلمت أظافر من حاول الاجتهاد من رجالها ليقدم شيئًا مختلفًا، فمن لم يلتزم بالتعليمات المنقولة عبر جهاز «السامسونج» جلس في بيته، فتحولت الشاشات والصحف والمواقع إلى صدى صوت لنظام الحكم.

اتسعت الهوة أكثر فأكثر، مع الزيادات المتكررة في أسعار الطاقة، وأصبح إقناع الناس بضرورة التقشف وربط الأحزمة لأننا «فقرا قوي» ضربًا من ضروب العبث، فمظاهر البزخ من بناء مدن جديدة للطبقات المخملية ورفع مرتبات ومكافأت السادة الوزراء والنواب وباقي «بهوات» هذا الزمان استفز المواطنين وجعلهم يهزأون من أي حديث عن الفقر، وترجموا ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي بـ «هاشتاجات» وتدوينات تحول بعضها إلى «تريند»، ما دفع السيسي للرد على إحدى تلك الحملات قائلًا: «عايز أخرجكم من العوز، وأخليكم أمة ذات شأن، تعملوا هاشتاج #ارحل_يا_سيسي ! أزعل ولا ما ازعلش؟.. في دي أزعل».

في نهاية عام 2017 وقبل فتح باب الترشح في انتخابات الرئاسة الثانية أدلى السيسي بتصريحات لشبكة «CNBC» الأمريكية تعهد فيها بعدم تعديل دستور 2014، وأكد أنه ملتزم بفترتين رئاسيتين؛ مدة الواحدة منهما أربع سنوات مع عدم تغيير هذا النظام، «لدينا دستور جديد الآن، وأنا لست مع إجراء أي تعديل في الدستور خلال هذه الفترة.. وسوف أحترم نص الدستور الذي يسمح للرؤساء بشغل مناصبهم لفترتين متتاليتين فقط، مدة الواحدة أربع سنوات».

ولكن قبل الانتخابات الرئاسية التي أقيمت في مارس 2018، قُطع الطريق على أي منافس محتمل للمرشح الرئيس، وحُشدت الناس إلى صناديق الاقتراع على النحو الذي رصدته وعوقبت بسببه جريدة «المصري اليوم»، وبعدها بشهور بدأت عملية العبث بمواد الدستور حتى يتمكن الرئيس من الاستمرار في الحكم حتى 2030 ويُدستر إحكام قبضته على باقي السلطات، فضاقت النفوس بضياع الأمل في تغيير النظام بطريقة هادئة في 2022 كما كان يروج حزب الاستقرار.

هؤلاء الذين قبلوا على مضض قرارات النظام الاقتصادية وبلعوا ألسنتهم «علشان البلد تمشي» ظنوا أن السيسي سينهي فترته الثانية ويرحل، حتى ضربهم زلزال تعديل الدستور، فبلغ الاحتقان مداه، في تلك الأجواء ظهر الممثل المقاول محمد علي وطرح في فيديوهاته ما لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه فصار كالدبوس الذي شك بالون مهيئ للانفجار، وجرى ما جرى في شوارع وميادين مصر ليلة 20 سبتمبر.

أدركت السلطة وأجهزتها متأخرًا أن الغضب قد يأخد أمامه الجميع، وأن عجلة التغيير التي دارت في نهايات عام 2004 وانتهت باقتلاع مبارك من على رأس السلطة في 2011 قد عاودت الدوران مرة أخرى، وفيما بدا أنه محاولة لترميم شروخ السلطة، انطلقت دعوات لإجراء إصلاحات سياسة واقتصادية، تبارى أصحابها في تقديم روشتات لإنقاذ النظام دون النظر إلى إنقاذ الوطن.

ما طرح على شاشات الفضائيات أو تحت قبة البرلمان خلال الأيام الأخيرة لا يعدو كونه محاولة للالتفاف على غضب الناس، فأصحاب تلك الدعوات يدركون كما غيرهم أن الحديث عن الإصلاح السياسي يصطدم بطبيعة تفكير الرئيس، فالرجل لا يحب السياسة ولا يعترف بحلولها «أنا مش سياسي بتاع كلام»، يؤمن السيسي أنه المنقذ الذي فوضه الله والشعب لحكم هذا الوطن، ويعتقد أن رؤيته هو فقط هي التي حافظت على هذا البلد من مصير سوريا والعراق، لذا توقفت حدود ما طرحوا على إجراءات شكلية لم تقترب من منابع الغضب المرشح للتصاعد.

تطويق هذا الغضب لن يتم إلا بإقناع الناس بأن عجلة التغيير الهادئ ستعود إلى مسارها الطبيعي وأن الرئيس سينفذ تعهداته بالرحيل في 2022، ولن يتأتى ذلك إلا بالعدول عن التعديلات الدستورية الأخيرة والعودة إلى دستور 2014 بمواده التي وافق عليها نحو 98% من الشعب، حينها سيتوارى شبح العودة إلى الشوارع والميادين مرة أخرى.

بالتوازي مع تلك الخطوة المفصلية، هناك عدد من الخطوات المكملة التي ترسم مسار مرحلة انتقالية جديدة تنتهي في 2022، يأتي في مقدمتها الإفراج عن كل المحبوسين على ذمة قضايا رأي، وسن قانون جديد لمجلس النواب يسمح بمشاركة الجميع ولا يقصي أحد، واحترام حقوق الآخرين في التعبير عن الرأي، ورفع يد الأجهزة الأمنية عن الإعلام حتى يتمكن من القيام بدوره في إخبار الناس بما يدور في كواليس السلطة وإعلام السلطة بمطالب الناس وهمومها، وفتح حوار جاد مع المعارضة وأصحاب الرأي عن مشاكل الدولة وأزماتها بدءًا من التعليم والاقتصاد وصولًا إلى الطامة الكبرى «سد النهضة» الذي وصلت مفاوضاته إلى طريق مسدود.

كلما سارع النظام بتوجيه رسالته إلى الناس وبادر بإعلان تلك الإجراءات، وقى نفسه والدولة من المصير المجهول، فلو اختار مبارك التوقيت المناسب للإعلان عن رحيله بعد انتهاء فترته الرئاسية الخامسة وعدم ترشيح ابنه في انتخابات 2011، وحل مجلس الشعب وأقال الحكومة وأفرج عن المعتقلين السياسيين ليلة 26 يناير لما وصلنا إلى جمعة الغضب وما تلاها حتى 11 فبراير.

ظني أن جميع الأطراف ترغب في فتح صفحة جديدة، والفرصة لا تزال قائمة لتعديل مسار الضرورة والعودة إلى المسار الطبيعي للدول التي ترغب في تحقيق تنمية واستقرار حقيقي، فلا أحد يرغب في اندلاع مظاهرات واحتجاجات تعرض البلد إلى هزات جديدة، والكرة في ملعب السيسي.

اعلان
 
 
محمد سعد عبد الحفيظ 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن