غضب يجتاح بغداد

اندلعت احتجاجات واسعة الأسبوع الماضي في بغداد وعدد من المحافظات العراقية. وأسرعت الحكومة لاستخدام العنف ضد المُحتجين، وأعلنت قوات الأمن رسميًا عن مقتل 100 شخص وجرح 6100 آخرين منذ الثاني من أكتوبر الجاري، على الرغم من ادعاء بعض المصادر أن أعداد القتلى والمصابين أكبر بكثير. كما وردت تقارير عن اعتقال مئات الأشخاص نتيجة مشاركتهم في الاحتجاجات. ولقد لجأت الحكومة إلى عدة تدابير للتعامل مع الاحتجاجات الأخيرة، من بينها حجب الإنترنت، استخدام القناصة، استخدام الرصاص الحي، وفرض حظر التجوال لمدة 48 ساعة. ولم تلق اقتراحات الإنفاق الحكومي لتهدئة المُحتجين والاستجابة لمطالبهم أي اهتمام.

في الوقت نفسه، استهدفت عناصر مُسلحة، لا نعرف إذا ما كان لها علاقة بالحكومة أو لا، وسائل إعلام محلية على نحو عنيف، وهناك مزاعم بشأن مسؤولية تلك العناصر عن استهداف المحتجين وقوات الأمن على السواء خلال الاحتجاجات. 

بعد حرب مروعة استمرت ثلاث سنوات ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) في جميع المحافظات الكبرى، يعاود الإخفاق المستمر للنظام العراقي تصدر المشهد مرة أخرى. وسرعان ما تلاشى التفاؤل الذي أحاط بتشكيل «حكومة تكنوقراطية» في 2018. فلقد توافقت النخب السياسية والدينية على تشكيل الحكومة الحالية بعد الاحتجاجات في البصرة وضعف إقبال الناخبين مقارنة بالانتخابات السابقة، كما شهدت الأشهر الثمانية عشر الماضية اتحاد معظم الفاعلين السياسيين نسبيًا، وتحديدًا الكتلتان الرئيسيتان: البناء التي تدعمها إيران، والإصلاح التي يدعمها مقتدى الصدر، إلى جانب مجموعة من الكيانات السياسية الأصغر الأخرى، دون أن يُقرر أي حزب أو فاعل سياسي تحمّل مسؤولية حل أي من القضايا المُلحة في البلاد.

وكانت المُحصلة النهائية هي ركود شبه كامل للنظام الحاكم على مدار العامين الماضيين، نتيجة الخلافات حول المواقف الحكومية ورسوخ سياسات إلقاء اللوم على الآخرين على نحو أعمق مما حدث داخل الحكومات السابقة. ونظرًا لكون رئيس وزراء «مُكبل اليدين»، بدون سلطة سياسية، كافح عادل عبد المهدي لصد الهجمات السياسية وحمل الأحزاب على الاتفاق على كل شيء، بداية من التشكيل الحكومي الكامل وميزانية الإنفاق السنوية إلى خطط الاستجابة والإنعاش بعد الحرب. وكان الاختيار قد وقع على عبد المهدي كمرشح توافقي بين كتلتي البناء والإصلاح عقب الانتخابات الأخيرة. 

ولكن ماذا عن المُحتجين؟ وما الذي يجعل هذه الاحتجاجات مختلفة عن احتجاجات البصرة في العام الماضي، وعن محاولة اقتحام البرلمان في 2016، وعن غيرها من الاحتجاجات الدورية التي اندلعت على مدى العقد الماضي؟ الاختلافات على مستوى المطالب ضئيلة للغاية. 

كيف وصلنا إلى هذه الحال، هي قصة بطيئة تمتد على مدى الـ 16 عامًا الماضية، في أعقاب الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في 2003. ووصول النخبة السياسية الجديدة والقوية حينها للسلطة لمدة عقدين تقريبًا. وبوجه عام، فإن هذا النظام السياسي الذي يقوده الشيعة قد سحب البساط من تحت أقدام الجماعات التي يقودها السنة بعد سقوط نظام صدام حسين، والتي كانت تحاول إشراك ممثلين من الجماعات السنية والشيعية والكردية. نتيجةً لذلك، أصبح الفضاء السياسي العراقي كعكة مقسمة بدقة، على نحو يُمثل مصالح مختلف المجموعات السياسية القوية، على عكس مشروع إعادة البناء السياسي بعد الحرب.

بالنسبة للمواطنين العراقيين، لم يطرأ تحسن كبير على نوعية الحياة، في ذلك الوقت. لقد تبخرت الوعود بإعادة الثروة والشفافية والحكم الرشيد وأي شيء آخر أكثر من الديمقراطية التدريجية التي لاحظناها، ما خلق نخبة سياسية ملوثة أشرفت منذ ذلك الحين على دورات متواصلة من العنف والصراع. إن دولة تمتلك خامس أكبر احتياطي للنفط في العالم، وثروة تفوق ثروات معظم جيرانها من الدول متوسطة الدخل في المنطقة، تتسم بهيكل حكم مركزي وغير كفؤ، وتفتقر إلى أي إصلاحات أو تنمية اجتماعية على نحو يتعذر تبريره. لقد قضت الطبيعة الفاسدة للنظام السياسي منذ عام 2003 على أي أمل كان قد ظهر عقب الإطاحة بنظام صدام حسين. 

في السنوات التي تلت حرب 2003، لم يعرف العراق عملية سلام مستقلة أو خاضعة لرعاية دولية. وتُركت المظالم الاجتماعية في عهد صدام حسين لتتقيّح. تلك المظالم التي ورثتها الأجيال الجديدة، ثم استبدلتها مظالم أخرى ناجمة عن إخفاقات ما بعد عام 2003 في تحقيق نظام حكم عادل ومنصف. دفعتنا هذه الإخفاقات إلى جولات مختلفة من الصراع وخلقت دولة يرى الكثيرون أنها في حالة حرب دائمة ضد نفسها. على الرغم من ضرورة وضع عجز نظام ما بعد الحرب في الحسبان، إلا أننا يجب أن نعود إلى حقيقة أن هذا النظام الهش نسبيًا يُعد في حد ذاته أحد مؤسسات الحرب، وأحد نتائجها الثانوية وعلى علاقة مستمرة بمن شنوا هذه الحرب.

كانت الولايات المتحدة جهة فاعلة أمنيًا وعسكريًا منذ أن قادت الغزو في 2003. ولقد أقامت شراكة ثنائية قوية وراسخة مع النخبة السياسية. في وقت سابق من هذا العام، أخبرني باحث بارز في العاصمة الأمريكية بتقييمه لسياسة واشنطن: «إذا تمكنا من تجنب الصراع لمدة خمس سنوات، فسوف نعتبر ذلك انتصارًا». 

لكن يمكن وضع الاحتجاجات الراهنة ضمن إطار زمني أحدث، يتمثل في المقاومة التي دامت ثلاث سنوات ضد «داعش» والتي بلغت ذروتها بأزمة الحكم الأخيرة في عراق ما بعد الحرب.

في 2014، عندما دخل تنظيم الدولة الإسلامية الموصل وتجمع قوته، بعد أن استولى على مدن أخرى، دعا آية الله العظمى السيستاني المواطنين في جميع أنحاء البلاد لحمل السلاح والانضمام إلى القتال لإنقاذ البلاد. أدت الدعوة الواسعة وإضفاء الطابع الرسمي على «الحشد الشعبي»؛ المظلة العسكرية لعشرات الجماعات الشيعية، إلى زيادة مكانته. استجاب عشرات الآلاف للدعوة، غالبيتهم الساحقة من شباب المناطق ذات الغالبية الشيعية. وفي أعقاب النصر على «داعش»، يُصرّ هؤلاء الرجال وعائلاتهم على الحصول على مستحقاتهم. لا يطالب المتظاهرون بالرفاهية لأن الدولة وعدت بذلك.

إنهم لا يطلبون الخدمات والوظائف والشفافية والعدالة لأنهم يعتقدون أن على حكومتهم توفيرها. فقدت عائلات عديدة أحبائهم -الإخوة والأزواج والأبناء وأبناء العم- ​​في المعركة ضد «داعش». وعاد الكثير من المقاتلين إلى الفرص الاقتصادية الضئيلة (أو المعدومة) وسُبل العيش المتردية. لقد قاتلوا من أجل البلاد، وحققوا النصر. وببساطة: تعتبر الحكومة مدينة لهم.

ومع ذلك، هذه ليست القصة الوحيدة. من المؤكد أن الاحتجاجات الغاضبة والعفوية التي تندلع على هذا النحو لا تحتاج عامة إلى مثيرات كبيرة. في بعض الأحيان يبدو المثير غير منطقي تقريبًا، خاصةً بالنسبة لأولئك الذين تابعوا سنوات الاضطراب الاجتماعي عن كثب. على الرغم من مزاعم عكس ذلك، تشير جميع التقارير الميدانية إلى أن الاحتجاجات بلا قيادة. وفوق كل ذلك، فهي تعكس موجة من الغضب تُشبه تلك التي اندلعت في جميع أنحاء المنطقة في السنوات الأخيرة. الغضب الذي لا ينتهي إلا بتفكيك النظام السياسي برمته: إسقاط النظام.

كان المثير للاحتجاجات هو بغداد. عندما انتفضت بغداد، حذت المحافظات الأخرى حذوها. لكن انتفاضة بغداد ليست مفاجأة. وكما أخبرني الصحفي المقيم في بغداد نبيل صالح: «كان التركيز في الأشهر الأخيرة على الجدران المضادة للانفجار، التي تتساقط (حول المنطقة الخضراء)، وفتح المدينة. ولم يهتم أحد بما تفعله السلطات، التي جمعت الباعة الجائلين، وحظرت أعمالهم وأزالت أكشاكهم المؤقتة من الشوارع، ودون أن تقدم لهم البديل».

ومنذ عدة أشهر، بدأت الحكومة في إزالة الجدران الحصينة المضادة للانفجار حول المنطقة الخضراء، والتي أُقيمت في بغداد بعد الحرب، عام 2003، لتحصين منشآت الحكومة والبرلمان ومنشآت مؤسسات المجتمع الدولي التي كانت تتمركز جميعها داخل تلك المنطقة. أدت الجدران إلى تقسيم المدينة، ومنعت المدنيين من الوصول إلى تلك المؤسسات، والعكس بالعكس. أُزيلت الجدران في وقت سابق من هذا العام، في إشارة إلى أن بغداد أصبحت الآن آمنة بما فيه الكفاية.

في دولة ذات معدلات بطالة عالية، ولا يستطيع أغلب الشباب المتعلم العثور على عمل، فإن أجزاء من القطاع الاقتصادي غير الرسمي مثل الباعة المتجولين وتجارة السوق السوداء وما شابه ذلك تصبح شريان الحياة الاقتصادي الوحيد. 

ومع تزايد الاضطرابات، حاولت بعض التحليلات استخدام مكان الاحتجاجات لتفسير ما يحدث على أنه انتفاضة يقودها الشيعة لأن المناطق ذات الأغلبية السنية لا تزال هادئة. لكن هذه الفكرة مثار جدل، لأنها مُقاربة شديدة النمطية في التعامل مع العراق، تعتمد على منظور طائفي فقط. وتفيد تقارير واسعة النطاق أن المناطق ذات الأغلبية السنية تقف بقوة مع المحتجين، ووردت تقارير عن أعمال مثل التبرع بالدم، وربما حتى إضراب عام قادم في أيام. ربما يخشى سكان هذه المناطق من اتهامهم بالإرهاب، أو بالتعاطف مع «داعش»، أو بمحاولة اختراق الاحتجاجات.

في الواقع، يمكن القول إن نوعية الحياة في تلك المناطق -وخاصة المناطق المحررة من قبضة «داعش»- أسوأ في بعض الحالات من تلك الموجودة في المحافظات المُحتجة. لقد تركت الحرب ضد «داعش» المدن السُنية مدمرة، فقد دُمرت المنازل والبنية التحتية وأصبحت الخدمات شبه معدومة. لقد أدى الفساد والمحسوبية وعدم كفاءة السلطات المحلية إلى عدم قدرة الآلاف على المطالبة بحقوق ملكية الأراضي أو المنازل أو حتى الأوراق الرسمية التي تمكنهم من العودة إلى مناطقهم الأصلية. بدلًا من ذلك، لا يزال هناك (رسميًا) أكثر من 1.5 مليون شخص يعيشون في مخيمات النازحين داخليًا غير المجهزة، بعد عامين من انتهاء الحرب رسميًا ضد «داعش».

وكما رأينا في الاحتجاجات التي اجتاحت المنطقة من قبل، فإن «الروايات» و«التحليلات» و«المؤامرات» سرعان ما تصبح مفردات مترادفة. والأمر لا يختلف في احتجاجات العراق. لقد رأينا بالفعل أشخاصًا يناقشون العنصر الطائفي، ويتساءلون عن الروابط السعودية، وسمعنا قصصًا من أشخاص يرغبون في وصف الاحتجاجات بأنها «مؤيدة للبعثيين». في الحقيقة، يرجع سبب هذه التحليلات إلى عدم القدرة على فهم المتظاهرين ومطالبهم، ويساهم في تجريد هؤلاء المتظاهرين من فعاليتهم، وحقيقتهم، وقوة غضبهم، وإيمانهم بما يمكنهم تحقيقه، أيًا كان. 

إن طبيعة هذه الأنواع من الاحتجاجات تجعلها مربكة بطبيعتها ويصعب تحليلها. يصعب علينا فهم غضب على هذا المستوى على نحو شامل، لأنه شخصي ومختلف من مُحتج لآخر. يستحوذ الغضب على المشهد، ويؤدي إلى مطلب وحيد: «الشعب يريد سقوط النظام”». ماذا؟ كيف؟ من؟ جميعها أسئلة مشروعة، أسئلة طُرحت في دول أخرى وحاولنا الإجابة عنها في ثماني سنوات من الانهيار في جميع أنحاء المنطقة، أسئلة يصعب الإجابة عنها في العراق، وهي دولة لا يحكمها رجل قوي، ولكن مجموعة من الفاسدين الأفراد والجماعات والأحزاب، وكلهم مذنبون في حرمان العراقيين من الحياة الكريمة. إنها أسئلة لا نمتلك إجابتها حتى الآن. 

إن تاريخ العراق والوضع الحالي والسياق الاجتماعي الأوسع فريد من نوعه، لكن هذه ليست مظالم لم نرها من قبل. ليست جديدة، ولكنها تبدو جديدة هذه المرة، نحن في نقطة تحول. لم تتعلم المؤسسة السياسية وشركاؤها الأمنيين (المحليون والأجانب) من دروس الماضي. لم يلتفتوا للتحذيرات الدورية من الشارع. بدلًا من ذلك، في مقابل «الاستقرار» والشراكات العسكرية والسياسة التي يسيطر عليها الأمن، واصلوا تجاهل الأمراض الاجتماعية التي واجهها هؤلاء السكان المدنيون. قد يجادل بعض من يرفضون الوضع الراهن بأنه طالما استمر النفط في التدفق، والأمن «مُستتب»، فإن كل شيء على ما يرام، وما عدا ذلك هو نوع من «المرونة». 

إذا كان هناك شيء واحد لا تزال تفعله جميع الحكومات في المنطقة -وكل السياسة الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (ولكن بشكل خاص العراق)- فهو المبالغة في تقدير «مرونة» شعوب المنطقة. ويعتبرون ببساطة أن الصمت نوع من الموافقة والقبول. إن إنكار فعالية المواطنين العراقيين في جميع أنحاء البلاد، تُرجم على مدى سنوات إلى عبارة: «أنتم لا تستحقون أفضل من هذا».

هذا الانهيار الجديد -كما رأينا في المنطقة منذ سنوات (إن لم يكن عقودًا وأجيالًا)- كان دائمًا كفاحًا من أجل تقرير المصير. حرية اختيار المسار الخاص بك، واختيار نوع البلد الذي تريد أن تعيش فيه. الحرية في تغيير رأيك. الحرية في أن تقرر مصير نفسك. الحرية في أن لا تكون عالقًا أو فقيرًا أو مُعدمًا، لأن الذين يحكمونك سرقوا كل شيء. الحرية في أن تصنع شيئًا من نفسك، لنفسك، لعائلتك، ولمجتمعك.

لا أحد يعرف حقًا كيف سينتهي هذا الفصل في العراق. يشعر البعض بالخوف من اندلاع صراع أهلي إذا استمر هذا، ويبدو هذا التهديد واقعيًا في الوقت الحالي. لا يزال البعض يعتقد أن الحكومة ستتغلب على العاصفة وأن الغضب في النهاية سوف يهدأ. أنا لا أدعي معرفة ما سيحدث بالضبط. كما أن هذه المقالة ليست محاولة لرسم الخيارات السياسية للحكومة، أو طريقة لحل الخلاف القائم. إنها مجرد محاولة لإضفاء طابع إنساني على الأصوات التي تهتف في الشارع، والتي تتفوق عليها بسهولة المخاوف الأمنية والأولويات الاستراتيجية في قاعات وزارة الخارجية والمنظمات الدولية. وكما أخبرني نبيل من بغداد: «مهما كان ما سيحدث ردًا على مقترحات الحكومة لمعالجة المخاوف، فإن الاحتجاجات لن تنتهي. لقد سئم الناس من النظام السياسي برُمته. وحتى إن انتهت الاحتجاجات، فسوف تظهر موجة أخرى، ويتكرر ما حدث مرة أخرى. لا أحد يصدق أن لدى السياسيين رغبة حقيقية أو قدرة على إحداث تغيير إيجابي وجذري». 

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءاً من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. أعرف أكتر

أشترك الآن